فرانس24 خسرتني واليمنيون يريدون قتلي

هناك مؤامرة من فئة من القراء عليّ لكي ‘يجيبوا أجلي’، وإلا ما معنى أن يطالبوني بأن اشاهد مزيدا من هذه الفضائيات البائسة في هذه الايام المشتعلة؟ كأن البلاء الذي أنا فيه بمشاهدتي لباقي الفضائيات، من المغرب إلى عمان، مضافا إليها ‘الدنيا’ لا يكفي!

هذا ما قلته في قرارة نفسي عندما وردتني أكثر من مراسلة تدعوني إلى مشاهدة الفضائية اليمنية. ثم تذكرت الرجل السوداني الذي ضربوه في عينه الضريرة، ضحك وقال: هي اساسا بايزة!

من المفروض أن نترك اليمنية لليمنيين يكتبون عنها وينتقدونها، فهم مثل أهل مكة وشعابها. بيد أنه لم يبق هناك يمني يشاهد فضائية بلاده، ما يفسر استنجاد هؤلاء القراء بخدماتي الجليلة.

هناك شعور عربي عام: كل واحد يعتقد أن نظام حكم بلاده هو الأكثر ديكتاتورية، وتلفزيون بلاده هو الأكثر تخلفا، وغيره من تفاصيل المنافسة على كل ما هو بشع. هذه حالة نفسية جماعية اللهم لا حسد! أقول لأصدقاء إن القذافي هو أسوأ ما جادت به البشرية من حاكم ونظام حكم، فيقول السوريون: لأنك لم تجرب النظام السوري. ويقول التوانسة: لأنك لم تعرف النظام التونسي. ويقول المصريون: لأنك لم تجرب الثلاثي حسني جمال علاء وفوقه بركات فتحي سرور وصفوت الشريف. ويقول الجزائريون: كل البلاء شيء والنظام الجزائر شيء آخر. وهكذا.
وقبل هؤلاء وأولئك كان العراقيون يقولون لكل من تفوه بكلمة تعاطف مع الرئيس الراحل صدام حسين: إذا كان عجبكم فخذوه يحكمكم.

أعترف بأنني اشاهد الفضائية اليمينة وإن بشكل غير منتظم أو ثابت، رغم الثورة الهائلة التي يخوضها شعب اليمن.
أمر باستمرار على الفضائية اليمينة، نزولا وصعودا على طريقتي في التنقل من محطة إلى أخرى بحثا عن شيء غير موجود، ومن دون الاستقرار على واحدة بعينها. ورقم اليمنية في الترتيب عندي هو 23، وهي مرتبة غير سيئة إطلاقا، لأنها تشبه إلى حد ما ترتيب هيئات الأمم المتحدة للدول من حيث الفساد والحكم الراشد.. وقد قرأت مقالات ابتهاج في صحف دول عربية نالت الرتبة الخامسة قبل المئة مثلا، وأخرى تتباهى ب’تطور ملحوظ’ ينقل بلدا من الرتبة 132 إلى الرتبة 120 مثلا.

هذا هو حال اليمنية عندي أو معي، لا لسبب إلا لأنني عندما أتوقف عندها لا أصمد كثيرا، رغم المحفزات والمنشطات التي أستعين بها على الفضائيات الأخرى وتغييري للصنف منذ اكتشفت ‘الدنيا’ حديثا. فأخفف على نفسي وأحافظ على توازني بالذهاب والعودة كمن يغادر ‘البيت السخونة’ في حمام تركي لحظات كي يستنشق بعض الأوكسجين ثم يعود.

حكمي السريع على الفضائية اليمنية، إذا سمحت لنفسي بالحكم، هو هذا: لا يختلف حالها وحال المساكين القائمين عليها عن حال الأخريات ممن تورط مالكوها وأسيادها في ثورة شعبية، ولكم في السورية والليبية و’الدنيا’ وقبلها التونسية والمصرية، نموذج.

فهي لا تتورع عن استنفار كل ما يمكن استنفاره لتفنيد أن البلد يشهد ثورة على طاغية أبدع في جعل بلده فاشلا بكل المقاييس ويعيش أيامه الأخيرة كديكتاتور. ولا تتردد في انتقاد المحطات الفضائية التي قررت أن تغطي الشأن اليمني ففعلت بشكل لا يرضي ذلك النظام المتجبر وزبانيته.

هذه الأيام تنشغل اليمنية بآل الأحمر الذين يبدو أنهم حملوا السلاح ضد قوات الفاشل علي عبد الله صالح. لا أعرف لماذا انجر آل الأحمر إلى السلاح فمنحوا صالح والفضائية اليمنية والحزب الحاكم طوق نجاة وموضوعا يعلكون فيه آناء الليل وأطراف النهار ولسان حالهم يقول: لسنا وحدنا ‘بلاطجة’. لقد كانت ثورة شباب اليمن طاهرة نظيفة، رغم كمّ السلاح المنتشر في البلاد، فأخشى عليها من أن تتحول إلى حرب أهلية أو صراع قبلي ينقذ ذلك الطاغية مما هو فيه.

ومثل بقية فضائيات حكامنا الموقرين، تعيش اليمنية على فتات ومجد الآخرين، أقصد المحطات التي تهتم بتغطية الشأن اليمني فتترصد الهفوات، موجودة وغير موجودة، لتجعل منها موضوعا قد تستهلك الأمسية كاملة في مناقشته.

في الأثر قالوا: من سنّ سنة سيئة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم الدين، ومن سن سنة سيئة له إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم الدين. لا أعرف من الذي سنّ سنة العيش على فتات الآخرين، هل هي الفضائية الليبية أم السورية أم ‘الدنيا’ أم اليمنية.. اختلط الحابل بالنابل وتشابهت الفضائيات مثل المطربات اللبنانيات بعد النفخ والشفط عند جراح التجميل نفسه.. ملامح واحدة للجميع!

من السهل جدا أن تنتظر هفوات الآخرين في مثل هذه الظروف وهذا النوع من العمل والمنافسة الشرسة، لكن الصعب هو أن تعمل مثلهم. لكن الفضائية اليمنية لا تعمل ولا تريد أن يعمل الآخرون، مثلها مثل الفضائيات التي تورط أسيادها في ثورات شعبية اقتلعتهم أو هي على وشك.

هناك ‘ونسة’ يومية في الفضائية اليمنية. كل مساء يلتقي أناس يتبادلون أطراف الحديث في السياسة والاجتماع وغيره. في البدء كانت اللقاءات تتم في استوديوهات تلفزيونية، ثم تطور الأمر إلى ونسة في صالون يشبه صالة جلوس في فيلا فاخرة لا ينقصها إلا ‘تخزينات قات’.

تتشابه هذه ‘الونسة’ في مضمونها تماما مع جلسات مماثلة تختلف ديكورا في فضائيات أخرى سبقت إلى هذا النوع من جلسات النميمة، فيا ويله من ربّ العالمين يوم القيامة من سنّ هذه السنة.

لو كانت هذه الفضائيات تنفع لنفعت المصرية، وما أكثرها، الطاغية الآخر حسني مبارك، ونفعت الليبيات ‘بابا معمر’.
عليّ أن أسجل أن الفضائية اليمينة تحتفظ ببعض الحياء. ولأن الأشياء نسبية والشيء لا يُعرف إلا بمقارنته بمثله، أقول هذا مقارنا إياها بما ورد ذكرها أعلاه ومن أشعر أنها مرشحة للموقع والدور نفسه والورطة نفسها. هي مثلا أقل فجاجة من ‘الدنيا’ ومن ‘الجماهيرية’ حامية ظهر ‘بابا معمر’.

في آخر الزمن أصبح المرء يقارن بين البشع والأبشع.. بين الطاعون والسل.

في الأخير أود أن أطمئن الذين يعتقدون أو يخشون، من اليمنيين وغيرهم، أن عمل الفضائية اليمنية قد يعرقل ذهاب الثورة إلى نهايتها، أن الديكتاتور علي صالح زال، راح، سقط، انتهى (ومثله ‘أبو منيار بابا معمر’).
تستطيع أن تبقى في الحكم وأنت ساقط ومنته، بيد أن ‘سي صالح’ لم يفهمها، أو ربما هو يفضل الاقتلاع!

مبروك.. ولكن!

اسمع عن نجاح قناة ‘فرانس24’ ولا أراه. مع بداية السنة الجارية غيّرت هذه المحطة الفرنسية تردداتها والتحقت بباقة جديدة في ‘الهوائي المقعّر’ (مع الاعتذار لمن فهموا معنى الكلمة الثانية).

مبروك.. في مثل هذه الحالات، عندما يغيّر محل تجاري عنوانه، يترك لافتة في المكان القديم تقول: المعذرة، انتقلنا إلى العنوان كذا، أو أقرب فرع لشركتنا هو في المكان الفلاني العنوان كذا.

هذا أقل المطلوب، لكن ‘فرانس24’ لم تفعل هذا ‘الأقل’. ربما أبلغت مشاهديها به قبيل الانتقال إلى الباقة الجديدة، لكن ما الضرر لو وُضعت الترددات الجديدة في مكان واضح بالموقع الالكتروني للقناة؟

زرت الموقع عشرات المرات أملا في العثور على الترددات الجديدة، لكن لا حياة لمن تنادي. أنا رجل يفضل مشاهدة التلفزيون على جهاز التلفزيون ولا تشبع فضوله نافذة صغيرة في جهاز الكمبيوتر، لكن إدارة ‘فرانس24′ تحرمني من هذه الحق.

محطة تلفزيونية عالمية لا يعثر الانسان بسهولة على الحد الأدنى من معلوماتها، تردداتها، هي محطة نصف ناجحة. غير معقول أن تضيّع 20 دقيقة من يومك في 2011 بحثا عن معلومة من المفروض أن تكون أول ما يخطف بصرك لحظة دخولك الموقع الالكتروني.

على كل حال دعوها، ف’فرانس24’ هي من خسرتني ولست أنا من خسرها!

كاتب صحافي من أسرة ‘القدس العربي’
Toufik@alquds.co.uk

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية