صالح والقذافي .. نبقى أو يفنى الشعب

على الرغم من كل المساوئ التي عرفت بها مراحل حكم كل من الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك، ومن قبله التونسي زين العابدين بن علي، فإنهما على أقل تقدير “احترما” نفسيهما عند رحيلهما من الحكم، صحيح أنهما حاولا التشبث إلى اللحظات الأخيرة ب “الكرسي”..

ومع أن حجم الجرائم التي ارتكباها سواء خلال ال “18” يوما بالنسبة لحسني مبارك، أو ال “28” يوما لبن علي، لا تقارن أبداً بما يرتكب اليوم من جرائم سواء في ليبيا أو اليمن، أو سوريا التي نأمل ألا تنحو الأحداث فيها منحى اليمن أو ليبيا.

في ليبيا القذافي حكم 42 عاماً، وفي اليمن يحكم علي عبدالله صالح أكثر من 33 عاماً، وبالرغم من كل هذه الأعوام فإنهما لم “يشبعا” من “لذة” الكرسي، وها هما يبيدان شعبي البلدين من أجل الاستمرار ولو لأسابيع أو أشهر عدة للبقاء في الحكم، ولا تعرف أي تفسير لهذا التشبث في حكم، يقول الشعب لكل منهما ليل نهار: لا نريد بقاء.. ارحل…

كيف يمكن لرئيس أن يبقى في الحكم والشعب لا يريده؟ أي شرعية يمكن أن يستقيها هذا الرئيس ليبقى على كرسي بلده، مع أن المجتمع يرفضه بكل أطيافه؟ بأي وجه يقابل هذا الرئيس شعبه وهو الذي يأمر زبانيته وأعوانه بقتل أبناء الشعب بدم بارد من أجل البقاء في الحكم؟..

والغريب أن القذافي وصالح يخرجان في حشد يتم “تجميعه” بالمال، ليُلقيا خطباً بكلمات لا تفهم منها إلا الجمل البسيطة، ويعلن علي عبدالله صالح انه يفدي الشعب بدمه، وهو الذي يقتل الشعب، ويستبيح دمه في مختلف المحافظات، ويستخدم كل أنواع السلاح من أجل إزهاق الأرواح البريئة من الشباب والشيوخ والنساء في اليمن الشقيق.

الرئيس اليمني لو أنه قدم شيئاً يذكر للشعب الذي رزح على صدره حتى الاختناق طوال العقود الثلاثة لربما أوجدنا له مبرراً بأنه يدافع عن إنجازاته “العظيمة” التي حققها من أجل “اليمن السعيد”، الذي بات اليوم بفضل سياسة جلاده للأسف الشديد مرتعاً لانتشار الفساد حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية السنوية، فهي تشير إلى أن اليمن في المرتبة السفلى بين الدول المتخلفة!!، فاليمن حسب تقرير المنظمة عن عام 2009 في مقدمة الدول الأكثر فساداً، فقد احتلت المرتبة 154 في هذا الحضيض، وفي العام الماضي لم يكن الحال بالطبع أفضل من العام الذي سبقه، فقد جاء ترتيب اليمن في المرتبة 146 وبنسبة 2،2 من درجات تصنيف المؤشر التي تتراوح ما بين صفر الدرجة الاسوأ وبين 10 الدرجة الأعلى التي تشير إلى سلامة البلد وخلوها من الفساد.

فقط لتذكير الرئيس اليمني الذي تطاول على قطر في خطابه قبل يومين.. إن قطر التي تجرأت عليها سفاهاً تصدرت الدول العربية والإسلامية في مؤشر الشفافية ومكافحة الفساد، فقد جاءت بالمرتبة الأولى عربياً وإسلامياً، وفي المرتبة التاسعة عشرة عالمياً بدرجة 7،7 نقطة، بعد اليابان مباشرة، حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية 2010.

ولا داعي لتذكير “فخامته” كذلك بإنجازات قطر وقيادتها، ونمو اقتصادها، واهتمامها بأبنائها في خطط تستمر لعقود من التنمية والرخاء.. فاستراتيجيتها ومساعيها الجدية الحثيثة على هذا الصعيد.. أشهر من نار على علم.

أما ليبيا فهي ليست أفضل حالاً من اليمن “التعيس” في الوضع الاقتصادي، ومستوى المعيشة، والكبت الذي يعانيه الشعب.. على الرغم من الإمكانات التي تمتلكها ليبيا، والثروات الهائلة التي بددها القذافي، في مغامرات لم تجلب إلا الفقر والدمار لهذا البلد العزيز.

الرئيس اليمني حكم 33 عاماً، فلماذا يصر على البقاء في الحكم، فيما غالبية الشعب تطالبه بالرحيل، لماذا لا يرحل، هل الأشهر القليلة القادمة هي التي سينجز فيها للشعب ما عجز عن البدء به مجرد البدء خلال ثلاثين عاماً، أم إن خططه “التنموية” العتيدة لن تكتمل إلا ببقائه لنهاية العام!!؟.

لماذا لا يكون التغيير في العالم العربي سلمياً، دون إراقة الدماء أنهاراً وسيولاً؟ لماذا يقدم المترئس بالقهر في العالم العربي على إبادة الشعب، من أجل أن يبقى أياماً معدودة في الحكم، لماذا “الزعيم” في العالم العربي يصر على أن يجلس على جماجم أبناء الشعب؟.

هناك رغبة بالتغيير في اليمن.. الشعب اليمني يستحق أن يعيش أبناؤه الحياة الأفضل، فلماذا يرفض رئيسه الممسك بالحكم طوال 33 عاماً هذا التغيير؟ أليس من حق الشعب الذي أمهل علي عبدالله صالح كل هذه المدة من البقاء، ومنحه فرصاً متعددة للحكم الرشيد أن يبحث عن مستقبله ومستقبل أبنائه مع حاكم آخر، أم إن حكم صالح هو زواج “كاثوليكي” مع الشعب.. لا طلاق معه أبداً ولو ارتكب ضد الشعب ما يوجب الطلاق بينه وبن الشعب من أمد بعيد.. أو بزوال أحدهما، موت صالح أو فناء الشعب؟.

علي عبدالله صالح يقول اليوم للشعب: إما تبقون وتحيون معي أو تفنون قبلي.. هذا هو المنطق الذي يتحرك فيه طاغية اليمن، الذي لم يستجب لكل المبادرات التي تسعى لحقن الدماء الطاهرة في اليمن الشقيق، سواء من الداخل أو الخارج،، وفي نفس الوقت تتيح له خروجاً مشرفاً على أقل تقدير، بدلاً من مستقبل “غامض” ينتظره في حال إصراره على قتل المزيد من أبناء الشعب.. الشعب اليمني قدم صورة مشرفة عن سلمية مطالباته المشروعة، ولم يُقدِم على استخدام السلاح، على الرغم مما يملكه منه، وعلى الرغم مما لاقاه من ظلم وإجرام من قبل النظام، ولكن بالرغم من ذلك أصر شعب “الحكمة اليمانية” على أن يكون التغيير سلمياً، فلم يشهر السلاح بوجه قاتليه، فالشعب لديه القدرة والإمكانية لاستخدام السلاح، لكنه رفض، وأصر أن يواجه النظام بالصدور العارية والهتافات والمطالبات السلمية، وهو أمر يحسب لأبناء اليمن، الذين عرفوا بالحكمة عبر التاريخ.

للأسف الشديد إن الرئيس اليمني اقتدى بالقذافي، ولم يأخذ الدرس من مبارك وبن علي، لذلك ستكون خسارته فادحة.

كان بإمكان صالح أن يكون أذكى من الثلاثة، وأن يخرج من الحكم خروجاً يظل به محل تقدير الشعب والأجيال القادمة، لكنه آثر أن تذكره الأجيال برحيل غير مأسوف عليه، وتجعل من يوم رحيله عيداً، ولا كل الأعياد!!.

لقد سقط الآلاف من الشعب اليمني الشقيق بين شهيد وجريح، وهو مستعد لأن يقدم المزيد، ولن يتراجع إلا برحيل الجلاد وطغمته الفاسدة، فالدم إذا ما سفح لا يتوقف عن الهدير إلا بزوال السبب الحقيقي الذي سفح على يديه، وبزوغ الفجر الذي سفح من أجله، فالدماء الطاهرة التي أريقت كانت تطالب بالتغيير، وبرحيل صالح، ولن يوقفها إلا رحيل الرئيس.

القذافي وصالح ليسا تلاميذ نجباً، فقد ظلا في الصف الدراسي الواحد طوال هذه العقود، ولم يستطيعا الانتقال إلى الصف التالي، وهذا هو ما يفسر محدودية تفكيرهما، وعدم استيعابهما للمتغيرات التي يعيشها المجتمع حول كل منهما، ولم يواكبا متطلبات شعبي البلدين، فاعتقدا أن القوة هي الفيصل في مواصلة كبت من يتسلطان عليه بالخداع تارة وبالقمع تارات، ولم يعرفا أن طوفان التغيير لا توقفه قوة، ولا يمكن صده بجلاوذة الأجهزة الأمنية القمعية، التي تم الاستعانة بها من الداخل والخارج.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية