اقتصاد الدولة الحميرية

أفضى تحليل النقوش الأشورية إلى حقيقتين تتعلقان بالسياسة الخارجية لليمن القديم تحتكمان إلى أساس اقتصادي بالدرجة الأولى وأن اليمن تكاد أن تكون منكفئة عن العالم سياسياً ويتحكم العامل الاقتصادي بصورة مركزية في علاقتها بالخارج.

الحقيقة الأولى هي المحطات الأمنية لحماية القوافل التجارية الحميرية فكان يحدث تدخل عسكري في المناطق التي تتهدد الاضطرابات فيها أو أعمال السطو سلامة طرق القوافل التجارية، فتندرج هذه الحقيقة الموثقة عند الأشوريين في نفس تحليل اليونايين لعدم تحول اليمن إلى دولة غزو عسكري للخارج نظراً إلى أنها كانت مكتفية داخلياً من كل شيء .

والحقيقة الثانية الموثقة في النقوش الأشورية هي هدايا الذهب التي اشتهرت بها اليمن وكانت ترسلها إلى ملوك أشور فتقول خلفية هذه الهدايا السياسية أنها كانت متبعة عند الساسة الحميريين تجاه قادة البلدان التي تمر منها القوافل التجارية لدورهم في تأمين طرقها.

اقتصاد إنتاجي وقاعدة وطنية للتصدير
إن هاتين الحقيقتين تشيرا إلى أن واقع الاقتصاد الحميري المزدهر على أساس ناحتين هما الاقتصاد الإنتاجي الممتلك قاعدة وطنية للتصدير، ففي مفهوم الفكر الاقتصادي الحديث لأسس الاقتصاد المتطور تتم الإشارة عادة إلى الاقتصاد الإنتاجي وامتلاكه قاعدة وطنية للتصدير، وعند مقارنة واقع الاقتصاد الحميري القديم بواقع الاقتصادات الحديثة نجد تطابقاً في الأسس العلمية على خلفية الوعي الطبيعي بحكم أن العلم قديم وأننا إنما نعيد اكتشافه في كل مرحلة تاريخية بحيث إن التطور التاريخي للعلم في مراحله المعاصرة المنعكسة على الاقتصاد في شكل تطور وسائل الإنتاج هو فارق شكل التطور وواقعه الموضوعي، أما مضمونه فهو وعي كلي تاريخي متكشف مرحلياً فيكون فهم الأساس المادي المتطور للاقتصاد الحميري على نحو يطابق مفاهيم الواقع المعاصر هو جزء من تطور الفكر الاقتصادي من الناحية المعرفية وتوفيره منجزات اصطلاحية وتحليلية نفهم بها خلفيات الاقتصادات القديمة وفي مقدمتها الاقتصاد الحميري، وفي الحقيقة هي حالة تطور اللغة الاقتصادية تجعل فهماً ما هو مفهوم من الناحية الطبيعية يكون مفهوما أكثر بالأدوات.

الاصطلاحية والتحليلية مثل أن التصدير التجاري كان حقيقة رئيسية يشير إليها التاريخ الحميري وأن الذهب كان أهم أدوات الاقتصاد الحميري الصانعة للتحولات التاريخية في واقع المجتمع والدولة، كما كانت هناك كل أشكال الصناعة الاستخراجية التعدينية تلبي احتياجات الداخل ويتم تصدير كميات كبيرة منها إلى الخارج فكانت المناجم المنحوتة في قلب الصخر تشير إلى أساس معرفي لعملية الاكتشاف المنجمي وتحويل خام الذهب والفضة والنحاس والحديد إلى شكله المعدني النهائي وإلى شكله الاستخدامي كسلعة تجارية.

كذلك الأساس المعرفي للإنتاج الغذائي المتطور الجينات الزراعية ودخول الغذاء السوق التجاري المنافس بحكم تطوره الجيني وخاصة القمح والبن والزبيب والبهارات كمواد قابلة للتصدير للخارج بشروط تطور حفظ المادة الغذائية المنقولة والمعروضة تجارياً عندما كان يصعب حفظ العنب فكان يتم تصديره في شكل الزبيب وهو بشكله المجفف يشبه القمح والبن والبهارات في قابليتها لعدم التلف مثل صادرات الفواكه، ويتضح كذلك دخول الجلود وصناعاتها، من أحذية وشنط وأحزمة سوق، التصدير التجاري إلى الخارج.

اكتفاء ذاتي
إن القول بأن حمير كانت مكتفية ذاتياً كأساس لعدم تحولها إلى دولة غازية ومحتلة لغيرها خاصة والحميريين كانوا بالملايين فتصفهم المصادر التاريخية اليونانية بأنهم قوم كثير العدد، هذا الاكتفاء الذاتي لابد أن ينسحب على الطاقة وقياس مستوى تعاملهم معها بمستوى صناعتهم التعدينية وتطور الجينات الزراعية، وفي الحقيقة الواقع الحميري تراكمي غني بالمعرفة الطبيعية المتراكمة لآلاف السنين من الأجداد المعينين وبعدهم السبئيين إلى الأبناء الحميريين خاصة والمجتمع الحميري امتداد لمعين وسبأ كأجيال مستقرة في وطنها واستطاعت الحفاظ على امتدادها التراكمي وتحويله بحكم الاستقرار والتواصل بين الأجيال من كم إلى نوع داخل عملية التطور التاريخي للمجتمع، فنلاحظ بأن شروط استمرار الحياة الإنسانية للمجتمع تحكمت في شكل التطور الوطني في جانبه المادي عبر نظام البدائل غير الطبيعية مقابل ظروف نقص أو عدم توفر الموارد الطبيعية الثابتة وفي مقدمتها المياه نظراً لعدم نهرية اليمن واعتماده على مياه الأمطار وأيضاً مساحة الرقعة الزراعية في بلد جبلي أمام تزايد عدد السكان، فكانت شبكة السدود التي تغطي مساحة البلد وأيضاً المدرجات الزراعية أساس الفكر الاقتصادي المتطور نحو شروط تضغط عليها نزعة البقاء في أرض الوطن وعدم الهجرة هي دافع التوسع في الأنشطة الإنتاجية وبروز حمير كدولة تجارية.