مسلسل (همي همك).. بين سياسة المنتِج وإمكانيات الفنان

جاء الجزء الخامس من مسلسل (همي همك) مختلف هذا العام، حيث اختار لنفسه بيئة ‏رمزية مختلفة عن البيئة اليمنية، وحتى يعزّز البعد الرمزي قام بإبراز تنبيه في بداية كل حلقة ‏ينص على أن الأسماء في المسلسل لا تعني أحداً وإنما هي من مخيِّلة المؤلف، وهو تنبيه يوجِّه ‏المشاهد إلى عكس مضمونه؛ أي احتمالية الرمز وأن شخصيات المسلسل قد تجسِّد شخصيات ‏موجودة في الواقع؛ وما التنبيه إلا حيلة فنية لتجنب الملاحقة. ‏

إن اختيار البيئة وتوجيه نظر المشاهد والإيحاء بالرمزية حيل مشروعة في الفن، فالهدف ‏في النهاية تقديم عمل فني وليس فلما توثيقياً. ولذلك نجد في المسلسل تداخل اللهجات سواء على ‏مستوى المفردات أو طريقة النطق، وذلك الإجراء جائز فنياً ما دمنا أمام عمل فني يقدِّم مجتمعاً ‏افتراضياً لا مجتمعاً واقعياً، لكنه غير جائز عملياً وواقعياً مادام موجَّهاً لجمهور محدد هو الجمهور ‏اليمني الذي وجد في الحُلَّة الجديدة للمسلسل خروجاً عن مضمون الاسم الذي يحمله (همي همك) ‏فقد أصبحت همومه أخرى وبيئته أخرى ولغته أخرى أي (غريب الوجه واليد واللسان) على حد ‏قول المتنبي. فإن قيل بأن المسلسل يستهدف جمهوراً أوسع وهو الجمهور الخليجي مثلاً فتلك ‏مغالطة تكشفها سياسة القناة المنتِجَة والتي تظهر جلية في إعلانات الزبادي والزيت والسمن ‏والصابون والبسكويت وهي منتجات تُصَنَّع وتستهلك في اليمن، فجمهور القناة هو نفسه مستهلك ‏تلك السلع، وهم اليمنيون دون غيرهم. ‏

لقد قرّر المسلسل أن يغيِّر المجال كاملاً (الزمان والمكان) فاختار بيئة بدوية وهو اختيار ‏يشكِّل تحدياً للمخرج، فعليه أن يتغلب على عامل الملل والرتابة والتكرار الذي يسببه المسرح ‏الواحد، فأمام المخرج مفردات بسيطة هي الخيمة والممثلون والخيول والأغنام والجمال، وعليه أن ‏يقدِّم من خلال هذه المفردات المحدودة مشاهد ممتعة فنياً، وليس لديه إلا الكاميرا، فهي سيِّدة ‏الموقف وبإمكانها أن تصنع الكثير إن كان وراءها فنان متمكن من أدواته الفنية. ولعل المخرج ‏‏(نجدت إسماعيل أنزور) قد قدَّم نماذج رائعة لتوظيف الكاميرا في نفس الظروف، فكنتَ، مثلاً، ‏تشاهد، مسلسل (الجوارح) وكأنك تتابع فلماً سينمائياً، إنك تشعر بمدى التعب الذي يبذله المخرج ‏من أجل أن يقدِّم لك مشهداً مدهشاً. وهذا ما لم يحدث في مسلسل(همي همك 5)، حسب ‏الحلقات التي رأيناها منه حتى الآن. فالتصوير هنا لا يختلف عن تصوير الأحداث داخل الشقق ‏والمكاتب، إذ يتم الاعتماد على اللقطات التقليدية نتيجة الاستعجال في إنجاز العمل، ويهمل ‏الجانب النوعي والإبداعي رغم أن الحلقات تنجز خلال عام كامل. ‏

هناك فقر فني واضح وبؤس في الأدوات التعبيرية على مستوى التصوير، فلم نشاهد إلا ‏لقطات محدودة استخدمت فيها لقطات غير تقليدية مثل مشاهد الاحتفال بعرس (الشيخ ضاري) ‏حيث غادرت الكاميرا الحامل الثلاثي وتحرّكت باتجاه داخل الخيمة، وماعدا استثناءات قليلة فقد ‏كانت معظم اللقطات تقليدية (اللقطة البعيدة أو الطويلة، اللقطة المتوسطة، اللقطة المكبَّرة، اللقطة ‏الاستعراضية الأفقية‎ ‎إلى اليمين أو اليسار، اللقطة الرأسية إلى أعلى أو أسفل، لقطة الاقتراب ‏والابتعاد ‏zoom، لقطة المتابعة). ‏

إن كاميرا (همي همك) كامرا كسولة لا تغادر حاملها الثلاثي، وهذا يجعل العمل باهتاً ‏فنياً، فالصورة بطريقة التقاطها وحركتها والزاوية التي تؤخذ منها كل ذلك يستطيع أن يقول أكثر ما ‏تقول الشخصيات في الحوار، فالإخراج لغة أخرى تضاف إلى النص، وليس مجرد تصوير ‏أحداث وحوارات. لقد قيَّد هذا المسلسل حركة الكاميرا، أفقدها رشاقتها وحيويتها وإبداعيتها وحوَّلها ‏إلى مجرد آلة محايدة لا تتدخل في صنع المعنى ولا تجتهد في إبهار المتلقي أو تفتنه بجماليات ‏التصوير التي تغني العمل وتُمتع المتلقي. ‏
‏ ‏
إن السياسة التي تقف خلف الكاميرا هي التي تصنع العمل الفني وتوجِّهه بذلك الشكل، ‏وقد بدا واضحا أن تلك السياسة تراهن على جهل المشاهد وبساطته، ولهذا فهي تهمل كل القيم ‏الفنية وتصر على المضمون التداولي (الاستهلاكي و الإشهاري) السطحي والساذج، وهذا ‏استخفاف بالمستهلك، وهو عندهم نفس مستهلك الزبادي والسمن والحليب المعلَّب، ولهذا ظلَّت ‏القناة المنتِجَة تكرِّر شخصيات مُقزِّزة في المسلسل بأجزائه المتعاقبة، لا لشيء إلا لأنها لاقت ‏قبولاً عند تلك الفئة المستهلكة، وما خرجت تلك الشخصيات من المسلسل إلا لتعود في الإعلانات ‏بشكل مقزِّز أيضاً، حتى بدا أحد الإعلانات (الزبادي) وكأنه صادر من جهة معادية أو منافسة ‏لذلك المُنْتَج الذي تعلن عنه، إنها طريقة في استثمار القُبْح مادام يضحك البسطاء ويشد انتباههم. ‏

عمِل مسلسل (همي همك) على إنتاج صور كاريكاتيرية مثيرة للانتباه على حساب القيمة ‏الفنية، مادام القصد هو الإضحاك فقط، وعملية الإضحاك ليست أمراً سهلاً كما تعتقد القناة، ‏فليس بمجرد أن (يتبهذل) الممثل أو يشوِّه شكله يصبح كوميدياً، إن الأمر يتطلب شروطاً كثيرة ‏منها شخصية الممثل الكوميدي القادر على فعل ذلك بدون تكلُّف. وتصبح مهمة الممثل صعبة ‏للغاية عندما يتم توجيهه بالطريقة التي يجب أن يضحك الناس بها، وهنا حتماً سيفشل مادام مَنْ ‏يقوم بالتوجيه ينطلق من تصور بدائي للكوميديا. لهذا السبب لم يستطع الفنان (خالد الجبري) وهو ‏الفنان المتمكِّن أن يؤدي شخصية (الأَحْوَل) ، فقد بالغ في (الحَوَلَة) إلى درجة خرجت من كونها ‏حَوَلَة حتى بدت وكأنها غباء شديد أو (تغابي)، وذلك هدف ليس مقصوداً كما يبدو من سياق ‏الحوارات. ما الذي يجعل فناناً مثل خالد الجبري غير قادر على تقديم تلك الشخصية؟ ربما يكون ‏قد تم توجيهه ليبدو على ذلك الشكل، حتى يعوِّض غياب الشخصيات المشوَّهة ومشاهد (البهذلة) ‏حفاظاً على تقاليد المسلسل ومراعاة لأفق توقعات المشاهد الذي هو، حسب القائمين على ‏المسلسل، لا تعجبه الكوميديا إلا إذا كانت كذلك. ‏

وفي هذا السياق تم إسناد دور (ضابط الاحتلال) لممثل لا يجيد إلا نمطاً معيناً من ‏الأدوار وهو دور(المهرِّج). إن المشاهد يمكن أن يتقبَّل ذلك الممثل/المهرّج وهو يقوم بدور طبيب ‏بيطري لكنه من الصعب أن يتقبّل نفس الممثل وهو يؤدي دور (ضابط احتلال) بنفس الطريقة ‏مع اختلاف بسيط هو ارتداء الزيّ العسكري واستبدال اللهجة المصرية بلغة عربية مُكَسَّرة. يجب ‏أن يكيِّف الممثل إمكانياته لأداء الدور لا أن يُكَيِّف الدور لإمكانياته. وهنا تم تكييف الدور ‏لشخصية الممثل وهو إجراء يسيء إلى الدور والمخرج والعمل برمَّته. ‏

ولعل أبرز محاسن (همي همك 5) تقديم الفنان (محمد قحطان) الذي زوَّد المسلسل ‏بلمسة فنية رائعة، ولعلَّ من المحاسن أيضاً أن يُتْرَك هذا الفنان يمثل بطريقته المفضلة والتي ‏يتقنها بشكل يثير الإعجاب، فهو يقدِّم شخصية تتحدث وحدها لهجة يمنية بين فريق يتحدثون ‏لهجة بدوية (مُقلَّدَة ومتكلّفة)، ما جعله يبدو (نشازاً) داخل العمل، لكن وجوده يتحوَّل من (نشاز) ‏إلى (تميُّز) يساعد المشاهد على الاستمرار في متابعة الحلقات. وربما كان القصد من وراء ذلك ‏مراعاة المشاهد اليمني البسيط الذي يشعر أن المسلسل قد تجاوزه بخروجه إلى بيئة بعيدة، أو ‏اعتقادهم (القائمين على المسلسل) أنه قد يعوّض عنصر(السُّخْف) الذي غاب هذا العام من ‏المسلسل. لكن هذا الفنان استطاع أن يوظِّف الإمكانيات الفنية البسيطة المختبئة في المفردة ‏البسيطة وفي طريقة أدائها ويصنع موقفاً كوميدياً، دون الحاجة إلى (تقنيات البهذلة) سواء في ‏الشكل أو الملابس أو المبالغة في الحركات. فسلاحُه تلقائيتُه، وتفوّقه يكمن في قدرته على ‏استثمار أدواته الفنية بشكل حاذق وحذر ومدهش، فهو يحصل على الموقف الكوميدي دون أن ‏يكون قد أساء إلى الجماعة التي يستعير منها تلك اللهجة، بل العكس هو الصحيح، أي ‏استحسانها لأدائه، وهو بذلك يكسب المشاهد العادي وغير العادي، ولا يخرج عن سياسة المسلسل ‏أو (القناة المنتجة) التي تستهدف العامة والبسطاء. والانحياز إلى البسطاء ليس عيباً في حد ذاته، ‏لكن العيب حين تُرْبَط البساطة بالغباء والتخلُّف، وحين يتم تكريس صورة نمطية غير منصفة لفئة ‏معيّنة من الناس، وهو ما حدث في الجزأين السابقين من نفس المسلسل. أما البساطة في حد ‏ذاتها فهي قيمة إيجابية، وهي مخزن الكوميديا ومنبعها، ولهذا جاءت أبرز الأعمال الكوميدية ‏العربية من شخصيات تجسِّد البسطاء. ‏

نتمنى أن يستفيد المسلسل من تجربته مع الفنان (محمد قحطان)، فالفنان يستطيع أن ‏يصل إلى إضحاك المتلقي دون الحاجة إلى أي نوع من أنواع التشوُّهات الجسدية والشكلية، وهو ‏ما كان يجب أن يدركه المسلسل منذ أعوام، فالناس لا يضحكون فقط من رؤية المشوّهين ‏والمبهذلين، والكوميديا يصنعها الموقف والجملة والحركة، والفنان المبدع هو الذي يعرف كيف ‏يفعل ذلك. إن صناعة الفن ليست سهلة وليست صعبة، إنها تحتاج فقط إلى مبدع يعرف كيف ‏يتعامل معها باعتبارها عملاً إبداعاً لا كوسيلة إشهارية نفعية. ‏
‏ ‏

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية