ماذا وراء الحوثي؟

من خلال اطلاعي وقراءتي للعديد من المقالات والآراء التي تحدثت عن الحوثي وتحركاته تبين لي أن الحوثي لم يتحرك في هذه المرحلة، إن تحركه سابق لهذه المرحلة بكثير، حيث أشارت العديد من الدراسات أن المذكور تتلمذ على يد والده الذي كان ينتمي الى الجارودية، وهم غلاة الزيدية، ويلتقون بالكثير من الأفكار مع الرافضة والحوثية لهم من الأفكار والتصورات الخاصة حول العديد من الأمور والمسائل العقدية والسياسية..

وهذه الأفكار كانت مكبوتة الى قيام الوحدة وإعلان التعددية السياسية، التي أعطت الفرصة للعديد من الأحزاب العلمانية والفرق المبتدعة للظهور والإعلان عن أفكارها وتصوراتها والدعوة اليها، فالتمرد ليس سوى ثمرة لتلك الأفكار والتصورات، خصوصاً اذا ربطنا ذلك بالعديد من المراحل التي مرت بها اليمن، منذ قيام الوحدة اليمنية مروراً بحرب الإنفصال وهزيمة الاشتراكيين وظهور الإسلاميين بكل أطيافهم وجماعاتهم بقوة على الساحة اليمنية، مما أشعر القيادة السياسية بأن هؤلاء هم المنافس الجديد للنظام على السلطة، مهما تعددت آرائهم واختلفت طرقهم في العمل على استئناف الحياة الاسلامية، مما حدا بالنظام القائم في تلك الفترة الى تغيير تحالفاته، فشهر العسل بينه وبين الاصلاح لم يدم طويلاً،وكذا فصائل العمل الاسلامي الاخرى من الجهاد والسلفيين وغيرهم فالتحالف بين النظام والحركة الإسلامية ممثلين بالاخوان المسلمين يمكن القول أنه قد انفرط عقده بعد حرب الانفصال.

فقام النظام بإعطاء الفرصة للطوائف الأخرى كالصوفية والشيعة للظهور بقوة، فظهرت لهم الجامعات والمؤسسات بهدف خلق التوازن كما يُقال، وكان الحوثي والمحطوري ورموز الصوفية وغيرهم ممن طفاء على السطح، وبداءوا بالتحرك والدعوة والترويج لأفكارهم وتصوراتهم مستفيدين من الفرصة المتاحة لهم، كل هذا أدى الى ظهور هؤلاء ومنافستهم لرجالات الحركة الاسلامية بكل أطيافها، والحوثي كان واحداً من جملة هؤلاء الذين استفادوا من هذه التغيرات، فبداء يُظهر أفكاره بقوة وجراءة غير مسبوقة، فظهرت الجراءة على الصحابة وتنقصهم، بل رموزهم خلفاء المسلمين ابي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أجمعين، بالإضافة الى عرض التصورات الخاصة حول العديد من القضايا منها أحقيتهم بالحكم .

إن تحرك الحوثي في تلك المرحلة لم يأت وليد اللحظة وليس بأمرٍ من أحد، إنما هو نتاج لتراكمات عديدة، إنه وظف المناخ الذي وجده واستفاد منه، إن النظام نفسه هو الذي أعطاه الفرصة وباعتراف صالح نفسه في لقاءه مع مجموعة من علماء الزيدية الهادوية.

إنه وكما ذكرت من قبل فإن حرب صيف 1994م مثلت مرحلة فاصلة في تاريخ اليمن، حيث تغيرت العديد من التوازنات وانفرط عقد العديد من التحالفات، وبرزت الى السطح العديد من الممارسات التي جعلت الجميع يتململ ولكن بصمت .

إن الفساد أصبح هو الأصل في كل مرفق من مرافق الدولة والصلاح هو الاستثناء، ان الرشوة والوساطة والمحسوبية والمناطقية والطائفية، كل هذه اخذت تنخر في جسد الأمة.

ألم يتحدث الجميع عن التوريث في الجمهوريات العربية ؟، الم تظهر تطبيقات لهما في البلاد العربية ؟، ألم يظهر التمهيد للتوريث في أكثر من قطر ؟! .

ولذلك فلسان حال الحوثي وغيره كان يقول إن كان هذا بدافع حب السلطة من هذه الانظمة، فهم الأولى بحسب النص عندهم .

إننا وعند الحديث عن التحالفات التي تقف وراء ظهور الحوثي ومحاولة ربطها بأيادٍ خارجية، يجب أن لا نغفل السبب الداخلي، إنه وكما أن الثورة اليمنية السبتمبرية مرحلة فاصلة في تاريخ اليمن الحديث حيث أوجدت جيل من أبناء اليمن موحد الفكر، أبرز إنجازات المرحلة في تقديري هي الوحدة الفكرية المتمثلة في المناهج الدراسية في مختلف المستويات حيث غرست في عقول أجيال متعددة من أبناء هذا الوطن الأصول العامة الحقة لهذا الدين، وأخذت بالرأي الراجح من مختلف المذاهب الاسلامية، أما الإنجاز الثاني فيتمثل في الإنجاز التشريعي وأخذت بالرأي الراجح في الفقة الاسلامي عند التقنين، وكل هذا بالطبع أوجد الوحدة الفكرية والتشريعية، والذي كان له أثره الطيب في معظم أبناء جيل الثورة، وكما كان السابع عشر من يوليو 1978م هو يوم مؤثر في تاريخ اليمن الحديث وهو كذلك، فإن السابع من يوليو 1994م هو يوم فاصل أيضاً في تاريخ اليمن يسبقه بالطبع الثاني والعشرين من مايو فيوم الوحدة وإن كان الجميع معها إلا أنه كان له أثراً سلبياً من جهة أنه فتح المجال أمام الأفكار والطوائف المنحرفة، ومهد لها، ليأتي صيف 1994م مؤذناً بفك أسر هذه الفرق والطوائف وفتح الآفاق أمامها بهدف الحد من نفوذ الإسلاميين خصوصاً بعد إنكسار القوميين وهزيمة اليساريين .

إن العديد من العلماء والناصحين وأهل الرأي قد حذروا من هذه الظاهرة، لما لذلك من أثر في خلق البلبلة الفكرية ونشر البدع والانحراف في اهل اليمن، وهذا ما ظهرت بوادره الآن ونحن نحمد الله تعالى على ظهور هذه النتائج قبل أن يتغلغل هذا الفكر في الشرائح المختلفة من أبناء اليمن .

إنني حين أشير الى هذه الأسباب لا أُنكر دور الآيادي الخارجية والأطراف الدولية في التمهيد والتحضير لهذه الظاهرة ورفدها بأسباب القوة والنشاط، لكن وكما هي سنة الله الثابتة التي لا تتغير (( إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ))، إنني أنظر الى هذه الآيادي من زاوية اخرى ربما يستغربها الكثير، فهذه الآيادي ليس بالضرورة أن يكون دعمها مباشراً، فما الدعوة الى ما يُسمى بالحريات والتعددية والرأي والرأي الآخر هكذا على إطلاقها دون ضابط من شرع أو مصلحة وطنية، ليس الهدف منها سوى إعطاء الفرصة لأصحاب الأفكار المنحرفة والطوائف المبتدعة لبث سمومها ونشر أفكارها في البلاد الاسلامية .

إن إنحسار الفكر القومي والمد العلماني وبروز ظاهرة العودة الى الدين وجدت في بعث الأفكار الطائفية والمنحرفة للفرق الإسلامية التي بداءت بالاندثار، لمنافسة القوى الإسلامية المتبنية للمنهج الصحيح والفكر السليم .

إن الدعم وإعطاء الفرصة لهذه الأفكار والدعوات المنحرفة بالظهور وما تحصل عليه من الترويج ليس وليد الصدفة ولا مجرد ضربة حظ، إنه قائم على تلاقي المصالح وإتحاد الهدف المتمثل في ضرب الاسلام المنزل .

فالفرق والطوائف الاسلامية تقوم على أفكار وتصورات خاصة، فالشيعة مثلاً لهم تصوراتهم الخاصة في العقائد والعبادات والسياسة والحكم، فالجانب السياسي لديهم يقوم على ما يُسمى بالائمة الاثني عشر المعصومين والذين لا تخرج الولاية العامة عنهم، كان آخرهم المهدي محمد بن الحسن العسكري، الذي يُمهد الرافضة لخروجه، كذلك فإن المذهب الزيدي يقوم على الأصول الخمسة ومنها الإمامة، وهي أن تكون في أحد البطنين، وهذا الفكر له أثره في صبغ الرؤى والتصورات السياسية لنظام الحكم، فالمذهب الرافضي يطعن في خلافة خير خلق الله تعالى بعد الأنبياء، يطعن في الفترة الذهبية للمسلمين الخلافة الراشدة، ويعتبرها غير شرعية .

إن لهذا الفكر وبلا ريب دور في هذه الفتنة، بل إن هذه المعتقدات هي الأرضية الخصبة لهذه الفتنة، وإن عدم المعالجة الحازمة والجادة من النظام للأرضية التي تغذي هذا الفكر تجعل المجال مفتوحاً لخروج وظهور العديد من الحواثي، وهذا ليس تحريضاً أو تجنياً، وإنما لما لهذا الفكر من آثار سيئة على وحدة المجتمع وبنيته الفكرية .

فالحوثي الذي يتدثر برداء الزيدية هو بعيد عنها كل البعد فالمذهب الزيدي أقرب فرق الشيعة الى أهل السنة بتأكيد العديد من العلماء والباحثين المتخصصين في مجال الفرق الإسلامية، فهو لا يطعن في رجال خير القرون صحابة رسول الله، ولا يطعن في الخلافة الراشدة، ويتفق مع أهل السنة في مصادر التشريع المتفق عليها وهي القرآن والسنة ومصادرها كتب الصحاح والمسانيد والسنن، وإن كان يضم اليها بعض مصادره الخاصة كمسند الإمام زيد وغيرها .

إن علماء الزيدية الحقيقيين اليوم واقعين في خيار صعب فهم بين إغراء ايران وإنغلاق الكثير من فصائل أهل السنة عليهم، وفي هذه الدراسة لا بد أن نشير الى الفرق بين الهادوية والزيدية، فالهادوية اليوم يجدون الدعم من ايران وتجمعات الرافضة في الكويت ولبنان وغيرها وقد نجحت هذه الإغراءات والدعم في تغيير وتحويل العديد من المفاهيم لجعلها رافضية صرفة، أما الزيدية فكما قلنا أن الجميع من الرافضة والهادوية يتلفحون بردائهم وهم يراقبون لا حول ولا قوة، لذلك فعليهم الوقوف بقوة في وجه المد الرافضي لأن ذلك منهم أقرب الى التفهم والتقبل من الوسط الذي يثق بكلمتهم .

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية