المرشدي .. مِلء السمع والبصر

  مصطفى راجح

يرافقني محمد مرشد ناجي يومياً كصديق دائم، وملاذ جميل تلجأ اليه لاستعادة لمعان حواسك، وتلوذ به كلما قل منسوب الجمال في وجدانك، في ظل تسيد حياة مملة من التصحر ودوران دوامة حياة يومية جدباء، عجلة دورانها القاحلة لا تبقي ولا تذر.

لا زال كل مخزون المرشدي وأثره في الحياة موجودا هنا على هذه الأرض يعيش بيننا، ومتاحا للجميع للتماهي مع أوتاره والاتحاد مع نغمته وشدو صوته الجميل .
محمد مرشد ناجي الذي اعرفه لم يمت ولن يموت.

لقد هزم الموت الذي زاره الخميس الماضي، وتصور انه أوقف حياته بزيارته تلك.

أظنه قابل الموت بابتسامة رضى ساخرة وملامح مطمئنة متمتما بينه وبين نفسه وكأنه يخاطب زائراً متوقعا، أحتاط لزيارته منذ زمن طويل : ” خذ الحطام يا ضيفي العزيز .. أما ما يحويه محمد مرشد ناجي فقد تركه ليحيا هنا بعيدا عن متناولك ”

أنا موجة حياة يا ضيفي العزيز، موجة توزعت في أثير هذه الأرض ووديانها وسهولها وأشجارها وكائنات ها الحية.

محمد مرشد ناجي هو حفلات الخمسينات والستينات في الهواء الطلق أمام الجمهور، ولحظات الانتظار، والمنافسة مع قامات أخرى كانت ايظا عنوانا للزمن الجميل وتعبيرا عن مرحلة شباب اليمن وعنفوانها وصعودها : محمد سعد عبدالله، أبوبكر سالم، ايوب، احمد قاسم، علي الآنسي، الحارثي، عطروش، محمد عبده زيدي، السمة، وكل واحد من هؤلاء الفنانين الكبار عالم بحد ذاته، له بصمته وذاته الخاصة، وأسلوبه، ونغمته،التي تميزه، ولا تشبه الآخر.

كنا معا ذات صباح أنا والصديقين علي المعمري وسلطان العتواني، وكان صوت المرشدي طريا ونقيا يعيد لنا لحظات توهج التمعت في زمن اخضرار الفن في ستينات وسبعينات الثورة والفن، وكانت ملامح العتواني تنفض عن وجهه كل نتوءات السياسة وتغضنات زمن الجدب الحاضر لتعود به إلى طفولته الأليفة في عدن، هناك حيث تفتح وعيه على المرشدي والتمتعت أشواق الحب ورجفة الأحلام الكبيرة في عينا طالب في الإعدادية يستغرق بكل حواسه والمرشدي يشدو ويُطْرِب : ” بس أنا توسل .. بس أنا فدالك .. لا تخلينا لوحدي ” المقطع الجميل الذي بقي العتواني يردده عائدا إلى زمن قصي هناك في البعيد على بندر عدن.

كان المرشدي فنانا شاملا. في أناشيده الوطنية وأغنيته السياسية أبدع متجاوزاً اللحظة الآنية، لتبقى أغنيته في قلوب الناس بعد أن تتبدد المناسبات والحروب، ذهبت كلها المناسبات وبقيت ؛ أنا الشعب ونشوان، وأبو علي قال، وصنعا الكروم يا موطن الصبايا الأغنية التي مرت بخفة على كل مدن اليمن شمالا وجنوبا بالنغم العذب الذي تمزج بترديده فنان اليمن المرشدي.

حفلاته في ستينات وسبعينات القرن الماضي كان لها ذكرى خاصة في نفسه، تحدث عن هذه المهرجانات الأسبوعية الفنية في إحدى مقابلاته مشددا على الفنانين الشباب أن الفنان الذي لا يغني في مواجهة الجمهور ولا يتعلم الغناء على النوتة الموسيقية ليس فنانا.

أتذكر مقولته هذه كلما خدش سمعي نعيق احد المتطفلين الشباب على الفن هذه الأيام، الذي يولد مقلدا ويموت مقلدا. أحد هؤلاء أنشب أظفاره ومخالبه فوق الحارثي حتى إذا انتهى منه احترف فوق السنيدار، فلما قضى عليه حول للانسي، وبعد أن استكمل الكبار في صنعاء توجه منزل باتجاه لحج فيصل علوي، وهكذا هو الفن هذه الأيام !!

كان المرشدي ملأ السمع والبصر في حياته وعلامة من علامات المجتمع اليمني طوال السبعين عاما الفائته، وسيبقى ملأ السمع والبصر بأغنياته الرائعة ومدرسته الفنية الاستثنائية التي خلفها للأجيال من بعده.،