الطُّغَم والانتفاضة والسلطة الانتقالية

الطُّغَم والانتفاضة والسلطة الانتقالية

التصريحات التي أطلقها د. أبوبكر القربي بشأن المعادلة الخاطئة القائمة على المثل الشعبي “حبتي والاَّ الديك” أي الرئيس رئيسياً وإلاَّ الحرب الأهلية افتقرت إلى التفويض والانضباط والمسؤولية، دفعت بصادق الأحمر إلى إطلاق تصريح غير منضبط وغير مسؤول.

لماذا؟ لأن كليهما صعد الموقف باتجاه المواجهة الإعلامية والسياسية والعسكرية في الوقت الذي تعيش البلاد في جحيم حقيقي وفعلي.

وعقب هذين التصريحين قطع د. عبدالكريم الإرياني إجازته التي كان يقضيها في الخارج وذهب إلى الرياض وألغيت زيارة القربي إلى واشنطن ومن ثم توجه إلى الرياض وتزامناً مع هذا الحراك غادر مندوب الأمين العام للأمم المتحدة جمال بن عمر إلى نيويورك لتقديم تقريره الرابع والذي سوف يتضمن مدى تعقد الحالة اليمنية وإمكانيات تفجر الأوضاع العسكرية في صنعاء، وبسبب هذا الحراك السياسي أصدرت السفارة الأميركية بياناً إنتقادياً للتشويش الذي أحدثته الأخبار المنشورة في الصحف التي تسيطر عليها الطغمة العسكرية القبلية الحاكمة حول موقفها من الأحداث في اليمن، حيث كررت عدم وجود أي تغيير في موقف الولايات المتحدة الأميركية القاضي بنقل السلطة فوراً، وعلى ضوء هذا الحراك المنفعل والمفتعل بدأت مؤشرات ميدانية تنبئ بقرب المواجهات العسكرية بحفر الخنادق حول حي الحصبة والدفع بقوات من الحرس الجمهوري والأمن المركزي وقوات النجدة للتموضع في المداخل المؤدية إلى حي الحصبة، ودل التموضع الجديد لهذه القوات على ضيق الصدر وما لحق بكتائب الحرس والأمن المركزي من أنهاك وتفكك في المناطق وهذه القوات أضحت في حكم المحاصر في أماكن تواجدها ولا تستطع الدخول في مواجهات ميدانية.

والمعطيات الفعلية الموضوعية والذاتية تؤكد ان الواقع السياسي والاجتماعي أفرز ثلاث طغم رئيسية خاضت حرباً باردة منذ 1997م وحتى 22 مايو 2011م تم بدأت المواجهات العسكرية في 23 مايو 2011م ووصلت ذروتها الأولى في 3 يونيو 2011م.

والطغم هذه هي: الطغمة العسكرية القبلية الحاكمة وما إليها من الحلفاء والطغمة شبه المدنية وهي عبارة عن قيادات الأحزاب السياسية كالإخوان المسلمين والحزب الاشتراكي والناصريين والتجمع الوحدوي وكبار رجال الأعمال وكبار الكتاب والصحفيين والأكاديميين.

الطغمة شبه المدنية تخلت عن برامجها السياسية الاجتماعية بوصفها جزء من الطبقة الوسطى والطبقات والفئات الاجتماعية القاعية واندمجت ناشطة لمصلحة الطغمتين المعتليتين منصة الصراع، وأن الطبيعة الفاشية لنظام صالح الشمولي أدت إلى إملاق المجتمعات اليمنية وظهور المنحرفين والمرتزقة كرجال دولة وتجار طفيليين، الأمر الذي خلق شروط وبيئة لتنهر الطغمة القبلية والتي تقف الآن في مواجهة الطغمة العسكرية القبلية مزيحة من الواقع الصراع السياسي والاجتماعي إلى الخلف واستبداله بالصراع الشخصي والأسري للبيوت السياسية التقليدية.

إن الأزمة الآن وصلت إلى الحالة الثورية غير أن آلياتها الرئيسة تراجعت إلى الوراء، حيث كان بإمكانها تصدر فعل الانتفاضة السلمي وتحقيق الأهداف بصبر وثبات خاصة وأن الشعب اليمني تعود على السير في درب الآلام والجمر الملتهب ومازال مستعداً، غير أن هناك من خطط لحرقها وإجبارها على سلوك الحل العسكري من خارجها.

والانتفاضة الشبابية والشعبية هي أبرز آليات الأزمة في حالتها الثورية وكان عليها أولاً أن تتخذ شعارات سياسية محضة للتعبير عن جوهر الصراع السياسي الاجتماعي وتبتعد عن شعارات جماعات الهوس الديني المدمرة وثانياً أن يكون لها مكون أو إطار سياسي يتميز بكونه حاضناً للتنوع الكياناتي من أحزاب ونقابات ومنظمات طوعية وتشكيلات مستقلة وقبلية وكلها تتماهى مع دولة المواطنة والحقوق المتساوية وثالثا أن يكون لها برنامجاً سياسياً يتضمن رؤى واضحة لا لبس فيها حول كافة القضايا الداخلية والخارجية.

ورابعاً أن تتحلى بفكر السلام والمحبة والشراكة رافضة الأفكار الانقلابية وسيطرة العقلية المتبدونة وخامساً أن لا تكون مستمرة في الساحات التي يسهل على السلطة ضربها كما جرى في تعز وعدن، بل عليها التحول إلى المظاهرات والمسيرات في الشوارع المفتوحة والضيقة والأزقة لإنهاك قوى الأمن وحسن التعامل معها ميدانياً وحرمان القوات العسكرية من تدمير المدن كما يحصل في مدينة تعز، كما أن الانتفاضة السلمية تحتاج إلى الإضرابات والاعتصامات والعصيان المدني وسادساً أن تخلق تحالفاً مدنياً وريفياً متيناً لجذب المزارعين والمعذبين الريفيين إلى متنها.

ومن تطور الأزمة في حالتها الثورية، الانتفاضة بمعناها الواسع وأبرز آلياتها سوف تتبين كنه السلطة الانتقالية التي تجاوز أولاً الأحادية والعقل المتبدون الانقلابي وسوف تجتذب وتحقق إلى متنها مصالح كل مكونات المجتمع اليمني معززة حرياتها وصيانة كرامتها ومرسخة محبتها وسوف تقدم حلاً ديمقراطياً غير مبالغ فيه لكل المسائل المجمدة حلها بسبب الطغيان والفساد بما في ذلك المسألة الجنوبية والوحدة اليمنية.

إن الانفراد والأحادية في تشكيل ما يزعم بأنه مجلس انتقالي قد ألحق ضرراً بجوهر الانتفاضة وأدى إلى إلحاقها بالطغمة القبلية ذات الحل العسكري، بينما الانتفاضة عبارة عن حل سياسي وأن قلة من الناس اغتصبت حقوق الأغلبية وقامت منفردة بتشكيل مجلس انتقالي، فجنحت إلى العقل الانقلابي المرفوض شعبياً.