هل ينتهي عصر استغفال الشعوب؟!

مدخل من التاريخ :
– يذكر المؤرخون – أن ممولي حملة نابليون بونابرت كانوا صهاينة فقد كان من أهداف الحملة الفرنسية الشهيرة … إنشاء وطن لليهود في المنطقة العربية ..في غفلة من الزمن والاستهانة بحقوق الشعوب .!. ومرت السنون حتى كان مؤتمر بازل الذي تقررت فيه بروتوكولات صهيون والذي رسمت فيه حدود الدولة اليهودية ..

من الفرات إلى النيل ..ضمن مخطط تأسيس دولة للصهاينة في فلسطين العربية .
وكانت حملة نابليون بونابرت ..من أهم أسباب اندفاع بريطانيا نحو المنطقة العربية والشرق الأوسط في مخطط كبير شمل بادية الشام وشبه الجزيرة العربية والخليج العربي … ومن المهم جدا استعادة ذاكرة التاريخ في مثل هذه الظروف التي تعيشها المنطقة العربية , واستجلاء المخططات السابقة ومنها المخطط الانجليزي الذي استطاعت بموجبه بريطانيا أن تنظم برنامج دحر الوجود العثماني إلى خارج المنطقة العربية ….
ذلك المخطط الذي نجح في ( تصنيع ) ما يسمى بالثورة العربية الكبرى !! التي قادها الشريف حسين في الحجاز ورافقه تحرك في فارس ضد العثمانيين قاده حاكم المحمرة آنذاك خزعل بن مرداو .. , وتزامن ذلك مع فشل أنصار العثمانيين من قبائل شمر في التواجد في نجد .
لقد نجحت بريطانيا في تنفيذ مخططها ذلك ابتداء من العام 1764م حينما استخدمت اسم شركة الهند الشرقية كغطاء تجاري لتنفيذ المخطط في المنطقة العربية , وانتعش التآمر الاستعماري مستفيدا حينها من أخطاء الخلافة العثمانية … وهي أخطاء كثيرة ولكنها لم تقع في ( خطيئة ) من نوع التنازل عن فلسطين لليهود كما طلب هرتزل من السلطان عبد الحميد … فكان رفضه سببا في تغيير قرار تحجيم الخلافة في تركيا فقط ليصبح ( إسقاط الخلافة ) .
ومخططات أخرى كثيرة منها مترابطة ومنسجمة بسابقاتها من المخططات التآمرية , وآخرها – وربما ليس آخرها – المخطط ” الكسنجري ” اللئيم …طالما والحكام المستبدون الطغاة استمرءوا استغفال شعوبهم والاستهانة بإرادتها , وتطلعاتها , وانخرطوا بادراك وبدونه تحت عباءة المخططات الخبيثة تجاه شعوب المنطقة ..لم تكتمل فصولها حتى الآن .
حينما نتذكر هذه المخططات التآمرية على مصير شعوب المنطقة العربية ونسعى إلى استجلائها من جديد …حيث لا بد أن تعي كل أجيال الأمة حجم هذه المؤامرات والمخططات الخبيثة التي رسمت لنا ملامح الحياة التعيسة وخلقت لكل جيل في هذه الأمة ما يشغله ويتوه به في خضم البحث عن حياة مجردة من كل تطلع نحو آفاق التطور البشري والحياة الحرة الكريمة بعيدا عن الاستبداد والاستعباد واستغفال هذه الملايين من البشر في هذه المنطقة من العالم .. والتلاعب بمصائرها ومقدراتها …وهذا ما دفع كثير من الدارسين والباحثين إلى البحث عن سر تخلف هذه المنطقة وتأخرها بل ومعاناة شعوبها وإشغالهم بمفردات الحياة اليومية , والدعة والقبول بأدنى مستوى من العيش بل والتحكم حتى في أقواتها ..وكان وجه الغرابة …أن كل تلك المعاناة وشظف العيش وقسوة الحياة المادية والمعنوية ..تتجرعها شعوب هذه المنطقة .. رغم أنها من أغنى مناطق العالم بالموارد الطبيعية والبشرية وغيرها ..بل إنها منطقة سجل التاريخ أنها انجبت للبشرية كواكب من العلماء والباحثين والمبدعين في كل مجالات الحياة علما وثقافة ومبادئ ومثل علمت بها العالم منذ قرون ..
أو ليس كل ذلك يعمق من نظرية المؤامرة وخبث المخططات التي أثرت في تفاصيل الحياة الفردية لدى أبناء شعوب المنطقة .. وهو ما يحاول كثيرون القفز عليها وتبريرها .. وهم محقون فقط.. حين تكون تبريرات نظرية المؤامرة صادرة عن تصرفات حكام مستبدون مضللون في سبيل استغفال شعوبهم والضحك عليها , ورمي التهمة على المتآمر الخارجي .
وكل ذلك ليس طمعا فقط في احتلاب موارد المنطقة فهو ميسور لهم وتحت تصرفهم , بل الأمر يتعدى ذلك إلى اعتبار الشعوب العربية ستعتدي الغرب ولا بد من إذلالها وتطويعها !!
وهنا يظهر التساؤل التالي : ترى ما وجه العداء الذي يشكله العرب مجتمعين أو منفردين تجاه الآخرين ؟ سيجيبك الغربيون بلسان واحد بان لا عداء بيننا وان سلوكهم القاسي تجاه شعوب المنطقة مجرد رد فعل فقط على ما يقوم به العرب وتحديدا تصدير الإرهاب ورعايته … وإجابة من هذا النوع يتم فيها التغافل على التاريخ وتناسيه عن عمد , حيث بداية الظلم على العرب من الخليج إلى المحيط عبر موروث صهيوني عدائي يستهدف كل الأمة ومقدراتها إلى الدرجة التي يتهم العرب أحيانا بالقرصنة في مياههم واليوم تظهر تهمة الإرهاب ليوصموا بها كل العرب , وغدا ربما بتهمة تعطيل حركة التاريخ .
وطالما ذكرنا حكام المنطقة العربية .. فان ذكرهم للأسف الشديد أصبح من الذكر المذموم جدا لأنهم حكام مفروضون فرضا على المنطقة مشاركون في ظلمها وتخلفها وزيادة معاناتها بل والهاء شعوبها واستغفالها .. وإلا بالله عليكم ومنذ استقلال كثير من البلدان العربية التي استعمرت لقرون وتحررت بأغلى التضحيات وانهار من الدماء جيلا بعد جيل , أيها يعيش شعبها كما يريد وكما يحلو له ؟ وأيها من الشعوب حتى الغنية منها بالموارد النفطية وغيرها من السلع الإستراتيجية يعيش حياته بملء إرادته الحرة ؟ بل وأيها من الشعوب نالت من التطور العلمي والحضاري والتقني الحديث ما يتعادل وموروث هذه المنطقة من الحضارة والمدنية والتقدم والمعاني السامية وأفادوا بها البشر شرقا وغربا ..؟
لقد حُولت شعوب المنطقة رغم كل ما تملكه من كنوز ..إلى أفقر الأمم ماديا ومعنويا , وفيها من الشعوب ما يموت أبناؤها جوعا وعطشا , إلى الدرجة التي تفرقت بعض شعوبها شرقا وغربا بحثا عن لقمة عيش شريفة وربما غير …… المهم حياة وأي حياة تلك التي تتصارع على الدوام مع الحتوف التي تلتهم كل يوم وتحصد ما يحلو لها من مقدرات ودماء الشعوب العربية التي أصبحت ارخص الدماء في العالم … نعم هكذا أرادوا للأمة في هذه المنطقة أن تعيش ليس فقط حياة الجوع والحاجة والصراع اليومي مع مفردات الحياة . بل حياة الذلة والمهانة والمسكنة التي كتبها الله على بني إسرائيل لفسادهم وقتلهم للأنبياء , وإعراضهم عن الحق ..
فلا الحق الله خيرا هكذا حكام هم أساس كل بلية في هذه الأمة , مذ سمحوا لأنفسهم أن يكونوا عبيدا للمخططات اللئيمة طالما المهم ليهم أنها تبقيهم على كراسي السلطة ..ورؤوس النظام , ووظيفتهم الأساسية عند أسيادهم .. استغفال الشعوب والضحك عليها وإلهائها , والارتهان للأجنبي , والعبث بمقدرات الشعوب , وممارسة الحكم بالشعارات الجوفاء , والوعود الهيفاء , وبالديمقراطية العرجاء , وإذا لم تنفع هكذا سياسة فالاستبداد ممكن والاستعباد ممكن وتخريب الذمم ممكن , والإخفاء والتضييع والإهمال والنفي ممكن , وانتهاك الحرمات والأعراض والحقوق , والقفز على القوانين ممكن , وفوق كل ذلك – والعياذ بالله منهم ومن شياطينهم – الاستهانة بقيم الدين الحنيف وتعاليم الإسلام السمحة والقفز عليها وتجاوزها , وجعل الدين حديث مواسم ومن التراث .. متناسين انه دليل منهج العزة والكرامة والرفعة والسمو , وان لا انفصام لحبل الله المتين وفيه سعادة الدنيا والآخرة ..
لكنهم هم يعلمون علم اليقين أن اعتماد الدين منهجا وعقيدة وشريعة لا ينسجم والمخططات التي رهنوا أنفسهم بل وباعوها لها .. ويعلمون أيضا أن الدين الإسلامي الحنيف ..ليس دين طقوس وعبادات هلامية , بل هو دين ( عقيدة وشريعة ) وثورة على الظلم والظالمين , ثورة على المستبدين والطغاة والفاسدين والخائنين لعهودهم وأماناتهم , دين ينحاز لسعادة البشرية وخيرها ورفاهيتها دنيا وأخرى , وهو ما لا ينسجم بتاتا حتى في طريقة وصولهم إلى كراسي السلطة لأنه دين يحارب الاستئثار بالحكم , والاستبداد بالرأي , ويرفض استعباد البشر بل لقد حرم استلاب الإنسان لحرية أخيه الإنسان واستعباده له , وهؤلاء الحكام الذين خانوا الله ورسوله قبل أن يخونوا شعوبهم , بعضهم يفخر بادعاء تملكه واستحواذه على الشعب تحت حكمه , بل من اجل ذلك أضفى على نفسه قدسية ومهابة .
( وللبردوني رحمه الله تعبير في هذا ) :
ومن مستعمر غاز …… إلى مستعمر وطني
بصراحة – بعض الأنظمة بعد أن رحل المحتلون الغاصبون عن بعض البلدان ..خلوا شعوبهم -تشوف النجوم في عز الظهر – كما يقولون إلى الدرجة التي جعلوهم يتباكون على رحيل المحتل الغاصب .. فهل بعد هذا من قسوة … جعلوا الشعوب تقبل بالاحتلال وزرعوا فيه هذه القابلية كأهون الضررين , حتى ظهرت لدينا عبارة ( الاستعانة بالأجنبي ).
في ضوء ما تقدم كم نحن بحاجة إلى قراءة موضوعية متأنية .. وأطروحات ترعاها أقلام علمية أكاديمية أمينة على عهدها مع الله ورسوله أولا ثم مع علمها وموروث الأمة وثقافتها أقلام تؤمن بالانتماء الحقيقي إلى هذه الأمة وتاريخها وحضارتها …من اجل أن تزيل الغبار أمام أجيالنا الحاضرة واللاحقة , وأمام كل الشعوب العربية الحائرة .. لاستجلاء الصورة الحقيقية للواقع , وفضح مخططات التآمر الداخلي والخارجي التي سعوا جميعا إلى إخفائها دهورا طويلة , من اجل استغفال الشعوب واستعبادها واستلاب إرادتها .
وإلا لماذا احتاجت شعوب المنطقة إلى كل هذا الزمن الطويل ..لاستكشاف الحقيقة ؟ لماذا بعد أن تلعب المسرحية السياسية دورها في تاريخنا ؟ لماذا لا نكتشف إلا اليوم أن هناك حكاما مستهترون مستبدون مستغفلين لشعوبهم متلاعبين بتاريخ الأمة ؟ لماذا نكتشف متأخرين أننا بعيدون عن الديمقراطية والعدالة والحرية والمساواة , بعد أن صفقنا كثيرا وقبلنا أكثر .. لماذا اليوم فقط تكتشف الشعوب أن الإعلام والثقافة والتعليم تهريج في تهريج , وان التلفزيون والصحافة أداة لاستدرار شعبية قسرية وصنع بطولات هلامية كبطولات السينما ؟
لماذا لا نكتشف هذا وذاك …. اليوم وما فائدة هذا الكشف بعد أن نصفق دهرا طويلا لهذا المهرج , وذلك الفاتح .. وغيرهما ؟
إن من ابسط مساوئ هذا الإدراك والاكتشاف المتأخر أن نظلم المخلص لامته والشريف الذي رفض المشاركة في التهريج .. إن هذا الشريف يقع خلف كواليس مسرح التاريخ ..ولا ندري عن إخلاصه وتضحيته .. ونكتفي بالبحلقة في وجوه المهرجين .. مهرجي السياسة … وسنكتشف كل شئ … ولكن يوم ….!
..وارتباطا بما تشهده المنطقة العربية من أحداث ليست بعيدة عما جرى في سياق حديثنا ( وأن تأتي متأخرا خير من أن لا تأتي ).. فقد سنحت الفرصة التاريخية …لهذه الشعوب المتطلعة دوما إلى الحرية والعدالة والمساواة والعيش الكريم .. والمستقبل المشرق لأجيالها … لتقتلع حواجز الخوف والرعب .. وتدك معاقل وحصون الطغيان والاستبداد …ولكن ما يجب أن لا يستهان به آو يغفل عنه دور المتربصين والعملاء والمأجورين …مستلبي إرادات الشعوب ..الذين يستغلون مثل هذه الانتفاضات الشعبية ليحوروها باتجاه معين ينسجم مع مخططاتهم التي لا يمكنهم التنازل عنها على الإطلاق , و هو ما يمكن أن يندرج تحت ما أسميناه استغفال الشعوب بل واستغباءها , والانحراف بأهداف الثورات العربية عن مساراتها وأهدافها وهو ما يجب التنبه له .. وقبل فوات الأوان !

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية