التعصب تحت ظلال الأديان

  حسن العديني

كما يقدم الحوثيون صورة بائسة وبغيضة عن الأيديولوجية العنصرية، والعمل السياسي المتعصب والنافر من الاتجاهات والقوى المخالفة، ينعكس المشهد من أداء الحركات السياسية الأخرى والمتسربلة بالدين. وجميعها لا تهتم إن كان هذا الثوب رثاً مليئاً بالثقوب والرقع، مادامت قادرة على النقيق والنعيق بالكذب من القول.

ولأن بارحها الخجل من انتحال الكلام منسوب للأنبياء والرسل، فليس من رادع يمنعها من الدجل السياسي والاجتماعي، والمحزن أن هذه الظاهرة خرجت من أرحام الديانات الإبراهيمية الثلاث دون سواها من الأديان السماوية والوضعية. قد نستثني الصابئة إن حسبت غصناً في الدوحة الابراهيمية. ذلك أن نبيهم يحيى من نسل عبراني وقد كرمهم القرآن ووضعهم على صعيد واحد من الطمأنينة مع المسلمين والنصارى واليهود ما آمنوا بالله واليوم الآخر وأتوا بالصالحات من الأعمال. هؤلاء الصابئة قلة هادئة في العراق لا يزعجون أحداً من بني وطنهم بالقول أو الفعل. وكان شاعراً من قومهم متشيعاً للرئيس الشهيد صدام حسين حتى ظننته مداحاً يروم المكافأة والتكسب. وإذ لاحظت مداومته على موقفه لم يبدل ولاءه تبديلاً بعد إعدام سيده، زاد يقيني بالقومية إطاراً جامعاً للأديان والطوائف، إن طارق عزيز المسيحي الكلداني يجسد هذه القيمة ويرفع مكانه في تاريخ بلاده وأمته فوق ضآلة أولئك الذين كانوا يغمزون من باب انتمائه للمسيحية بالتذكير باسمه الكامل “طارق يوحنا عزيز”.

أما الديانات الوضعية فلا يكاد يظهر من أتباعها الانزلاق في مستنقع صراع مرده تحريف الأصول أو الاختلاف في تأويلها. هذه الديانات على خصوبتها لم تنجب فرقاً فكرية تتطفل على الموروث لضخ الزيت في ماكينة الصراع الاجتماعي والسياسي ولا في إذكاء الشعور بالامتياز والتعالي على الجماعات والأمم الأخرى.

والجلي أنهم في الزرادشتيه والبوذية والهندوسية يجسدون الحكمة الإلهية في أربع تجلياتها (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر). بينما يذهب الهندوس المتزمتون إلى تقديس الأبقار فليس بينهم من يرفع سيف التحريم في وجوه شركائهم إن هم أكلوها وذبحوها. وللزرادشتي أن يتقرب بالنار إلى الإله أو يسلو عنها ولا يتخذ منها مرتقى إلى الإيمان.

ظاهرة التأويل والانتحال تتفشى أبشع ما يكون في أتباع الديانات الإبراهيمية الثلاث، وعدا القرآن المصون بكلمة الله ووعده فليس من دليل ناصع على وجود مادي للتوراة المكتوبة في الألواح الأثني عشر التي تلقاها موسى من ربه في جبل الطور. وما التوراة كتاب اليهود المقدس سوى إنتاج بشري خطه الحاخامات اليهود بعد انعتاقهم من السبي البابلي، ولأنه من هذه الصنيعة فقد جاء مزيجاً مركباً من تعاليم الأساطير البابلية والديانات الفرعونية (أخذ اليهود ظاهرة الختان وتحريم لحم الخنزير من الفراعنة) مضافاً اليها أساطير ابتدعها الأحبار انفسهم. الأظهر منها أساطير سياسية نسجوها تحت وطأة الضغوط النفسية للعذاب المترسب خلال سنوات السبي، فضلاً عن الذكريات المريرة للخروج المهين من مصر.

وفي أزمنة سابقة استبد اليهود بالمصريين مستندين على نفوذ سياسي ومالي مكنهم منه الملوك الهكسوس الذين استقبلوهم مع يوسف النبي في القرن الثامن عشر قبل الميلاد. ولما تمكن المصريون من طرد الهكسوس وعاد الفراعنة إلى حكم بلادهم جرعوا الإسرائيليين من نفس الكأس وساموهم سوء العذاب حتى أخرجوهم من الديار المصرية.

وفي العهد القديم ما يفيد أن المصريين لم يشاركوا ملوكهم الانتقام من بني اسرائيل. ففي سفر الخروج يدخل اليهود بيوت المصريين ويسرقون الحلي والمجوهرات ويحملونها معهم في رحلة الفرار إلى أرض الكنعانيين. وهنا تحضر واقعة عجل السامري.

تلك الذكريات المريرة للعذاب القديم في مصر والوجع الطازج في بابل ألقت بحاخامات بني اسرائيل في قعر الكذب، فنسجوا أسطورة أرض الميعاد وشعب الله المختار. ورغم عجزهم عن إخفاء حقيقة وجود الكنعانيين في فلسطين قبل مقدم إبراهيم إليها بمئات السنين فقد ثابروا على غسل الكذبة وتضخيمها في العقيدة اليهودية حتى نشأت الحركة الصهيونية ونجحت في اقتلاع الفلسطينيين من وطنهم.

واللافت أن الأسطورة شرطة الايديولوجيا لم تترسخ في أذهان بني اسرائيل وحدهم. لقد استوطنت عقول معتنقي الديانة من غير الاسرائيليين قبل أن توصد أبوابها، وأبرز هؤلاء يهود أوروبا الشرقية المنحدرين من مملكة (الخزر) التي تهود سكانها في القرن الثامن الميلادي للتحرر من عبء ضغط الإسلام الزاحف من وسط آسيا في الجنوب والمسيحية الأرثوذكسية المقاومة في الشمال.

والحقيقة الصارخة أن الأساطير الإسرائيلية ايديولوجية يعرف زيفها قادة الحركة الصهيونية وزعماء اسرائيل العلمانيون، لكنهم يسخرونها ببراعة لتضليل العوام من اليهود وتوحيدهم في كتلة الشعب المخترع للغرض السياسي المقيم فوق حق الفلسطينيين وإرادتهم في التحرر.

<<< ليست المسيحية بريئة من الادعاء والافتراء، ولا أقصد من هذا أن أناجيل بطرس ومتى ولوقا ويوحنا، هي خلاصة ما تذكره هؤلاء الرسل مما سمعوا من عيسى النبي وما شاهدوا من سيرته خلال الأشهر التي قضوها معه قبل صلبه. إنما أردت ما طرأ على الدين بعد ولادة الكنيسة وعلى أيدي رهبانها وقسستها حى غدت صكوك الغفران، ثم ما حدث من خلط عجيب للمسيحية التقليدية بالوثنية الرومانية على يد الامبراطور قسطنطين الذي اعتنق المسيحية في العقد الثاني من القرن الرابع الميلادي. كانت المسيحية قد انتشرت بين سكان الامبراطورية الرومانية وبدأت بوادر انقسام وصراع ديني استشعر قسطنطين خطره فاضطر إلى الاتفاق مع رجال الدين المسيحي على أن يعتنق ديانتهم بعد تطعيمها بالكثير من ديانة روما الوثنية حتى يقتنع سكان الإمبراطورية في الدخول للدين الجديد. على سبيل المثال كان السبت وليس الأحد هو اليوم المقدس عند المسيحيين. والمسيحية نشأت في بيئة عبرانية ولم تزعم أنها مثلت قطيعة كلية عن اليهودية، ومازال الكتاب المقدس عند المسيحيين يجمع بين العهد القديم والعهد الجديد. لكن المسيحية على أي حال تخففت كثيراً من الأحكام والتعاليم التوراتية المتشددة. المهم في هذا أنه لا المسيح ولا الرسل الذين كتبوا الأنجيل بصيغه المتعددة استبدلوا السبت بالأحد، ولم يزل السبت مذكوراً في جميع الأناجيل. تحضرني الآن آية دالة تقول “إن الله لم يخلق الإنسان من أجل السبت ولكنه خلق السبت من أجل الإنسان”. وكان الرومان بحكم تأثرهم بالديانة الفرعونية، يقدسون الشمس، وهو الإله الذي دعا به فرعون التوحيد “أخناتون” متحدياً كهنة الآلهة القديمة المتعددة لآمون، من هنا جاء تقديس الأحد ويعني يوم الشمس كما يعرف بالإنجليزية “Sunday”. ثم استطاعت الكنيسة الكاثوليكية أن تلقي بظلها الكثيف على ممالك أوروبا وتفرض سلطانها عليهم بعد انهيار الأمبراطورية الرومانية الغربية. وكان أسوأ ما فعلت باسم الدين تحريض ملوك أوروبا بغزو الشرق بداعي تحرير الأرض المقدسة من المسلمين الكفار! لكن هيمنة الكنيسة لم تكن محل قبول دائم ،فتمرد ملك انجلترا ريتشارد الثاني على كنيسة روما، وقاد البريطانيين إلى المذهب البروستانتي. وعندما أشع عصر النهضة والتنوير ظهرت العلمانية لتحرر السلطة الزمنية للدولة عن سطوة الكنيسة وتحصر هذه في دولة مساحتها 1 كيلومتر داخل روما هي “الفاتيكان”. ولم تكف الأساطير عن تغذية التعصب والميل للعنف لدى بعض الطوائف المسيحية، تخلف عن هذا ما يعرف اليوم بالمسيحية الصهيونية، حيث ترسب في عقول جماعات من أبناء الطائفة الإنجيلية ومن البروستانتيين المتشددين الإيمان بخرافة معركة “مجدون” التي تدور في جبل يحمل نفس الاسم بالقرب من القدس لتبشر بظهور المسيح كي يملأ الأرض عدلاً. ومن مآسي العصر أن هذه الطائفة باتت تتمتع بنفوذ واسع في الولايات المتحدة، وتمارس تأثيراً هائلاً على السياسة والقرار الأمريكي. وكان الرئيس السابق جورج دبليو بوش والعديد من مساعديه من أوثق الناس إيماناً وتعصباً للمسيحية الصهيونية. قادهم هذا إلى مغامرات عسكرية لإشعال الحروب في أرجاء الأرض لتسريع الخطا نحو مجدون والمسيح العائد.