اليمنيون قادرون على الخروج من النفق

عندما حدث الانفصال بين مصر وسوريا عام 1961، وتعثر اول نموذج للوحدة بين دولتين عربيتين، واسباب ذلك وملابساته يطول شرحها – وعندما خيم شعور بالأسى في مصر وعلى الصعيد العربي لتعثر احد الأحلام العربية في ذلك الوقت، جاء الضوء من اليمن في ثورة 26 سبتمبر 1962، ووقفت مصر إلى جانبها، ايمانا بأهمية اليمن الشقيق موقعا وطاقة ومستقبلا ايضا.

وبعد هزيمة يونيو 1967 بسبب العدوان الاسرائيلي الغاشم، كان استقلال جنوب اليمن في اكتوبر 1967 ردا واملا آخر في امكانية النهوض العربي، وجاء الأمل من اليمن كذلك، وبغض النظر عن ارتباط اليمن الجنوبي بالفكر الماركسي، وبالعجلة الروسية والصينية والكوبية، بكل ما ترتب على ذلك من نتائج لليمن الجنوبي وللمنطقة من حوله، فان الوحدة اليمنية التي جرت عام 1990 كانت حدثا كبيرا، ويعود جانب كبير من الفضل فيه للقيادة اليمنية الجنوبية ذات التوجه الوحدوي، في ذلك الوقت، والتي حزمت امرها وسارت في هذا الاتجاه لاعتبارات عديدة، يمنية واقليمية ودولية ايضا، وهي اعتبارات باتت واضحة ومفهومة كذلك، ومنذ سنوات عديدة مضت.

والآن، وفي ظل الظروف المضطربة التي تمر بها العديد من دول المنطقة، وبعد ان مرت رياح الربيع العربي – رغم ان الربيع لا يشهد رياحا في العادة – على عدد من الدول الشقيقة، والتي لم تفق من آثارها بعد، فان السؤال الذي يطرح نفسه هو هل سيأتي الأمل هذه المرة ايضا من اليمن؟ خاصة وانه بالرغم من الاوضاع اليمنية المعروفة، وانتشار السلاح في ايدي الاشقاء اليمنيين، الا ان اليمنيين قدموا حتى الآن، نموذجا جيدا، على الاقل مقارنة مع النماذج العربية الاخرى، والتي تعاني من مشكلات اكثر حدة وتأثيرا على حاضرها ومستقبلها.

ومع الوضع في الاعتبار تدشين الحوار الوطني اليمني في الثامن عشر من الشهر الجاري، وبرغم كل ما احاط ويحيط به من صعوبات وتحديات، الا ان الرهان يظل قائما على قدرة الاشقاء في اليمن، وعلى ادراكهم لمسؤولياتهم حيال اليمن، وطنا وشعبا، وحاضرا ومستقبلا ايضا، وفي هذا الاطار فانه يمكن الاشارة باختصار شديد إلى عدد من الجوانب، لعل من اهمها ما يلي:

** اولا: انه اذا كان الانتشار الكثيف للسلاح في الشارع اليمني، والعدد الكبير من الضحايا لأعمال العنف، وللتفجيرات الانتحارية الارهابية، التي جرت، وللصدامات بين بعض العسكريين و بعضهم حينا، ومع غيرهم حينا آخر، تمثل في الواقع عنصر ردع قوي ومؤثر للحيلولة دون الانجرار إلى اية مواجهات مسلحة – لا قدر الله – يدفع الشعب اليمني ثمنها، فان القوى السياسية اليمنية بوجه عام، وعدد من القيادات المؤثرة استطاعت تأمين قدر من التجاوب مع طموحات الشباب اليمني الراغب، والعامل من اجل تحقيق اصلاح سياسي واسع في اليمن الشقيق، وعلى نحو يقود إلى اعادة بناء هياكل الدولة اليمنية بشكل عصري، قدر الامكان، وعلى اسس وقواعد تسمح بالسير بالدولة اليمنية الحديثة نحو الخروج من النفق الذي تعيشه الآن، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا واداريا، والانطلاق إلى بناء حياة جديدة تقلل بشكل أو بآخر من العراقيل والقيود التي تكبل اليمن في المجالات المختلفة.

ولان عمليات الاصلاح السياسي لن تتم فقط لرغبة السياسيين، أو بعض القيادات، أو القوى السياسية في تحقيقها، كما انها لن تتم بسرعة، أو بمجرد النية والامل، فان الامر يحتاج بالضرورة تهيئة المناخ اليمني، سياسيا واجتماعيا ايضا لتحقيق ذلك، وبشكل تدريجي، بحكم الواقع اليمني، وبحكم قوة وتجذر عادات وتقاليد، لا يمكن القفز عليها أو التخلص منها لمجرد الرغبة أو الحاجة لذلك. وهذا الأمر تحديدا يحتاج إلى العمل بصبر لايجاد درجة عالية، قدر الامكان، من التوافق بين القوى السياسية والقبلية والاجتماعية اليمنية، ومن اجل الالتقاء، إلى اوسع مدى حول اليمن الذي يريده ويتمسك به، ويعمل من اجله اليمنيون، الآن وفي المستقبل.

ولعل جلسات الحوار الوطني اليمني تسمح، وتنجح في التمهيد وتوفير هذه الارضية الواسعة والضرورية، والتي لا غنى عنها، لأن ذلك هو ببساطة السبيل إلى استجماع كل القوى اليمنية، وحشدها من اجل بناء اليمن الجديد.

جدير بالذكر ان النجاح اليمني في السير خطوات على طريق انتقال السلطة من الرئيس اليمني السابق، علي عبدالله صالح، إلى الرئيس عبد ربه منصور هادي، النائب السابق للرئيس، وما قام به الرئيس هادي من خطوات محسوبة، ومتتابعة للامتداد بالتغيير التدريجي إلى القوات المسلحة اليمنية، و إلى المؤسسات الامنية وغيرها، تشكل سيرا على هذا الطريق الطويل، ولعل انتماء الرئيس اليمني وطبيعة اسلوبه توفر فرصة اخرى للنجاح، خاصة وانه قد اكد، بوضوح، على حرصه ورغبته في الانتقال باليمن إلى حالة الاستقرار، وبما يسمح بحشد كل طاقات اليمن قدر الامكان لبناء واقع يمني جديد.

ومما له دلالة في هذا المجال ان الرئيس عبد ربه منصور هادي قد اكد في كلمته في افتتاح الحوار الوطني اليمني على الحاجة إلى الخروج بحل يمني، وعبر الحوار لمشكلات اليمن وللتحديات التي تفرض نفسها على حاضره ومستقبله.

يضاف إلى ذلك انه اراد ان يقطع الطريق على اية مزايدات من جانب اي من الاطراف اليمنية، التي جعلت من حضورها للحوار والمشاركة فيه ورقة مساومة، على حساب اليمن نفسه احيانا، ولذا فانه قال مخاطبا المشاركين في الحوار، وبالطبع من امتنعوا، ان من لا يريد المشاركة في جلسات الحوار فان «الباب مفتوح»، وهو ما يضع الجميع امام مسؤولياته، حيال اليمن الشعب والمجتمع والدولة، الآن وفي المستقبل، وهذه مسؤولية لا يمكن المساومة عليها، أو شراؤها بأي ثمن.

** ثانيا: انه اذا كان الرئيس اليمني قد حرص من خلال اللجنة الوطنية للحوار على اشراك ممثلين لكل القوى السياسية اليمنية، حيث بلغ عدد المشاركين في الحوار 565 عضوا، فانه كان واضحا ايضا في حديثه عن مشكلة الجنوب اليمني، وعن الحاجة إلى التوصل إلى حل يمني لها، لأن هذا الحل سينعكس بالضرورة على كل الاوضاع اليمنية. وعندما يتم ضم ذلك إلى الجوانب، أو القضايا الثماني المناط بالحوار اليمني مناقشتها، والتوصل إلى حلول أو تفاهمات بشأنها، فان الحوار اليمني يكون في الواقع امام كل المشكلات والتحديات التي تؤرق اليمن الآن، وتؤثر بشدة على مستقبله. ولعل الصراحة والوضوح في طرح المشكلات يسهم في التعامل الفعال معها. واذا كان اليمن يواجه الآن مشكلة حادة في الجنوب تهدد بالانفصال، خاصة وان هناك بالفعل من يدعون لفصم عرى الوحدة اليمنية، والعودة إلى ما قبل 22 مايو 1990، فانه من المؤكد ان هذه الدعوة التي يتبناها الحراك الجنوبي، أو على الاقل بعض تياراته، تجد صدى في مناطق يمنية اخرى، سواء في اطار المبدأ سيئ الذكر الذي تبناه البعض، وهو مبدأ اقتسام السلطة والثروة، والذي ساهم بشدة في تقسيم السودان، أو في اطار محاولات قوى اقليمية معينة التدخل والتلاعب ببعض القوى اليمنية، أو تغذية طموحاتها، من اجل خدمة حسابات تلك القوى، بشكل مباشر وغير مباشر. ومن ثم فان التوصل إلى حلول مناسبة لمشكلة الجنوب اليمني من شأنه ان يسهم في حل المشكلات الاخرى.

وتجدر الاشارة إلى ان حل مشكلة الجنوب اليمني والحراك الجنوبي لا تقتضي بالضرورة الانفصال واعادة تقسيم اليمن، فهذا امر شديد الخطر على حاضر اليمن ومستقبله ايضا، ولكن الحل يكمن في التوصل إلى صيغ عمالية وفاعلة وملموسة لحل مشكلات الجنوب اليمني، والتي ازدادت حدة بعد حرب الانفصال عام 1994، سواء بالنسبة للعسكريين السابقين أو لغيرهم. واذا كان الجميع يؤيد الوحدة ولا يرفضها لما تحمله من ايجابيات لكل الاطراف، فان استمرار الوحدة وتجذرها يقتضي مراعاة مصالح كل الاطراف، وعلى نحو متوازن، حتى لا يرى ولا يعتقد طرف، انه ضحية الوحدة، أو ان اوضاعه يمكن ان تكون افضل في ظل الانفصال. وما ينطبق على الجنوب، ينطبق بشكل أو بآخر على المناطق اليمنية الاخرى، التي ينبغي ان تشعر جميعها وبقوة بأن مصالحها، الآن وفي المستقبل، هي في حماية استمرار وحدة وتماسك الدولة والمجتمع والتراب اليمني، وان الحفاظ على الوطن اكبر واولى من اية حسابات طائفية أو حزبية أو عقائدية لهذا الفريق أو ذاك.

** ثالثا: انه مع اليقين بقدرة الاشقاء في اليمن على الخروج من النفق الراهن، بما يتوفر لهم من حكمة وبعد نظر واعلاء لمصلحة اليمن فوق اية مصالح اخرى، فانه يتوفر لهم ايضا اطارا اقليميا ودوليا داعما، ودافعا للجهود المبذولة للخروج من النفق.

وهذا الاطار يتمثل في الموقف المعروف لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية التي تدرك بعمق اهمية الاستقرار في اليمن، وضرورة تجاوزه لمحنته الراهنة من ناحية، كما يتمثل في الدعم الدولي ممثلا في الامم المتحدة والقوى الدولية الكبرى من ناحية ثانية، ولعل ذلك يسهم في التغلب على الكثير من المشكلات الراهنة.

ومن المؤكد انه كلما نجح الحوار اليمني في التوصل إلى التوافق المنشود حول لجنة صياغة الدستور، وحول مقومات الدولة اليمنية الحديثة، وحول سبل استعادة وترسيخ المصالحة والوحدة الوطنية، وتحديد اولويات التنمية، كلما امكن للقوى الاقليمية والدولية الداعمة لليمن الاسهام بشكل اكبر في انجاح هذه الجهود والوصول بها إلى غاياتها المنشودة. ولأن هناك بالقطع من لا يريدون نجاح الحوار، بل واثارة المشكلات امام جلساته، وذلك بمحاولة اغتيال بعض الشخصيات المشاركة فيه، أو التشويش على اهداف الحوار، فان النجاح في الخروج باليمن من النفق الحالي يتوقف في المقام الاول على اليمنيين انفسهم، وعلى مدى قناعاتهم بالحوار واخلاصهم له وعملهم لانجاحه، بعيدا عن المناورة أو تسجيل النقاط هنا أو هناك.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية