دفاعاً عن الحرية لا عن الإخوان

رفضت حركة تمرد وجبهة الإنقاذ ومجموعة 6 أبريل الإعلان الدستوري الذي أصدره الرئيس الانتقالي عدلي منصور أمس الأول. الإعلان صدر دون تشاور مع أي طرف باستثناء الجيش ورئيس المحكمة الدستورية. إذن فقد أضاع المصريون التوافق بعد ما أضاعوا الديمقراطية.

البرادعي غاب عن اجتماع جبهة الإنقاذ بعدما استخدمها كوبري للعبور إلى موقع نائب الرئيس وهو المرشح الذي لم يتمكن من الحصول على نسبة خمسة بالمئة في انتخابات الرئاسة.

ليذهب الإخوان إلى الجحيم، ولكن البديل ينبغي أن يكون متوافقاً عليه وليس عودة الإجراءات الاستثنائية وتحول مؤسستي الجيش والقضاء إلى لاعب سياسي وحيد؛ الخصم والحكم في آن واحد. ما يحدث الآن هو تكميم للأفواه وإغلاق للقنوات وقتل للعشرات، وهذه كلها تؤشر إلى وجهة أخرى غير تلك التي أرادتها الجموع الشعبية الهائلة التي ضاقت بمرسي وجماعة الإخوان ومرت عليها السنة العجفاء كأنها عشر سنوات فخرجت بقضها وقضيضها لخلعه من الرئاسة.

في ضربة واحدة قتل أكثر من خمسين محتجاً أمام الحرس الجمهوري. الجريمة الأكبر هي الصمت والتواطؤ والتبرير لقتل المحتجين وإصدار الأحكام الجاهزة بينما لا زال الدم طرياً على الأسفلت. وبسرعة البرق اعتقل المئات كمتهمين بقتل زملائهم المحتجين، وصمتت وسائل الإعلام صمت القبور.

ليذهب الإخوان إلى الجحيم غير أن حرية التعبير ليست متعلقة بالإخوان فقط ولكنها للجميع ، ومن يقبل اليوم بقتل محتجي الإخوان وإغلاق قنواتهم واعتقال نشطائهم وتكميم الأفواه فهو يؤسس لمنهج سيطاله غداً أو بعد غد.

لن يكون بمقدور مرسي ولا الجماعة العودة إلى الرئاسة، غير أن المسار ليس مضموناً ان يتجه نحو تجربة ديمقراطية وانتخابات نزيهة فكل الاحتمالات واردة مع هيمنة الجيش باعتباره اللاعب السياسي الأول، وتحول القضاء إلى أداة من أدوات الممارسة السياسية.

في تعبير دقيق شاهدت رسماً تعبيرياً عصر أمس على القناة الألمانية يظهر فيها الجيش متوسطاً أطراف اللعبة السياسية في جميع مراحلها. في الأولى 2011 تحالف الجيش مع الثوار والإخوان لإسقاط مبارك وكان ذلك بالطبع استجابة للإرادة الشعبية. في الثانية تحالف الجيش مع الإخوان للهيمنة على المرحلة الانتقالية 2012 ، وكان ذلك ضداً على الإرادة الشعبية والتفافاً عليها. في الثالثة 2013 تحالف الجيش مع المكونات الثورية «تمرد» وجبهة الإنقاذ ضد الإخوان، وكان ذلك استجابة للإرادة الشعبية في نصفه الأول عزل مرسي، واستجابة لرغبات الهيمنة على الحياة السياسية من اليوم التالي لعزل مرسي.في كل هذه المراحل الثلاث كان الثابت الوحيد هو الجيش أي أنه غدا اللاعب السياسي رقم واحد.

في كل هذه التحولات لم تتهدد الحريات المكتسبة من ثورتي يناير ويوليو مثلما هو حادث الآن. حق تشكيل الأحزاب والجمعيات والمنظمات كان في دستور مرسي والإخوان مكفولاً ويكفي إخطار الجهة المعنية، أما في الإعلان الدستوري فعادت حليمة لعادتها القديمة “بموجب القانون !!”.

إعلان الطوارئ ايضاً عاد لعرجونه القديم بحسب فورمة مبارك والعادلي. والأهم من ذلك كله هذا الاستهتار بكل المكونات التي همشت كأنها لا وجود لها. لا أتحدث هنا عن الإخوان الفائزين بالرئاسة وأغلبيتي النواب والشورى بل عن المكونات السياسية المشاركة في عزل مرسي.

الجماعة في أزمة نعم، لكن الذهاب إلى إعادة إنتاج القمع وتكميم الأفواه واستخدام القضاء للتنكيل بالمعارضين ليس برنامج قوى المستقبل.
أزمة الجماعة كانت واضحة في العزلة التي ضربتها حول نفسها في أول سنة رئاسة، وكانت واضحة في مشهد التهليل والتكبير في رابعة العدوية حيث أعطي الصراع السياسي طابعاً دينياً وبدت الجماعة وكأنها تخوض صراعاً جذرياً وجودياً مع أعداء الدين وليس صراعاً سياسياً لإعادة الرئيس المنتخب المستمد شرعيته من الاختيار الشعبي الحر.

في كل الأحوال يبدو أن القرار الذي أسست له الاحتجاجات الشعبية ونفذه الجيش ليس فقط عزل مرسي بل عزل الجماعة عن الحياة السياسية، أو على الأقل منعها من الوصول للرئاسة أو الاستحواذ على الأغلبيات النيابية والشوروية.

منع بالقسر والتعسف وليس بالديمقراطية. صحيح أن المخاوف متعاظمة وكبيرة من سيطرة جماعة دينية على سلطة الدولة غير أن المنع والإقصاء لايؤديان إلا إلى تقويض البلد ككل وليس إلى الاستقرار والدولة المدنية.

والأخطر من ذلك أن الهيمنة التي بدأت تطل بقرونها ستمنع كل المكونات من الوصول للرئاسة إذا لم تقاوم من الآن وتجبر على الاعتراف بالقواعد الديمقراطية للعبة السياسية.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية