الإصلاح يدفع ثمن مشروعه الوطني

من نافلة القول أن نعيد التذكير بأن الإصلاح حزب سياسي شعبي مدني، لديه مؤسساته ‏المعروفة المعنية باتخاذ القرار، وبرنامجه السياسي معلن منذ لحظة ميلاده في 13 سبتمبر ‏‏1990، وتاريخه الوطني ناصع البياض، يمتد على خارطة جغرافيا البلاد.يضم في صفوفه كل ‏ألوان الطيف المجتمعي، وبحوزة مشروعه إجابات لجميع اليمنيين في الفكر والتربية والسياسة ‏والاقتصاد، فضلا عن إدارة الدولة والعلاقات الخارجية والفن والحريات، وبإمكان أي باحث ‏منصف يتحرى الحقيقة أن يجد هذا الكلام مثبتا فلسفة وسلوكا في سيرة الحزب.‏

ولقائل أن يسال: كيف يعرّف الإصلاح وعمره 23 عاما؟ والرد أن هذا الكلام صحيح، ‏والجديد هو إصرار البعض على محاولات الانكار وتصوير الإصلاح كما لو كان ولد للحياة ‏السياسية للتو، وبالتالي فهويته غير واضحة وأهدافه هي الأخرى غريبة تحتاج جهابذة في ‏التفسير والتأويل.‏

صحيح أن هناك من لا يعرف برنامج الإصلاح لأنه لم يقرأه، وهناك من يختزل وظيفته في ‏تخريج حفاظ القران الكريم والدعاة، وبينهما صنف ثالث يعرف الإصلاح كاسمه لكنه يحاول ‏التغابي ويريد تصويره كفزاعة لأغراض في نفسه وخدمة لأجندته أو تحقيقا لرغبة الجهات ‏التي يمثل وكيلا لبضاعتها.‏

كان الأستاذ محمد اليدومي رئيس الهيئة العليا محقا في استغرابه وهو يتساءل عما إن كان ‏معقولا أن هناك من يجهل الإصلاح أو انه غير معروف بما فيه الكفاية رغم مرور عقدين ‏على إعلانه رسميا.‏

إلى ما قبل الثورة كان الإصلاح لا يواجه أي مشكلة، كما هو الحال بعدها حيث يتعرض ‏لحملات منظمة من جهات مختلفة تستهدف تشويه صورته والنيل من قياداته، وهذا الأمر ليس ‏له علاقة بحق النقد المكفول، إذ أن القائمين على هذه الحملات لم يكن لديهم مشكلة مع ‏الإصلاح، ولا اعتراض حتى على أدائه ومواقفه.‏

فما الذي تغير إذا؟ ببساطة وباعتراف الجميع نقول إن الثورة أظهرت الإصلاح بحجمه ‏الطبيعي كحزب ذات تنظيم قوي وقاعدة شعبية عريضة، وهو الوحيد الذي كان قادرا على ‏مواجهة النظام السابق.‏

هذا الحضور القوي في الثورة اثار حنق القريب واندهاش البعيد، الذين كانوا يعتقدون – ‏بعضهم عمدا والبعض الاخر جهلا – أن الإصلاح ليس بهذه القوة وبالتالي فإن مخاوفهم غير ‏المبرره من تأثيره في المستقبل بدأت تظهر على شكل صراخ تارة بسيطرته على الثورة بل ‏وسرقتها وتارة أخرى بأنه يمارس الاقصاء والتهميش وحاليا بدأنا نسمع عن استيراد النغمات ‏المتداولة في بعض دول الربيع العربي كمصطلح أخونة الدولة.‏

أنا هنا لا أقدم الإصلاح كحزب ملائكة ولا هو أيضا كما يقال عنه حزب شياطين، ولكن ‏أحاول أفند ما قيل ولا يزال عنه ونطرح ذلك على مائدة النقاش الموضوعي، بهدف الاستفادة ‏من الاخطاء إن وجدت وتعرية الأكاذيب الملفقة بحقه، وبيان كيف أنها عارية عن الصحة، ‏وهي أقرب للحقد المذموم والغيرة السياسية.‏

لمّا أشكك في اسمك، ثم أقول هذا كلام طبيعي وموضوعي، أليس هذا استفزازا هدفه تعمّد ‏التجهيل، لا الحصول على معلومات أكثر عن شخصك، ذلك أن هناك صيغة أخرى إن كنت ‏أريد ذلك فعلا.‏

هذا الأسلوب هو ما يطرحه البعض في سياق حديثه عن الإصلاح، وتتفاجأ حين يطالبه ‏بالتحول إلى حزب سياسي كما لو كان جمعية أو نادي رياضي، متجاوزا تاريخه الذي شارك ‏فيه في كل مراحل العمل السياسي وفي مقدمته العملية الديمقراطية، وأثبت الواقع انه صاحب ‏الفضل في تجذّير الديمقراطية والعمل السياسي ككل، وعامل توازن في مواجهة النظام السابق ‏انذاك، وبالتالي، فهل هذا الطرح في محله وهل هو نقد يستحق التعاطي معه أم جزء من ‏محاولات تخويف الناس منه حتى لا يكون له دور كبير في المرحلة الانتقالية وما بعدها.‏

ويمارس البعض ابتزازا غير لائق، إذ مع كل حديث عن الحريات مثلا من قبل أحد المنتمين ‏له أو المحسوبين على التيار الاسلامي، يكون مطالب بتوضيح موقفه من هذه القضية أو تلك، ‏وكأنه لم يجب على كل القضايا في برنامجه من اليوم الأول، ثم هل يحاسب الحزب على ‏مواقف مؤسساته صانعة القرار أو بالمواقف الفردية لأعضائه.‏

وإذا سلمنا جدلا بصواب من يطلبون منه توضيح موقفه، فهل من المنطقي ان يظل هذا ‏الحال مع كل شاردة أو واردة، أمّا إن كان ضروري من جهة أعضائه، فإن هذا جهل في العمل ‏السياسي، ناهيك عن أن الأحزاب الأخرى ستكون هي الأكثر عرضة لهذا الحرج كونها غير ‏قادرة على ضبط أعضائها تنظيميا ولا محاسبتهم على أقوالهم وأفعالهم ومخالفتهم لمواقف ‏أحزابهم.‏

بل إن هناك من ذهب أبعد من ذلك، وأصبح يتعامل مع الإصلاح مثل وكالة أنباء وظيفته ‏إصدار بيانات تارة تبين للناس اهتمامه بالفن ورعاية المبدعين لأن أحدهم زعم انه تعرض ‏لتشويه أو تكفير وتارة أخرى يطمئن بأن نظرته للمرأة متقدمه ولا يمكن أن يحجر عليها إن ‏صعد للسلطة لأن إحداهنّ اشتكت من مضايقتها أثناء مرورها بالشارع، أو لأنها منعت من ‏دخول الجامعة لأنها غير محجبة.‏

في الجنوب يراد حشر الإصلاح في زمرة المسئولين عن ظلمه والحاق الأذى بأبنائه، وكأنه ‏هو من حكم بعد حرب 94 ومارس الإقصاء والتهميش، وحتى قبل الوحدة هل كان مسئولا ‏عن المجازر التي وقعت في فترات مختلفة، وهل قام بتأميم الأراضي لصالح قياداته أو منحها ‏لأعضائه.‏

في هذا السياق، عندما يقال إن الإصلاح هو من قبل بالتسوية التي منحت صالح حصانه، ‏أليس الاصلاح واحد من إجمالي ستة أحزاب أخرى في المشترك وقعت على المبادرة ‏الخليجية، مع العلم أن الحصانة كانت خيار اضطراري لتجنيب البلاد كارثة الحرب ولم تكن ‏مكافأة لصالح على خروجه من السلطة.‏

أمّا الحديث عن سيطرته على الثورة، فهل يوجد مؤسسات انتجتها الثورة غير الرئاسة ‏والحكومة، والأولى يتولاها هادي وهو مؤتمري، والثانية نصيب الإصلاح منها أربعة وزراء ‏مثل الاشتراكي مع انه أكبر أحزاب المشترك ويفترض أن ينال أكبر، وهذا الأمر يسري على ‏بقية التعيينات في الجهاز الإداري للدولة التي يصدرها الرئيس بالتساوي بين المؤتمر ‏والمشترك وفي إطار المشترك نفسه يعطى كل حزب نصيبه من القرارات، وبالتالي فأين ‏زادت حصة الإصلاح حتى ندعي انه مسيطر على المواقع الحساسة في الدولة.‏

وحتى في تعز التي يروج أن الإصلاح يسعى لإحكام قبضته على إدارتها، ويتم تصوير نقد ‏الناس للمحافظ بصفته مسئولا وليس لأنه ينتمي لبيت هائل على انه صراع بينه وبين ‏الإصلاح وهو كلام مردود عليه.‏

وعلى سبيل المثال فمدير مكتب التربية المعين من قبل رئيس الوزراء أو وزير التربية ‏ينتمي للاشتراكي، كما أن مطلب تغيير المدير السابق مطلب نقابي قبل أن يكون سياسيا من ‏طرف المشترك.‏

وللعلم فقد التزم شوقي هائل عقب تعيينه خلال لقائه بعدد من الشخصيات الاجتماعية ‏والسياسية في 19 أبريل 2012، بقاعدة التغيير وليس التدوير في التعيينات بالمكاتب التنفيذية ‏وهو التزام منه أيضا بالقبول بالشراكة الذي جاء منها وتطبيق مقتضيات تقاسم المناصب وفقا ‏لآلية المبادرة الخليجية.‏

وإذا كان تنصل المحافظ عن وعوده وإصرار المشترك على تنفيذ اتفاق الشراكة يعتبر من ‏وجهة نظر البعض صراعا مع شوقي كونه من بيت هائل فهذا يجعلنا نتساءل هل هو مسئول ‏حكومي أم ممثل لأسرته بالمحافظة، وفوق هذا هل الإصلاح شركة تجارية حتى ينافس بيت ‏هائل وما مصلحة الإصلاح في عداء أسرة لها دور وطني مشهود في خدمة البلاد حتى لو كان ‏المقابل الظفر بمنصب المحافظ مع أن هذا ليس موجودا أصلا وإلا لمَا دعم الإصلاح شوقي ‏عند اختياره.‏

يبقى القول أن حق النقد مكفول لكل شخص والإصلاح يرحب بمن ينتقده ويتناول أدائه مبينا ‏اخطائه وناصحا بتقويم مسيرته، ولكن في نفس الوقت يطالب من الجميع تحري الانصاف ‏وغاية الحقيقة والتجرد إلا من التوجيه والتصويب حتى لا تعلّق كل الأخطاء فيه وهو لم يحكم ‏بعد.‏

ولو تأمل منصف لما يقال بحق الإصلاح لوجد أن صدره ديمقراطي واسع قياسا بالأحزاب ‏الأخرى التي يضيق صدرها من مقال لكاتب اصلاحي أو ناشط على مواقع التواصل ‏الاجتماعي، في حين يتعرض الإصلاح لهجوم مستمر من أطراف مختلفة في مناسبة وغير ‏مناسبة، وهذا قدره لأنه يحمل مشروع وطني بحجم البلاد يعلي فيه شأن المصلحة العليا على ‏مصالحة الخاصة ويؤثر الشراكة والتنازل لصالح خصومه(تنازله عن المركز الثاني بانتخابات ‏‏93 للاشتراكي الثالث)، عدا عن تحمله فاتورة ثمن التمسك بوحدة البلاد مع إنصاف ‏المظلومين بالجنوب، ورفضه مشاريع تمزيق النسيج الاجتماعي سواء كانت مذهبية أو قبلية.‏

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية