إلى أين نمضي؟

أكثر من عام على انتقال السلطة في اليمن ، ومع ذلك فإن نقلاً حقيقياً للسطة لم يتم ،و ما زالت أدوات وآليات النظام السابق هي التي تعمل .

أكثر من عامين على خروج اليمنيين إلى الشوارع، ومع ذلك مايزال أولئك الشبان في الشوارع و إن بعدد أقل.

القضايا الكبرى التي خرج من أجلها الناس ثائرين ماتزال قائمة ، والسياسات التي أردنا تغييرها ماتزال تعمل ، والمظالم التي أردنا جبرها ماتزال قائمة بل وتتعاظم .

تقرير المبعوث الأممي إلى اليمن جمال بن عمر الأخير الذي قدمه لمجلس الأمن رسم صورة قاتمة جداً للأوضاع في البلاد ، وهذا مؤشر على مصداقية الرجل وشفافيته وعلى جديته وحرصه على اليمن .

الوضع السياسي في حالة احتقان شديد ، ليس فقط بين القوى السياسية المتصارعة بل وحتى داخل كل قوة على حده .. هل هذا مؤشر نضج أو مؤشر انهيار .. لا أحد يملك جواباً .

ما كان في الماضي في عداد المحرمات لدى الناس قبل الحكومة أصبح اليوم مصدراً للتباهي والتفاخر ، فالاستقواء بالخارج على سبيل المثال أصبح هو الصفة الغالبة لتصرفات مختلف القوى اليمنية .. صحيح أننا كيمنيين كنا على الدوام بحاجة إلى من يمسك بيدنا من الخارج في إطار ما اصطلح على تسميته ب «العقدة اليزنية» لكننا لم نكن منبطحين يوماً إلى هذا الحد.. الوضع الأمني رغم النجاحات التي حققتها أجهزتنا الأمنية والعسكرية على تنظيم القاعدة والجماعات التي تعمل على شاكلته مازال هشاً بل ويتدهور بشكل «خطير» ، إلى الحد الذي عادت فيه بعض القوى إلى ممارسات كنا نسمع عنها أيام الطفولة وخصوصاً قطع الطرق بمافي ذلك طريق صنعاء – تعز ، الذي لم يقطع سوى مرة واحدة قبل أن أولد، وهو الأمر الذي دفع وزير الداخلية إلى إطلاق تهديداته الأخيرة رغم ما عرف عنه من رصانة وهدوء .

وسائل قتل اليمنيين تزداد حدة وتأخذ أشكالاً متعددة، فمن الموت على أسِرة المستشفيات بسبب غياب الأدوية أو توقف الأجهزة عن العمل بسبب انقطاع الكهرباء ، إلى الموت بأمراض وأوبئة فتاكة غامضة لا وجود لها إلا في اليمن ، إلى الموت قسراً تحت نيران مخازن الأسلحة التي تنفجر بين فينة وأخرى في أوساط المدن ، أو الموت في حوادث التفجيرات التي تنفذها القاعدة ومن على شاكلتها .

باختصار الشديد … زمان كنت عندما تسأل يمنياً عن حاله يجيبك .. «مراعيين للموات» ، أما اليوم فإن الموت هو من يتربص باليمني ولو سألت الموت لأجابك «مراعي ليمني» .

الأدهى من ذلك أن بعض وزرائنا ومسئولينا عندما تسألهم عما يفعلونه لوقف القتل في اليمن ، يجيبك بشكل مقزز .. سألت أحدهم قبل فترة بسيطة عن هذا الأمر، فصدمني جوابه .. قال: ياخي ما ادري ليش الإعلام مركز على اليمن .. بمجرد أن يقتل 4 أشخاص يقوموا الدنيا .. واستطرد ذلك المسئول الأحمق ضاحكاً يقول: يارجل ذي يموتوا بحوادث السيارات أكثر ممن يموتوا بحوادث التفجيرات .. ألا يستحق هذا الوزير درجة أحمق على أقل تقدير .

النكد وضنك العيش يسيطر على حياة الناس ومعيشتهم ، لدرجة أنك إذا كنت مغتربا ً- مثلي – واتصلت بأمك تقول لها إنك مشتاق لها وتريد زيارتها تقول لك: لا تجي ياولدي، فألمي على بعدك يبقى أهون علىّ من ألمي فيما لوجيت وأصابك مكروه أنت أو أحد أولادك .. هل هناك أم في العالم تعاني ما تعانيه أمهاتنا وهل هناك معاناة أكبر مما يعانيه الانسان اليمني هذه الأيام ؟!

لست أدري إلى أين نمضي خلال هذه المرحلة الانتقالية التي يبدو أنها ستكون مرحلة انتقال من هادم اللذات و مفرق الجماعات إلى قباض الأرواح .. تماماً كما يقول المثل اليمني الشهير … “ يا هارب من الموت يا ملاقي له» .