أبين.. المحنة والبحث عن مخرج!

أقل من شهرين من الآن ويكتمل عام كامل على بدء محنة محافظة أبين وأبنائها الشرفاء الذين وجدوا أنفسهم فجأة في وضع إنساني صعب لم يسبق له مثيل في عدد من مدن المحافظة وبالذات سكان عاصمة المحافظة مدينة زنجبار…

فبعد أقل من أسبوع على خطاب الرئيس السابق علي عبدالله صالح بمناسبة العيد الواحد والعشرين لقيام الجمهورية اليمنية في 21 مايو من العام الماضي الذي قال فيه أن تنظيم القاعدة يمكن أن يسيطر على خمس محافظات في حال ترك السلطة، سيطر هذا التنظيم بالفعل على عاصمة محافظة أبين ومدينة جعار ولولا مقاومة أهالي بقية مدن المحافظة لكان سيطر عليها، فيما انسحب أفراد معسكرات الجيش والأمن المركزي الموجودة في المدينتين بشكل غير مبرر تاركين وراءهم كما هائلا من العتاد العسكري الحديث غنيمة للقاعدة، فيما عدا قيادة وأفراد اللواء 25 ميكا الذي صمد منذ ذلك الحين وحتى الآن وقام بأعمال بطولية وأثبت أن أفراد الجيش اليمني لديهم القدرة على الصمود والتضحية في وجه الإرهاب متى توفرت لديهم الإرادة الصلبة والعقيدة القتالية والقيادة الوطنية.

لقد فضح صمود هذا اللواء مواقف بقية الألوية التي انسحبت كما قيل حينها بأوامر مركزية لإثبات نظرية قدرة القاعدة على أن تصبح خطرا حقيقيا على أمن واستقرار اليمن، مهما كانت المآسي التي سيواجهها الأبرياء دون ذنب سوى أن يكونوا ضحايا لشهوة النظام السياسي في البقاء والاستمرار… وقد شاءت الأقدار أن تتكشف حقيقة هذا المخطط القبيح من خلال صمود اللواء 25 ميكا الذي تحدث لاحقا قائده العميد محمد الصوملي في لقاء صحفي شهير مع جريدة الشرق الأوسط اللندنية مبينا جوانب التآمر الذي ضلعت فيها عدة أطراف سواء من خلال الانسحاب غير المبرر لقوات عسكرية وأمنية تمهيدا لسيطرة القاعدة على المدينتين، أو من خلال عدم تجاوب القيادة السابقة للمنطقة العسكرية الجنوبية لإغاثة اللواء المحاصر بالسلاح وبالذخيرة وبالغذاء واعتماده في تزويده بالمؤن الغذائية على القوات الجوية الأمريكية والسعودية.

تلك كانت صورة المحنة في جانبها العسكري والسياسي، أما صورتها في الجانب الإنساني فتتمثل في محنة النازحين الذين تجاوزوا مئة ألف مواطن نزحوا من مدينتي زنجبار وجعار جنوبا باتجاه مدينة عدن حيث تم تسكينهم في مقار عامة كالمدارس والمجالس المحلية لا تكفيهم حيث يعانون من أوضاع صحية وغذائية صعبة رغم كل ما يقال عن جهود إغاثية تقوم بها جهات محلية ودولية لكنها كما أصبح مؤكدا لا تكاد تلبي الحد المعقول من احتياجاتهم… والجانب الأسوأ أنهم أصبحوا – بسبب معاناتهم – مطمعا لاستقطاب عناصر مسلحة من القاعدة والحراك تحاول إغراءهم بالمال ومتطلبات العيش بهدف جرهم إلى طريق العنف مقابل سد احتياجاتهم، وهذا الأمر يلقي مسئولية جسيمة على الرئيس الجديد عبدربه منصور هادي وعلى الحكومة وعلى قيادة محافظتي عدن وأبين لضرورة الإسراع في تلافي مثل هذه الاختلالات التي تضرب الأمن العام في الصميم وتدفع بالمزيد من ممارسة العنف واستقطاب الأبرياء بسبب احتياجاتهم إلى ما لا يمكنهم قبوله لو كانوا يعيشون في ظروف طبيعية!

أدرك كما يدرك كل مراقب للأوضاع العامة في اليمن أنه من الصعوبة بمكان أن يستطيع رئيس الجمهورية عبدربه منصور هادي وحكومة الوفاق الوطني معالجة كل المخلفات التي تركها الحكم السابق في بضعة شهور… والصعوبة تزداد أكثر في أن يتمكن الرئيس من معالجة الاختلالات التي تعاني منها العديد من المحافظات وفي مقدمتها محافظة أبين بشكل عاجل فيما عاصمة البلاد لازالت لم تخضع لسيطرته فالجيش لازال منقسما فيها وبلاطجة النظام السابق – وهم بالآلاف – لازالوا يتهددون أمنها ويخيفون سكانها ولازالت قواتها الأمنية خارج سيطرة وزير الداخلية… لذلك لابد أن يدرك رعاة المبادرة الخليجية الإقليميون والدوليون والمشرفون على تنفيذ آليتها أن خطر القاعدة على أمن واستقرار البلاد لن ينتهي مادام الجيش لم يتوحد بعد ومادامت قوات الأمن لا تأتمر بأوامر وزير الداخلية… وهم – أي هؤلاء المشرفون – يعلمون جيدا ما هي متطلبات استعادة الأمن والاستقرار في البلاد فمادام أن هناك من لازال ينازع الرئيس المنتخب قراره السياسي ويعمل على إعاقته فلن يتحقق الهدف من كل الجهود الجبارة التي بذلها اليمنيون من أجل إنجاز التغيير سلميا ولن يتحقق الهدف الذي من أجله بذل المحيط الإقليمي والمجتمع الدولي جهودا استثنائية وهو تجنيب اليمن السقوط في وحل العنف والإرهاب.