دفاعا عن المشترك هذه المرة

  محمد العمراني

قامت هذه الثورة بالأساس من أجل اسقاط النظام , كان شعارها الكبير “ارحل” , كنا نعد على المنصة 30 مفردة مرادفة لكلمة “ارحل” . بدأنا بخجل ثم تحولنا الى اعصار هادر أرعب الطغيان وجعله يفقد الأعصاب . صرخنا بدرونا للجيش والقبائل وللأحزاب وبدورها لبت النداء وتحولت المنصة الى مهرجان ترحيبي كل دقيقتين كانت “حيا بهم ” هي العنوان ,, يأتي الوفود من كل الآطراف والأشكال حتى ضاقت بنا الساحات .

هنا نقول , في أي نظام يحترم نفسه في العالم كان هذا الحشد المنتشر على طول الجسد اليمني كافيا كي يرحل أي كيان يدعي صلته بالآدمية والأنسانية . لكن هذا لم يحصل .

بدأت المرحلة الثانية حين بدأ القتل , تغيرت ” أرحل ” الى ” يحاكم ” فالمحاكمة إذن هي وليدة حالة غاضبة ناتجة عن جرائم القتل التي لم نكن نتوقع أبدا أن تحدث بتلك الوحشية ,, ولكنها حدثت بالفعل.

ظلننا نهتف ونقيم المسيرات ونستعطف احرار العالم , لم يبق الهدف فقط أن يفهمنا صالح , صار الهدف أن يفهمنا العالم ,, وهذه كانت عنوان المرحلة الثالثة ,, ان نعرف العالم بحجم تطلعاتنا وبحجم الغبن الواقع علينا وبحجم اصرارنا أيضا .

دفع النظام في اليمن بالأمور الى الأسوأ ,, أحرق الساحات , قتل العزل ,, واجه المظاهرات بالقنابل , فعل كل هذا وساق الأمور في طريق عسكرة الثورة بشهوة الأنتقام المسكونة فيه , كان الخيار المتبقي هو القتال والحسم العسكري وخيارات أكثر تعقيدا .

هنا ظهرت المبادرة الخليجية – بعد مجموعة من المبادرات من قبل المخلوع مرة ومن قبل المشترك أخرى – كانت الدول الخليجية تنظر للوضع من زاويتين وكلاهما متعلقة بأمنها الداخلي والأقليمي فقط , ليست المبادرة حفاظا على الروح اليمنية , هذا كلام يستهلك اعلاميا فقط , تؤمن الدول أن لها حاجات أكبر من ضمائر الأفراد وهي تتعامل بهذا المستوى من الفهم , كانت دول الخليج تخشى من شيئين :

أ‌) أن تمتد هذه الثورات وتتحفز الصحراء الخليجية المشبعة بالنفط بفعل هذه الرياح الهوجاء وتعمل على تلقيح العقال الخليجي بمجموعة من الأفكار المحرمة شرعا والتي ستخرج الناس عن طور الحاكمين بأمر الدين فيضيع معها الدين والأهم الخوف من أن تضيع هذه الحياة الدنيا كذلك .

ب‌) أن تحصل حالة الفوضى في اليمن , وحالة الفوضي ستخدم بالتأكيد أولئك المتربصين الذين يبحثون عن منفذ لتطويق الخاصرة . اقصد هنا الوحش الأيراني المتخيل لدى غزلان صحراء النفط .

لهذا كانت المبادرة جادة الى حد بعيد لأنها تعنيهم بالضرورة , وكان التعاطي مع المبادرة عملا إجباريا بامتياز ,, لأننا نحن من طلبنا الحل من العالم , والعالم أوكلنا الى نص هذه المبادرة اللعينة التي تحولت لاحقا الى اصدارات تنافس اصدارات ويندوز , مع فارق أن ويندوز يأخذ رأي المستخدمين للتحسين وكان العكس هو الذي يحصل في تحديثات النسخ الست .

هنا من المهم الأشارة الى العامل الخارجي ,, لأن وجود بؤرة توتر إضافية ليس مقبولا على الأطلاق ,, هكذا ترى دول النفط ومن خلفها الدولة الأمريكية القوية و المرهقة بالديون والتي ليس من مصلحتها على الأطلاق – كما هو في الظاهر – أن تتحول اليمن الى بؤرة لصراع خليجي ايراني تبدأ عنده مرحلة الأستنزاف .لهذا كان التعامل مع المبادرة الخليجية أمرا شديد الضرورة – سياسيا – وليس عملا من قبيل الترف أو لمجرد المناورة .

ربما بدا الأمر في بداية أمر المبادرة على طريقة سأوقع لأنه لن يوقع (هذا من الطرفين ) , ولكنه وكما نعلم جميعا انتهى بقرارات دولية لم تعد قابلة للمساومة وبدا الطرفان فيها على ذات القدر من الخسارة , كتبت يوم توقيع المبادرة أنها تشبه حالة اغتصاب لا أخلاقية أريد لها أن تكون عرسا يفرح به الناس. لقد أنتهت الأمور الى هذه الدرجة من التعقيد بحيث بدا معها رفض المبادرة عملا متهورا يضع الثورة بكاملها على طريق ربما ينتهى بالفشل الكامل أو يضع المخلوع في حافة المواجهة مع العالم وهذه المرة كانت الأرصدة والسفر وملف جرائم الحرب هي البديل ,,

هناك بعد آخر في المسألة جعل القبول بالمبادرة خيارا مستحسنا وربما إجباريا وهو الحالة فائقة الصعوبة التي وصل اليها المجتمع من التدهور , والمواطن البسيط يكفر بالثورة بمجرد أن يبيت ليلة في الظلام فكيف إذا تعدى العام وهو بين الظلام والخوف ,, هذه الثورة لم تكن انقلابا عسكريا ولا عملا نخبويا ,, كانت تتغذى من الجماهير وعامة الشعب ولهذا كان اعتبار هذا البعد مهما جدا ,,

لقد وصلت الثورة الى مرحلة حاسمة يجب أن تتخذ معها قرارا صعبا ومصيريا ,, وكانت الخيارات تقع في 3 محاور :
1- القبول بالمبادرة والدفع باتجاه تنفيذها على اعتبار أنها الخيار الممكن الذي سيفضي الى أهداف الثورة وإن على المدى البعيد والمحتمل , وهو خيار بالتأكيد يحمل الكثير من المخاطرة بمصير الثورة ,,

2- التوجه نحو الخيار الأصعب : خيار الحسم المسلح والعسكري وهنا لا بد أن نشير الى مجموعة من الحقائق
أ‌) أن الخيار المسلح ليس خيارا مضمون النتائج , خاصة وأن الخصم يتمترس وراء منظومة عسكرية هائلة بإمكانها أن تحدث الكثير من الضرر وهذه حقيقة لايمكن التعامي عنها مطلقا .

ب‌) أن هذا الخيار في مجتمع لازالت المثل القبلية تمثل الحالة الثقافية السائدة وهي حالة قد تنحدر بالوطن الى حرب تبدأ ولا تنتهى لأنه أصبح واضحا ومن خلال المناطق التي دخلت في تجربة الحرب (تعز , نهم , أرحب وغيرها ) أن هذه النتيجة ( أقصد نتيجة الأتجاه لثارات قبلية أكثر منها ثورية ) أنها تسعى بهذا الأتجاه , خاصة وأن الطرف الآخر أصبح يعتمد على البعد القبلي أكثر من اعتماده على الحرس الجمهوري والأمن المركزي ,, هذا أيضا من المخاطر التي ينبغي أن نشير إليها .

ت‌) أن خيار الحرب والحسم العسكري لا يملك احد أن يقرره سوى تلك الفرق التى ستحارب , وأعني بها تلك الكتل المنظمة التي ستشترك بالمعركة وهي ( القوى الموالية للجيش , احزاب المشترك والأصلاح والأشتراكي منها على الخصوص , ثم التكتل القبلي المناصر للثورة ) وهي الوحيدة المعنية حقيقة باتخاذ قرار الحرب العسكرية من عدمها ليس لأنها أكثر وطنية من غيرها ,, ولكن الحرب تعني الكثير ولا يمكن لأي متحمس في الشارع أن ينخرط في أي تشكيلة عسكرية لكي يقاتل دون أن يكون معروف الهوية والعنوان ,, حتى وان امتلك الأستعداد الكامل لهذا العمل ,, كان واضحا أن هذه الفئات وحدها هي من ستحارب فقط ,, وهي كلها دون استثناء اختارت أن لاتحارب ووقفت كلها في صف المبادرة .

3- الخيار الثالث : كان هو الأستمرار بالحالة التي كنا عليها ,, أعني حرب أشبه بحرف استنزاف تستمر المعارك في المناطق المشتعلة عسكريا بينما يستمر الشباب ينادون بالسلمية ويطالبون بالحقوق والمحاكمة ,, , وهي حقيقة كانت تستنزف الطرفين , يفجر الثوار دبابتين وتقوم وزارة الدفاع باستيراد البديلات الأحدث ,, يحتل الثوار معسكرا ما في الليل ثم تأتي الطائرات لتسترده في النهار ,, وهكذا الخ .

أمام هذه الخيارات التي انتهت إليها الأحداث اختارت المفاوضات – ربما مكرهة – أن تسير في ركب المبادرة التي رفضت على المستوى الشبابي وحتى الشعبي لكن رفضها سياسيا كان متعذرا لأن مايدور في الغرف المغلقة دائما لا تنقله الصحافة , في الغرف المغلقة قد تسوء الأمور الى نوع من التحديات وربما التهديدات ,, وهذا يمكن أن نلحظه في بعض التصريحات سواء من طرف المعارضة , أو حتى المخلوع نفسه حين قال أن الزياني لم يتعامل معه بما ينبغي .

بعد هذا العرض أصبح من الضروري نفي تهمة التآمر على الثورة وسرقة الثورة والمتاجرة بدماء الشهداء وغيرها من التهم التي لا تليق أبدا بأي طرف ,,

شخصيا لا أستطيع أن أتصور أن يتفق الأسلاميون والقوميون والأشتراكيون والقوى العسكرية والقبلية بكل مافيها من عمق ورؤية وطنية وخبرة سياسية طويلة ورصيد كبير من العمل الوطني على البيع والمتاجرة بالدماء هكذا دون مبرر ,, هذا أمر يصعب فهمه نظريا وعمليا .

سأعترف أنني رفضت المبادرة ولا زلت كذلك ,, ولكني سأعترف بأني لم أكن أحمل أي خارطة طريق وكنت أجيب عن من يسأل عن البديل هي ” الثورة ” ولكن الحقيقة أن هذه الإجابة لم تكن كافية ,,,

ختاما : وبعد كل ماقيل فإننا جميعا مطالبون برؤية وطنية موحدة تفضى الى نجاح الثورة وهنا – ومن وجهة نظري – اعتقد أن لدينا خيارين اثنين :

1- الدفع وراء تنفيذ المبادرة الخليجية ومحاولة تطبيقها بالكامل على اعتبار أنها صلح الحديبية بشرط الأستعداد لخوض أي معركة مهما كانت تكاليفها في حال تعرضت أحد بنودها للمصادرة ,, كما فعل النبي مع بني بكر ,, حربا تفضي بنا الى الفتح ..

2- أن ندخل في نقاشات جادة تبحث عن خيارات حقيقية قابلة للتطبيق والعمل بروح مسئولة وبعيدا عن روح الأنهزامية والسكون ,, لأنه فيما يبدو أن حالة رفض المبادرة فقط دون تقديم بدائل فاعلة تعتبر نوعا من الأنتهازية السياسية ومحاولة الأتجار بالمصطلحات السياسية . يجب أن نقوم بعمل ما قبل أن تتحول حالة رفض المبادرة الى حالة رفض للثورة بعلم أو بدون علم .

– باحث يمني مقيم في الهند