مسألة كرامة

مسألة كرامة
هذا هو انجازكم أيها اليمنيون - فيليب هولسابفيل

لقد احتفل اليمن قبل أيام قليلة بذكرى ثورة الرابع عشر من أكتوبر في الجنوب الذي أصبح عيداً وطنياً لليمن الموحد.. ومن جانب آخر، احتفى الشعب الألماني قبل أيام بعيد الوحدة الألمانية وزار الرئيس/ عبدربه منصور هادي, برلين, حيث التقى بالمستشارة الألمانية/ أنجيلا ميركل وكان اللقاء مفيداً وبنّاء أكد على عمق العلاقة القائمة بين بلدينا منذ سنوات طويلة.. فهذه مناسبات تستحق النظر في تجربة الوحدة في البلدين وتقديم بعض الأفكار حول العملية الانتقالية التي يعيشها اليمن في هذه الفترة التاريخية.

ومع أن الوحدة الألمانية لم تكن عملية سهلة، فقد كانت التجربة اليمنية أصعب بكثير أيضاً، خاصة على الجنوبيين.. إذ يبدو للمراقب الخارجي وكأن الجنوبيين قد طُردوا عام 1994 من الباص المشترك الذي ركبوه بحماس عام 1990 وهم منذئذ يحاولون أن يلحقوا بباص الوحدة, طالبين إعادة ركوبهم إياه سياسياً وحقوقياً, فتعبوا من المطاردة بعد سنوات طويلة وفقدوا الإيمان بالوحدة, فرفعوا سقف مطالبهم خلال السنوات الأخيرة وأصبح الكثير يطالب ليس فقط بإعادة حقوقهم ولكن أيضاً باستعادة دولتهم المندمجة مع دولة الشمال, فأتى الربيع العربي فجأةً وتوقف الباص وتغيّر السائق, فالسائق الجديد –الرئيس/ عبدربه منصور هادي- دعا الجنوبيين لركوبهم من جديد باص الوحدة ولكنهم ترددوا بسبب عدم ثقتهم بأن هذا التغيير حقيقي وبعدم ثقتهم أن التغيير قد يؤدي إلى الاستجابة إلى مطالبهم.

ففي الوضع الحالي، يحاول السائق الجديد – بتأييد من الشعب اليمني والمجتمع الدولي- أن يقود الباص إلى اتجاه جديد نحو التحول الديمقراطي عبر حوار وطني يحتفظ بمصالح جميع الأطياف المعنية قي اليمن، من صعدة إلى عدن ومن تعز إلى المهرة.. فمن البديهي أن هذا الحوار يحتاج إلى مشاركة كافة الركاب, فالباص حالياً ينتظر في المحطة حتى يركب الجميع, إلا أن جدوله الزمني -الذي تضمنته الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية- يشترط التحرك نحو الحوار الوطني بعد أسابيع قليلة لكي تناقش فيه تحديات اليمن العديدة في أقرب وقت ممكن لأن حالة البلد لا تسمح بالتأخير, ولذلك يناشد المجتمع الدولي جميع الأطراف، ولا سيما الجنوبيين، بالمشاركة في الحوار.

إن الاهتمام الدولي بالقضية الجنوبية لم يكن بهذا الشكل منذ حرب 1994 وهنالك اعتراف واسع لمعاناة الجنوبيين نتيجة الحرب ورغبة في معالجتها, ولكن القضية الجنوبية ليست القضية الوحيدة التي تحتاج إلى اهتمام ومعالجة عاجلين, حيث أن كل الشعب اليمني يعاني في هذه الأيام من عدم استقرار أمني وسياسي وأزمة اقتصادية وإنسانية قاسية.. معالجة كل هذه التحديات العديدة سيأخذ وقتاً طويلاً، فالمعاملة يجب أن تقوم على عدة محاور بشكل مواز وأهمها الحوار الوطني.

فأحد المحاور هذه هي لملمة الأخطاء التي أُرتكبت في الجنوب بعد الحرب مثل تهميش الجنوبيين في المؤسسات الحكومية (وخاصةً المتقاعدين بعد الحرب) وتدمير البنية التحتية الصناعية، والاستيلاء على الأراضي إلخ والعمل في هذا المحور يجب أن يبدأ دون تأخير من قبل حكومة الوفاق الوطني، فإن رفض المشاركة في الحوار لن تسرع إعادة حقوق الجنوبيين ولكنه قد يعرقل العملية الانتقالية التي قد تكون عرضة للفشل إذا ما تقدم الحوار, وفشل الحوار قد يلقي كل اليمن في أزمة أعمق من كل ما عاشه الشعب اليمني حتى الآن.

فمن مصلحة الجنوبيين أن الحوار الوطني يبدأ دون تأخير لأنه سيسمح بإعادة حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية وكذلك التغلب على عراقيل التقدم في كل اليمن، لا سيما احتكار السلطة وموارد البلد في يد مجموعة صغيرة على حساب الجميع.

ومن أجل إنجاح الحوار من الضروري أن يوحد الجنوبيون صفوفهم حول موقف يسمح بالدخول في الحوار الوطني على أساس المبادئ التي تم الاتفاق عليها في آلية تنفيذ المبادرة الخليجية, وهذه الآلية التي تم صياغتها بوساطة دولية لا تناقض مطالب الجنوبيين بل هي تسمح بالحفاظ عليها.. فعلى سبيل المثال الآلية لا تمنع أن القضية الجنوبية تكون بندا خاصا في مؤتمر الحوار الوطني, وكذلك لا تمنع أن تمثيل الجنوبيين في هذا النقاش يكون على أساس المساواة، أي نصف الأعضاء في لجنة الحوار حول القضية الجنوبية, وأيضاً لا تمنع أن هنالك رعاية دولية قد تقوم بوساطة في حال الوصول إلى طريق مسدود بل على العكس كل هذه الأفكار مطروحة.

فلذلك نتمنى أن تنجح الجهود التي تبذلها اللجنة التحضيرية لمؤتمر حوار جنوبي يشمل كافة الأطراف الجنوبية المعنية بما فيها تيارات الحراك الجنوبي المختلفة والشباب والنساء والأحزاب السياسية وكل مكونات المجتمع الجنوبي من المهمّشين إلى السلاطين, ونتمنى كذلك أن هذه جهود تؤدي إلى موقف جنوبي موحد وتمثيل يضم كافة التيارات الجنوبية المهتمة بحل القضية الجنوبية عبر الحوار الوطني, والجنوبيون سيجدون شريكاً في المجتمع الدولي في هذا الحوار الوطني عندما يسعون إلى إيجاد حلول للمشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي يعاني منها الجنوب واليمن ككل.

بالنسبة لمطالب انفصال الجنوب أكد الرئيس أنه لا توجد خطوط حمراء في الحوار, ولكن المجتمع الدولي لن يؤيد هذا الموقف لأنه ليس مقتنعاً بأن هذا الطلب يمثل حلاً إيجابياً للقضية الجنوبية.

جنوب اليمن ليس جنوب السودان وليس كوسوفو وليس تيمور, شعوب هذه الدول الجديدة يتميزون بصفات خاصة غير قابلة للإنكار – مثل اللغة والديانة والثقافة، تختلف عن صفات الأغلبية في الدول التي استقلوا منها, إلا أن مِثل هذه المميزات ليست موجودة بين جنوب وشمال اليمن, بل اليمن إلى حد كبير جداً موحد لغوياً وثقافياً ودينياً, من البديهي أن تكون هنالك فوارق ثقافية بين الأقاليم المختلفة, ولكن هذه الفوارق لا تتبع الحدود السياسية السابقة.. فعلى سبيل المثال اللهجة التعزية أكثر قرباً إلى اللهجة العدنية من لهجة صنعاء.

لكن ليس بالضرورة أن هذه التميزات والتشابهات الثقافية واللغوية والدينية هي كل ما يحدد الحدود بين الدول، بل هنالك الكثير من الدول التي تعيش فيها شعوب ذات لغات أو ديانات أو عناصر مختلفة, وكذلك هناك دول منفصلة عن بعض مع أنها تتشارك في اللغة والديانة والثقافة.

ولكن بغياب هذه الصفات المتميزة من الصعب أن يقتنع المراقب الخارجي أن الحل الوحيد أو الأفضل للقضية الجنوبية هو الانفصال، خاصة عندما نأخذ في عين الاعتبار أن الجنوبيين مثل الشماليين كانوا ينشدون الوحدة بحماس قبل فترة تاريخية قصيرة، وعندما نأخذ في عين الاعتبار أنه حتى دستور جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية كان يعبر عن طموح الوحدة اليمنية وتجاوز الحدود السياسية بين الشمال والجنوب التي ترجع إلى اتفاق بين حكومة بريطانيا العظمى والإمام يحيى قبل الثورتين في الشمال والجنوب.

فلذلك لا يرى المجتمع الدولي أن القضية الجنوبية قضية وطنية بذاتها، بل هي قضية سياسية واقتصادية وفوق ذلك كله هي مسألة كرامة، كرامة الضباط الذين أجبروا على التقاعد المبكر بعد حرب 1994، وكرامة الشباب الذين يطالبون بمستقبل أفضل وبفرص عمل، وكرامة العُمّال الذين لا يجدون وظيفة بسبب دمار البنية التحتية الصناعية ونقص الاستثمارات، وكرامة الذين صودرت أراضيهم وبيوتهم وكرامة الشعب الذي عاش حالة تشابه الاحتلال الخارجي, فكان إهدار كرامة المواطن العادي أحد أهم الأسباب لاندلاع ما يسمّى بالربيع العربي في اليمن وفي بلاد عربية أخرى.

وفي ما يتعلق بأهمية الحفاظ على كرامة الإنسان، فإن التجربة الألمانية لها صفة تاريخية خاصة، فقد شهدت ألمانيا ظهور وإسقاط نظامين دكتاتوريين في القرن الماضي.. وبعد انهيار النظام النازي كُرس مبدأ كرامة الإنسان أعلى مكانة في الدستور الألماني في بنده الأول: “كرامة الإنسان غير قابلة للمساس بها. فاحترامها وحمايتها يمثلان واجباً إلزامياً على جميع سلطات الدولة”.

بإمكان اليمن أن يستفيد من تجربة ألمانيا التاريخية والدستورية وكذلك من تجربة دول أخرى, ولذلك قامت الحكومة الألمانية بعدة برامج للتعاون في مجال الدستور والحوار إثر النزاعات بمشاركة مع منظمات غير حكومية ألمانية ويمنية (بالإضافة إلى المشاريع التنموية الجارية والقادمة في مجالات عديدة), ولكن في النهاية تعود المهمة لليمنيين أن يقرروا بأنفسهم مستقبلهم الأفضل الذي يستحقونه عبر الحوار الوطني. وبلا شك بمقدور اليمنيين أن يجدوا حلولا أسرع مما يتوقع الكثير عندما يجلسون حول طاولة الحوار كما شاهدناه في عدة مناسبات خلال العام الماضي، وأولها كان الاتفاق على الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية وبعد ذلك اللقاء التشاوري للحوار الوطني في بوتسدام/ ألمانيا والآن في اللجنة الفنية للتحضير لمؤتمر الحوار الوطني, وانطلاقاً من هذا التجارب الإيجابية، سيستمر المجتمع الدولي في دعم الجهود من أجل بناء يمن جديد عبر الحوار.

* نائب السفير الألماني في اليمن

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية