أهلاً بكم في عاصمة القمامة

بعد منتصف ليل إحدى الأيام القليلة الفائتة، وبينما كنت رفقة أحد الأصدقاء في شارع هائل بصنعاء، خطرت على بالي المشغول بمشهد مأساوي طويل إثر تراكم أكياس القمامة والمخلفات المنثورة على طول الشارع وعرضه، فكرة أن ينقل هذا المشهد بما فيه إلى رأس الرئيس هادي ومستشاريه وإلى رأس رئيس حكومة الوفاق ووزرائه.

الصورة الليلية لشارع تجاري تحاصره بسطات بائعي الألبسة والمأكولات بما حولها من قراطيس ومخلفات متناثرة في كل الأرصفة والممرات؛ هي بمثابة جزء من صورة نهارية عامة للعاصمة الكئيبة والحزينة صنعاء، بمختلف شوارعها التي وبعد إضراب مفتوح بدأه قبل حوالي أسبوع عمال النظاله للمطالبة بحقوق مشروعة، اكتظت بمخلفات الحياة اليومية للناس من أصحاب المتاجر والمنازل ومن العابرين والعابثين.

لاتحاول أن تكتم عن أنفاسك روائح القاذورات المؤثثة لكل الأرصفة والشوارع في الأحياء الراقية والشعبية بصنعاء هذه الأيام، ذلك أن اليد التي تغلق بأصابعها فتحتي أنفك، يجب أن ترفع للسماء حاملة لوحة للمطالبة بإنصاف هذه الفئة التي تستحق كل التقدير الأخلاقي والإجلال المعنوي قبل أن تحصل على حقوقها المشروعة في الوظيفة والتثبيت ورفع الأجور واعتماد بدل مخاطر وتأمين صحي لأنهم أكثر من يتعرضون للأوبة والأمراض.

يواجه عمال النظافة وأغلب ممن يعلمون في مجال تنظيف بيئنا اليمنية، عدة إشكالات ومصاعب تجيز لهم الحق في التعبير عن امتعاضهم بأي وسيلة يرونها مناسبة؛ فبدءًا من حصرهم في خانة “الأخدام” أو تسميتهم ب”المهمشين” وحصر وظيفة التنظيف والكنس عليهم فقط، إلى مشكلتهم التي تتعلق بالمتعاقدين منهم لسنوات دونما تثبيت لوظائهم مع الدولة، ناهيك عن نظرات الدونية والانتقاص للمنظف وللونه وملبسه والتي لايزال البعض من عامة الناس في المجتمع اليمني مصاب بها حتى الآن، جل هذه المشاكل تجعل كثير من الناس لا يرمي باللائمة عليهم، وتدفع آخرين للقول بضرورة تسوية وتنفيذ مطالب وحقوق هذه الفئة التي يجب أن يجلها الجميع من أكبر مسئول إلى أصغر موظف، ومن أول متعلم إلى آخر جاهل في البلد.

قبل أشهر، وفي أوج الأزمة التي أنتجتها تصرفات البعض ممن لايؤمنون بحتمية التغيير وبضرورة تنفيذ مطالب الناس الذين خرجوا في ثورة شعبية شبابية سلمية، نفذ عمال النظافة بصنعاء إضراباً للمطالبة بذات المطالب؛ وهي تثبيت المتعاقدين منهم وتسوية أوضاع الآخرين، سمعنا بعدها ومن وسائل إعلام رسمية عن قرارات حكومية تترجم هذه المطالب المشروعة لعمال النظافة، وفرح الناس بها لاسيما بعد أسابيع من تحول صنعاء إلى عاصمة للقمامة، لكن لايبدو أن شيئاً من هذا الإجراء الرسمي الانساني والنبيل تم، والدليل عودة هذه الاضرابات وعودة الوساخة إلى صدر العاصمة وتجدد نبرة السخط على حكومة الوفاق ونتخوف من الوصول مع مثل هذا الإجراء الذي لا يعدو عن كونه وعود وأخبار رسمية في التاسعة مساء، كما كانت أيام نظام صالح، إلى سخط عارم على كل ما أنتجته ولا تزال الثورة.

قبل يومين، تدوالت وسائل الإعلام أخبار عن إجتماع لمسئولين بينهم رئيس الدولة ورئيس الحكومة وأمين العاصمة الجديد الذي تفائل الناس بقرار تعيينه مطلع الأسبوع الحالي، ليس لشيء بالطبع، ولكن ليأتي عبدالقادر هلال، الأمين الجديد للعاصمة، ومن باب التفاؤل والأمل والرجاء الشعبي، متحمساً لعمله ومهامه والتي أولها وأهمها؛ البحث عن حل عاجل لمشكلة تحول صنعاء إلى مقلب كبير للقمامة، ذلك أن المتفائلين نسوا كل معطيات الأزمة العامة للبلاد وصعوبات محاولة خروجها من عنق الزجاجة، وتمسكوا بشهادت بعضهم أن اللواء هلال، كان له بصمات تركها في إدارته لمحافظات كان مسئولها الأول.. إننا جميعنا نتمنى على الرجل أن يزيل لوحة علقت في جدارية البال وكتب عليها “أهلا بكم في عاصمة القمامة”.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية