الطائفية مفسدة للتنمية!

تمثل التنمية في العصر الراهن جسر العبور إلى المستقبل ، والتنمية هنا هي نتاج فعل حكومي شعبي مشترك ، ولا يمكن لتلك العملية التضامنية أن تتم في مجتمعات ممزقة مشتتة متصارعة ، ومن صنوف التشتت والتمزق تأتي الطائفية المقيتة التي تهدر جهود الأمة في صراعات جانبية لا صلة لها بالمستقبل .

إن قضية التباينات العرقية والدينية والجهوية نجدها في كل شعوب الأرض ، ولكن دول العالم التي تسعى إلى النهوض أنشأت عقداً اجتماعياً جديداً يحمي حقوق الجماعات المختلفة ، وحددت قواسم مشتركة تمثل جسر العبور إلى العالم الحديث ، ومن أبرز التجارب التجربتين الماليزية والتركية ، حيث قامت حكومة البلدين بقيادة مهاتير محمد وأردوغان بإعادة ترتيب الأولويات الوطنية فجعلت من التنمية هي الأولوية المشتركة بين جميع المكونات الوطنية وبالتالي تحول المجموع الشعبي تقوده الحكومة إلى كتلة وطنية تنموية.

إن الطائفية التي نعنيها هناك تمتد لتشمل الطائفية الدينية والمذهبية والمناطقية(الجهوية) والسياسية والاجتماعية والفكرية ، إن تلك الخصائص هي رمز لتنوع البشر ، فيمكن أن تكون عوامل بناء وتنمية ويمكن أن تكون عوامل تدمير وخلاف ، وما يهمنا هنا التأكيد أن التنمية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية هي نتاج للتفاعل الايجابي لتلك العناصر ، بينما التفاعل السلبي لها يعد مدمراً لكل الطموحات التنموية.

من المؤسف إن الحالة التنموية اليمنية تتأثر بصورة مباشرة بعواقب الطائفية بصورها المختلفة ، فكلما استقرت الأوضاع السياسية لبرهة من الزمن وبدأت عجلة التنمية في الدوران ، بدأت تتصاعد مشكلات طائفية مناطقية أو مذهبية تكبح ذلك الدوران والتقدم وبدأت الجيوش تخوض معاركها الضروس وبدأ الشباب وهم عمود التنمية يتساقطون وهم لا يعرفون من يحاربون ولماذا؟ وإذا بالحكومات المتعاقبة توقف مشاريع التنمية لتلبي احتياجات المتطلبات العسكرية والأمنية.

من المؤسف أن تلك الصراعات المسلحة تستدعي أحداث تاريخية مضي عليها عشرات السنين وربما مئات السنين ، وذلك يتناقض تماماً مع مبادى التخطيط الاستراتيجي المستقبلي ، فالتاريخ يفترض فيه أن يكون للعضة والعبرة والفائدة لا أن يجر الشعوب الحاضرة إلى الخلف ويعيدها إلى معارك داحس والغبراء.

إن اليمن اليوم يملك من الموارد الطبيعية والبشرية والموقع الجغرافي ما يؤهله لأن يكون لاعباً سياسياً فاعلاً على المستوى الاقليمي والدولي ، ولكن ما يحدث اليوم ومنذ عقود عكس ذلك تماماً ، إننا نستدعي أحداثاً مرت بها اليمن والأمة الإسلامية منذ قرون أو عقود ونبحث عن أسوأ ما فيها من جاهلية مثل التعصب والكراهية لنشعل حروباً لانهاية لها.

من العجيب أننا لانقرأ عن تجارب الشعوب الأخرى وكيف تعاملت مع تأريخها لصنع مستقبلها ، ماهو يقيني أن كل أمة مرت بمراحل من الإنجازات وأخرى من الإخفاقات ، وبالتالي فالشعوب الحية تأخذ بإيجابيات تأريخها لتبني عليه حاضرها ومستقبلها وهذا ما حدث في ستينيات القرن الماضي في جنوب شرق آسيا وهو ما حدث منذ عقد من الزمان في تركيا ، بينما الشعوب الفاشلة هي التي تستدعي أسوأ ما في الماضي إنها حروب داحس والغبراء لتدفع بشباب الأمة إلى محرقة يموت فيها الألاف من خيرتهم.

من المؤسف أن تتصاعد حدة المواجهات في محافظاتنا الجنوبية والشرقية بشكل يغلفه التمييز المناطقي والحال كذلك سابقاً في حروب صعدة التي راح ضحيتها عشرات الألاف من اليمنيين ، إن إحياء الصراعات لفرضية تاريخية أو سياسية معينة مدمر للتنمية ومستقبل الوطن ولن يستفيد منها أحد ، تلك حقيقة لا نقاش فيها ، بينما التحاور وفق معطيات الحاضر بظروفه التاريخية والجغرافية والسياسية هو الطريق الأسلم للحفاظ على موارد اليمن وتحقيق الرفاهية لعموم السكان وفق مبادئ العدالة الاجتماعية والشراكة الوطنية في الثروة والقوة والسلطة ، وفق رؤية إدارية إقليمية محلية تعطي لكل إقليم قدر من الخصوصية الاقتصادية والإدارية ، وتعد التجارب الفيدرالية واحدة من الاليات السياسية التي تساعد على التعايش بين المكونات الاجتماعية المختلفة وتعطي لكل إقليم فرصته الخاصة في وضع خططه التنموية المحلية ، وذلك سيؤدي في نهاية المطاف إلى تنافس إيجابي بين الإدارات المحلية لتحقيق معدلات نجاح تنموية تفوق الأقاليم الأخرى ، بينما بقاء الوضع على ماهو عليه لن يستقيم مع التفاعلات الاجتماعية والأمنية الراهنة .

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية