مأزق الاستقالة والحصانة

مأزق الاستقالة والحصانة

تحتوي المبادرة الخليجية التي أتت كما قيل لحل “الأزمة اليمنية”، مع آليتها التنفيذية على جملة من التناقضات التي تجعل التقيد بواحدة منهما يصطدم مع ما يناقضه في الأخرى، وهو الأمر الذي يخلق إشكالية عويصة لدى من سيتولى إجراء الخطوات العملية لتنفيذها، وأخص هنا مجلس النواب المناط به إعداد الآليات التشريعية للوصول إلى ما احتوته الوثيقتان وحكومة الوفاق الوطني، ووزارة الشئون القانونية ووزارة شئون مجلسي النواب والشورى.

ففي حين تنص المبادرة الخليجية في فقرتها الثالثة على إلزام مجلس النواب بإقرار الإجراءات التشريعية التي تمنح الحصانة للرئيس وأركان حكمه في اليوم التاسع والعشرين بعد التوقيع على الاتفاقية، وفي فقرتها الرابعة على استقالة الرئيس في اليوم الثلاثين بعد التوقيع على المبادرة وهو ما يعني ارتباط الحصانة بالاستقالة وبمغادرة كل أركان حكم صالح لمواقعهم الرسمية، فإن الآلية التنفيذية تجاهلت بند الاستقالة واكتفت في فقرتها الخامسة والسابعة (أ) والخامسة عشرة بتفويض الرئيس لنائبه وفقا للمرسوم رقم 24 للعام 2011م، وتحاشت الحديث عن أي حصانة أو ضمانات مقابل تجاهل فقرة الاستقالة، ودعوة الرئيس بالإنابة لانتخابات مبكرة بعد 90 يوما من التوقيع على الآلية التنفيذية، وهو ما يعني أن بندي الاستقالة والحصانة قد سقطا من مضمون الآلية التنفيذية وتبعا لذلك من مضمون المبادرة التي جاءت الآلية لتنفيذها.

أعرف جيدا أن شباب الثورة في جميع الساحات يرفضون المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية وأكثر من ذلك يرفضون القبول ببند الضمانات خاصة وإن صالح وأنصاره قد أمعنوا قتلا وتنكيلا وتعذيبا وحصارا للثوار وعقابا جماعيا للشعب اليمني كله على مدى أكثر من سبعة أشهر منذ إعلان المبادرة والتوقيع عليها من قبل الأحزاب السياسية، وأعرف جيدا أن كل واحد من هذه الأفعال يستحق بمفرده عقوبة قاسية على من ارتكبه، فما بالنا بمئات وربما آلاف الجرائم التي تنتهك الدستور والقانون والمواثيق الدولية، وفي فترة كانت المبادرة قد وقعت ولم يبق منها إلا توقيع رئيس النظام، علما بأن بعض هذه الجرائم ما يزال يرتكب حتى بعد توقيعه.

ويعلم الجميع أن علي عبد الله صالح ظل يتحجج بأنه لا يحق له التنحي لأنه منتخب من الشعب، (بغض النظر عما تكشف من تزوير نتائج الانتخابات)، وبالتالي ومن منطلق ادعاء الحفاظ على الدستور فإنه ظل يرفض التنحي أو الاستقالة بينما في حقيقة الأمر لا يريد الرجل أن يقال أنه خرج متنحيا، وجاء بند الانتخابات المبكرة ليشكل تعويضا معنويا له عن الشعور بالتنحي مكرها، دعك من الرهان الذي قد يبنيه علي عبد الله ومطابخه المتعددة على أية مفاجآت أو مكائد قد يتم تدبيرها خلال التسعين يوما قبل الانتخابات أو حتى بعدها، والتي لا بد أنه يراهن على العودة من خلالها مرة أخرى إلى سدة الحكم التي أسقطه الشعب منها بخياره السلمي.

إن المأزق الذي وضعت فيه الحكومة الجديدة والبرلمان والرئيس بالإنابة وكذا الأحزاب السياسية الموقعة على المبادرة الخليجية وآليتها التنفيذية يتمثل في ذلك التناقض بين مضمون المبادرة ومضمون الآلية فالرئيس (الفخري) وأنصاره يرغبون في الحصول على الضمانات ولكن بدون التنحي وبدون مغادرة مواقع القرار.

وينبغي التذكير هنا أن قرار مجلس الأمن رقم (2014) والذي تكرر ذكره مرارا في الآلية التنفيذية للمبادر قد نص في ديباجته على ” إجراء تحقيقات نزيهة ومستقلة وشاملة تنسجم مع المعايير الدولية إزاء الإساءات وانتهاكات حقوق الإنسان المزعومة مع التأكيد على وجهة نظر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بشأن عدم منح أية حصانة لضمان المحاسبة الكاملة، وبهذا الخصوص يشير مجلس الأمن إلى المخاوف التي أعربت عنها المفوضية السامية لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، وقد أدان مجلس الأمن “استخدام القوة ضد المتظاهرين العزل” ودعا إلى تشكيل “لجنة تحقيق في الأعمال التي قادت إلى قتل أشخاص يمنيين أبرياء” .

كل هذا يعني التأكيد على إنه لا يمكن السماح لمن ارتكب انتهاكات لحقوق الإنسان أن يفلت من العقاب وهي إشارة ذكية إلى رفض الفقرة الثالثة من المبادرة الخليجية التي تتعلق بها الآلية التنفيذية المعدة بجهد وإعانة السيد جمال بن عمر، مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن.

وسيكون المخرج الوحيد للجميع من هذا المأزق هو إقفال الحديث عن حصانة أو ضمانة أو ما يشابههما لعدة اعتبارات:

أولها: أن علي عبد الله صالح وكل أركان نظامه (من خرج منهم عنه ومن بقي في صفه) يقولون أنهم لم يرتكبوا أي مخالفة تخرق القانون أو الدستور أو المواثيق الدولية التي كانت اليمن طرفا فيها وبالتالي فهم ليسوا بحاجة إلى ضمانات أو حصانات من أي نوع كانت.

والثاني: أن أكثر من نصف السكان البالغين والمعتصمين اليوم في ساحات الاحتجاج يرفضون مثل هذه الضمانات.

وثالثا وخيرا: وهو الأهم إن إلغاء بند الاستقالة من المبادرة الخليجية واستبداله بنقل الصلاحيات يلغي أتوماتيكيا بند الضمانات لأنه لا ضمانات إلا بالتنحي ولا حصانة إلا لمن غادر السلطة، صغيرا كان أو كبيرا، أما من بقي في السلطة فإن منحه الحصانة سيغريه على ارتكاب كل الفضائع، وما أكثر الفضائع التي ارتكبها هؤلاء بدون ضمانات فما بالنا وهم سيحصلون على فرصة ارتكابها بضمانات تحميهم من المساءلة؟

وهكذا يتضح لنا أن بندي الضمانات والاستقالة مقترنان ببعضهما وبالتالي فإما أن يقوما معا أو يلغيا معا، ولا يجوز التمسك بأحدهما وإلغاء الآخر وهذا يمثل مخرجا للجميع من المأزق الذي وضعهم فيه بهذا التناقض بين المبادرة وآليتها التنفيذية.

برقيات:

* نسي الذين يدَّعون الحفاظ على الدستور أنه لا يوجد دستور في الدنيا كلها، بما في ذلك الدستور اليمني، يمنح القاتل والسارق والمعتدي ضمانات بعدم المساءلة مهما تقادم الزمن.

* السؤال الذي يطرحه كثر من الحقوقيين والناشطين المدنيين، هو هل سيبقى من منحوا الضمانات والحصانة من المساءلة في مناصبهم؟ ومن يضمن أن لا يستخدموا تلك الضمانات لارتكاب جرائم جديدة موقنين بعدم المساءلة طالما منحوا تلك الحصانة؟

* خاطرة شعرية:

يا عيد كل الأرض صارت مرتعا للمعجزات وشعبنا يتغمغمُ

كل الشعوب تحرَّرت من جهلها وبعزمها ويقينها تتقدّمُ

حرية الإنسان فيها قِبلةٌ والعلم للإنسان فيها توأمُ

وبلادنا حبلى بكلِّ إرادةٍ لكنَّها عند الشدائد تلجمُ

داء الفساد يدبُّ في أوصالها كالغاب حين يجوب فيهِ الضيغمُ

قتل الطموح بكلِّ قلبٍ نابضٍ وكأنَّه فينا القضاءُ المبرمُ

تتناسل الأزمات في طرقاتنا فنذوقها ونعيشها ونهمهمُ

نستقبل الإخفاق نمشي القهقرى عبثاً ونزعم أنَّنا نتقدمُ