الديمقراطية العلمانية

مسار طويل متدفق للبشرية تمضي بها نحو التقدم والازدهار على هذه المعمورة في ربوعه واحضانه .لقد تمكنت شعوب عديدة من احراز القدر الكبير المرضي لطموحاتها من الكرامة والحرية والشرف والعيش الكريم والسيادة على ارضها ،ناضلت وكافحت وقدمت التضحيات حتى تمكنت من حكم نفسها وادارة ثرواتها بصورة عادلة و راشدة توفر لها حاضر طيب وتضمن لها ولأجيالها القادمة المزيد من التحكم والتقدم .

إنّ الديمقراطية العلمانية هي الطريقة العادلة في الحكم التي تضمن للشعب التحكم في سلطته وثروته وادارتها بكفاءة ورشد بعيداً عن الإقصاء والتهميش والقمع لأفراده بسبب انتماءاتهم واختياراتهم الفكرية وبما يوفر الشروط الاساسية للاستفادة المجتمعية من قدراتهم وممكناتهم في عملية التنمية والتقدم .

إنّ الديمقراطية تأتي في هذا السياق المتلازم بوصفها أفضل ما توصل اليه الفكر البشري من طرق شغل السلطة وتنظيم تداولها عبر الارادة الشعبية الحرة وبما يقي المجتمع من فساد السلطة ويحمي اطيافه الفكرية السياسية والدينية من القمع والتصفية . وتأتي العلمانية في هذا السياق كذلك باعتبارها آ لية فعالة في الحكم تمنع من استخدام المقدس الفكري في التغول على المجتمع عبر الارهاب الفكري وإباحة التعرض لأفراد المجتمع بالأذاء والتضييق والإبعاد ومصادرة حقوقهم وممتلكاتهم ،فلا يوصم افراده بالكفر أو الزندقة أو الظلامية أو الرجعية ونحوها من الاحكام الجاهزة والتي تهدر حق الاخر في الاختيار الفكري. تأتي العلمانية في هذا السياق آلية تمنع من اطلاق الاحكام الموغلة في تقديس الذات ونسف الآخر بما يؤدي إلى غمطه والتجاهل العملي له ومنعه من المشاركة في بناء وطنه وخدمة مجتمعه بالطريقة الأكفاء والأجدر والأجدى وتحول بينه وبين حريته وحقه في التعبير عن آرائه ومواقفه وحشد التأييد لها ومؤازرتها واعتناقها بالطريقة التي يسمح بها القانون العادل الذي يستند على حق الجميع في المساواة في الواجبات والحقوق بما في ذلك حق التعبير والحرية التي لا تمنع الطرف الاخر من حقه في حريته واعمالاً لقاعدة المنع من الاضرار باي طرف وباي حجة .

ان العلمانية في هذا السياق مهمة لتوطين الديمقراطية و آلية لقمع نزعات التوحش والارهاب عند الانسان باسم المقدس وبواسطته .ان العلمانية في واقع الامر وفي سيرورتها التاريخية لم تكن ،ولن تكون،ضد الاديان ولكنها ضد التغول باسم الاديان وباسم الفكر البشري المقدس عند اصحابه .انها في الوقت التي تمنع فيه التغول الا انها تتيح حرية التدين .انها تمنع تشويه المقدس ومحاولة النيل منه ولو في صورته كفكر بشري مستند اليه ،وهي تتركه للتجربة لتثبت مدى صلاحية ذلك الفكر ووجاهته وقدرته على تمكين الشعوب من التطور والترقي السياسي والاقتصادي والتنموي .

ان الديمقراطية العلمانية هي المخرج المتكامل للمجتمعات من عناء التسلط الفاسد ومن شقاء (المقدس)المصطبغ بنزعة الانسان التسلطية الفاسدة،ولتتمكن المجتمعات من شق طريقها بنفسها ودون وصاية نحو التقدم وتعزيزه والازدهار وترسيخه وكل ما تحلم به وتنشده في حاضرها ومستقبلها من منجزات مادية ومكتسبات حضارية عمارة للأرض وتلك غاية خلق الله الانسان وهيأ له هذه الارض للقيام بها على اتم وجه.وهي في المقابل ترك المجال واسع ل (المقدس)ان يثبت نفسه على مستوى العلم والاقتصاد والاخلاق والآداب والفن،دعه يعمل واترك لخليفة الله في ارضه يحكم عليه. و لتكن العلمانية حتى لا يتم تسخير السلطة السياسية وبصورة مباشرة لصالح أي فكر نؤيده كنا أو نعارضه أو نترقبه يبزغ أو ينطفئ،دع الدين يعمل في الواقع وسط الشعب الذي يصنع السياسة والسلطة السياسية التي يبقى تأثيرها على فكرها مستحيل الامتناع .تختص السياسة بالدنيا كما يقتصر عليها دور السلطة السياسية وليدة الديمقراطية ،ويختص الدين بالتعبد الفردي للمقدس.

ان العلمانية في تاريخيتها وجذرها وسياقها العام جاءت وتأتي كحل لمشكلة ومنعاً لتغول المقدس على السلطة السياسية و النسيج الفكري الأيديولوجي ،وهي تبقى ضرورة كحل وكوقاية من الشر والدمار الذي قد تنطوي عليه فكرة الخلط بين السياسة والدين والعكس،وقاية حينما تتفتق بالدمار عقل المنهزم والضعيف غير المحتكم للديمقراطية الرافض لها عملياً لأنها لم تأت به إلى غايته الحقيقية المتمثلة في التسلط لا البحث عن مصلحة المجموع ودفع الضر عنهم جميعاً وفي آن واحد كما انها تحول بين ذلك وبين الرافض للمبدأ الديمقراطي فيبحث لرفضه عن مبرر من المقدس .ان العلمانية لا تمنع حق النقد والتوجيه ولكن تمنع الفرض والقسر فيما هو ايماني اختياري أو التعرض له باسم المقدس للسخرية والاحتقار.ان التلبس بالمشكلة وعيش حقيقتها وطبيعتها والاندماج التام في جوها هو انجح وانجع في الوصول إلى الحل من القراءة عن المشكلة أو التعرف من بعيد عليها .

إنّ العلمانية فكرة واحدة معلومة المضمون لا تقبل توسيع ولا اجتزاء ،انها تعني فصل الدين عن السياسة مع عدم التعرض للدين في حد ذاته كطريقة تختص بعبادة إله يختلف الناس في تحديده كل وفق ما لديه من تعاليم مقدسة ومعتقدات راسخة مسلم بها.

إنّ الدين يختص تحديداً بعلاقة الانسان مع معبوده ،والتكاليف الدينية فردية شخصية والمحاسبة في الآخرة كذلك ، و إنّ الأجدى للفرد وللمجتمع هو الحرص على التوازن العملي بين السعي لتحقيق التعبد الفردي المطلق لله وتحقيق الحياة الكريمة من ناحية،وبين الحرص على خدمة الشعب والأمة والعمل من اجل تقدمهما وسعادتهما ،وان لا يكون أياً من طرفي المعادلة على حساب الطرف الآخر. لا يكفي أنّ الطليعة تدفع ثمن التقدم والازدهار ،فلا بد للأمة والشعب من نصيب مهم من الثمن اللازم والكافي دفعه حتى تعلم وتوقن بقيمية المكسب النضالي والتقدم المؤدي اليه فتحرص عليه وعلى مزيده مع حفاظ تام عليه.

ولا تعني العلمانية لا من قريب ولا من بعيد منع التدين الفردي ولا مضايقته بما في ذلك رموزه كالحجاب والنقاب للمرأة المسلمة .ولا تعني العلمانية التوقف عن العمل في سبيل التمكين للدين في قلوب معتنقيه والتوسع العددي لمعتنقيه ،ولا تعني منع بناء دور العبادة ،ولا تعني العلمانية الغاء الجماعات الدينية ولا الإرغام على التنازل عن القناعات الدينية .ان العلمانية هي سياسية فحسب فلا علاقة لها بالدين لا دعماً ولا محاربة انما هي فقط منع رجال الدين والاحزاب أياً كان اختيارها الفكري،في السلطة أو خارجها ،من الحديث في السياسة البحتة من منطلق الدين ،لا منعهم من الحديث في القيم الاخلاقية والدينية المحضة،او اصدار الاحكام بحق الاشخاص أو الجماعات الدينية والفكرية الاخرى .ان كل ما هو ديني لا يتدخل في كل ما هو سياسي، وكل ما هو سياسي لا يتدخل في كل ما هو ديني ،او بمعنى آخر لا دين يتدخل في السياسة ولا سياسة تتدخل في الدين،الحرية والديمقراطية والحزبية تلك هي محاور العلمانية السياسية،حتى لا يكون الضرر من الديني أو السياسي بالإنسان والوطن.

إنّ المهم لكل الناس ومن كل الاديان والتوجهات هو تحقيق العدل والأمن والتنمية وضمان حق الشعب في التحكم في ثروته وسلطته السياسية،وهذه هي مهمة السياسة بشكل مطلق ،وبالإمكان تأمين هذه الحاجات والضروريات من دون حكم ديني وهذا هو الحاصل في دول كبرى ومتقدمة مثل اليابان وكوريا الجنوبية والهند والمكسيك.

لقد نشأت الفكرة العلمانية والمذهب العلماني السياسي في اوروبا العصور الوسطى بسبب فساد جزء كبير مما اعتبر الانجيل الذي كان يطغى فيه التحريف بالإضافة إلى فساد رجال الدين .وفي عالمنا الاسلامي القرآن محفوظ بحفظ الله ،غير ان الفساد يكمن في طائفة غير قليلة من (رجال الدين) انفسهم (العلماء والفقهاء والدعاة الاسلاميين ) فنجد عالم وفقيه مثل الدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق الذي اجاز للعسكر قتل الاخوان المسلمين ومن قبله الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي الذي أجاز لرئيس سوريا قتل الثوار ضد فساد حكمه ،ويعود سبب فساد (رجال الدين الاسلامي) والفساد الذي يبدر منهم إلى اتباعهم للهوى ويجعلون الاسلام بنصوصه تابع لاهوائهم،كما يعود إلى طلبهم السلامة ورغد العيش والحظوة مقابل تفسيرهم للنصوص ولي اعناقها من اجل من يدفع بهم ويحتفي بهم .وحدث عن هذا في المملكة العربية السعودية وجمهورية إيران الاسلامية وغيرها من الدول العربية والاسلامية،ويتعدى الامر استخدام السلطة السياسية إلى استخدام الجماعات الاسلامية ،إن الامر هو ظاهرة مكتملة الاركان موغلة في الزمان .

نوعان من القيم يحتويها الإسلام العظيم :قيم عقائدية ايمانية تعبدية لله تعالى،وقيم اخلاقية ،والقيم الاولى هي القيم الدينية العليا وتختص بالفرد مع خالقه من حيث الايمان والطاعة والمعرفة وسلوك إلى الله،والنوع الثاني قيم يتعارف عليها كل الناس ويرغبونها لأنفسهم كالعدل والصدق والامانة والعفة ..وهذا النوع هو أكثر ما تذهب له العقول حين نقول حكم إسلامي،وبوسع الحاكم أو السلطة الحاكمة ان تكون كذلك بدون الحديث عن الاسلامي الذي في جزء منه كبير هو شعارات جوفاء نتبين هذا من موقف السلطة السعودية المؤيد للانقلاب الدموي في مصر وهي التي تزعم انها الناطق الرسمي باسم الاسلام .

يبقى النموذج الابرز للإسلامي الذي يحكم بالعلمانية السياسية رجب طيب اردوغان رئيس الوزراء التركي وحزبه حزب العدالة والتنمية،ومع ان الجميع داخل تركيا وخارجها يجمعون على اسلاميته الا ان مفردة الاسلام تخلوا منها جميع أدبياته .وهو يحقق شعبية متصاعدة في تركيا العلمانية. يعلن (عبد الله غول): “نحن لسنا حزبا دينيا، نريد أن نثبت أن المجتمع المسلم يمكن أن يكون شفّافا وديمقراطيا ومتوافقا مع العالم الحديث” . بل يصرّح غول نفسه: “نحن حزب أوروبي محافظ” . و يؤكّد البرنامج الانتخابي للحزب في هذا السياق على الاعتراف بالعلمانية، واعتبارها متطلباً أساسياً للعملية الديمقراطية .والعلمانية كما يعرّفها البرنامج الانتخابي للحزب- تعني: “السماح للناس من كل الأديان والاعتقادات في الممارسة المريحة للأديان، والقدرة على التعبير عن قناعتهم الدينية والعيش وفقها، وفي الوقت نفسه السماح للناس بلا اعتقادات؛ لينظموا حياتهم وفق هذه الرؤية. انطلاقا من ذلك فالعلمانية مبدأ للحرية والسلام الاجتماعي”. أما الدين فهو البعد الروحي والأخلاقي للناس، والذي يشكل الموروث الثقافي الذي يميّز الشعب التركي))ومع هذا يكشف غول عن فكره الاسلامي وبطريقة مفيدة : ((نريد أن نثبت ونبرهن أنّ الديمقراطية والإسلام لا يتناقضان ولا يتعارضان مع بعضهما البعض، وكل منهما يكمل الآخر”.

معظم الاحزاب التي تتحدث عن علمانيتها،في مصر خصوصاً اثبتت احدث ومجريات الانقلاب العسكري الدموي انهم مجرد ادعياء على العلمانية فقد ايدوا العسكر وكانوا يزعمون ان دعوتهم مدنية وهي النقيض الحقيقي للحكم العسكري وليس الدين كما يرددون ،كما انهم باركوا وطالبوا بالقضاء على القوة السياسية ذات التوجه الاسلامي الحركي ،بل كان حزب النور المحسوب على الاسلاميين ايد الانقلاب وسكت عن جرائم العسكر وبقي في صفهم وهم دليل اضافي على فساد قطاع عريض من رجال الدين .

الاسلام هو دين جميع المسلمين،والله سبحانه وتع إلى هو الذي يحاسبهم على التزامهم به أو انحرافهم عنه،وكل مسلم من أي توجه فكري أو مصلحي نفعي مطلق كان هم جميعاً دينهم الاسلام وواجبهم العمل به ،ولكن لا دخل لنا كأشخاص في ان نعاقبهم نحن أو نصدر عليهم الاحكام .

العلمانية آلية لا فكراً ،فالفكر له مكوناته واصوله الخاصة به وانما ينسب الشخص إلى الفكر الذي يعتنقه،وهو غالباً،اما ليبرالي يؤمن بحريته وحرية غيره العقائدية والاقتصادية لمراكمة ثرواته والتمتع بمتاحاته وممارسة طقوسه الدينية مع الاحتكام إلى الديمقراطية،واما اشتراكي يؤمن بالنظرية المادية والملكية العامة وحكم طبقة واحة التي تتجسد في الحزب الواحد،واما اسلامي يؤمن بالغيب ويباشر الاقتصاد والشورى السياسية بعدل ومن غير ضرر ولا ضرار. وتبقى الراسمالية فكر اقتصادي لا نظرية شاملة .

الجناية على العلمانية :
لقد وقعت الفكرة العلمانية بين شقي رحى،بين المغالين فيها وبين الرافضين لها،ونادراً ما تجد المنصفين المجردين من الأهواء مع الدين والتدين أو ضدهما ،إنّ الفريقين الأولين إما انهم لم يعرفوا حقيقة فكرة العلمانية أو اعتبروها وسيلة لتمرير وترسيخ توجهاتهم الفكرية ونزعتهم لمحاربة الآخر واشباع شهواتهم عبر نشر اسس الفساد الاخلاقي في المجتمع عبر رفض الدين بالمطلق،وآخرين رفضوها لرفضهم ومعارضتهم لافكار اخرى تتعارض مع افكارهم وحسبت على العلمانية وتم ربطها بها ،انهم يعتقدون ان رفضهم لذاك الفكر لا يستقيم الا برفضهم للعلمانية،على الرغم ان العلمانية اشبه بالديمقراطية فليست مذهب فكري محدد ولكن طريقة في الحكم السياسي.انه لا وجود لعلمانية ملحدة ولا لعلمانية ليبرالية تماماً كما انه لا يوجد الحاد علماني ولا ليبرالية علمانية ،تماماً كما انه لا يوجد الحاد ديمقراطي ولا ديمقراطية الحادية ،وانما النسبة تصح باعتبارها اقتناع بالعلمانية كآلية مهمة جنباً إلى جنب الديمقراطية .

يعرف العلمانية جون هوليوك في النصف الثاني من القرن التاسع عشر على انها ((الايمان بإمكانية إصلاح حال الانسان من خلال الطرق المادية دون التصدي للإيمان ،سواء بالقبول أو الرفض))وهذا اقرب تعريف لحقيقة العلمانية اطلعت عليه،فالعلمانية تتجاوز الايمان المجرد إلى العمل والفعل ،وهو تعريف لم يفصح عن الحياد المطلوب من المقدس جهة الحكم .وينتقد الدكتور عبدالوهاب المسيري في (موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية) هذا التعريف فيقول : ((والحديث عن “إصلاح حال الإنسان” يفترض وجود نموذج متكامل ورؤية شاملة ومنظومة معرفية قيمية. فهل العلمانية إذن هي هذه الرؤية الشاملة؟ إن كان الأمر كذلك، فإن هوليوك لم يعطنا ملامح هذا النموذج وهذه المنظومة)) غير ان هذا النقد مردود،فالعلمانية آلية وليست منظومة فكرية،وما يحدد (ملامح النموذج المتكامل والرؤية الشاملة والمنظومة المعرفية القيمية )هو الفكر الذي يعتنقه رجل السياسة ولكن هذا يتضح من ممارسته للسياسة كما يتضح لدى رجل السلطة التشريعية في ما يؤيد ويعارض ويضع ويقر من تشريعات وقوانين .

الموسوعة الميسرة في الاديان والمذاهب المعاصرة تقول : ((العلمانية SECULArISM وترجمتها الصحيحة: اللادينية أو الدنيوية)) وهذا صحيح مع العلم ان اللادينية لا تعني رفض الدين وانما رفض تدخله في السياسة ،كما يفهم من (اللادينية) رفض تعرض السياسي للمقدس ،وتمضي الموسوعة فتقول ((وهي دعوة إلى إقامة الحياة على العلم الوضعي والعقل)) وهذا غير صحيح ففيه توسيع مخل بحقيقة العلمانية التي هي تختص بالسياسة فقط دون الاعتقاد والاقتصاد وغيرها من مجالات الحياة ،وتضيف انها تعني كذلك اقامة الحياة على ((مراعاة المصلحة بعيداً عن الدين)) وانما استناداً إلى ((العلم الوضعي والعقل)) وهذا صحيح . وتضيف الموسوعة في توافق مع معنى العلمانية ((وتعني في جانبها السياسي بالذات اللادينية في الحكم)) ،والعلمانية جانبها سياسي محض وليس ((جانبها السياسي بالذات ))،ثم تضيف الموسوعة الميسرة ((ومدلول العلمانية المتفق عليه يعني عزل الدين عن الدولة وحياة المجتمع وإبقاءه حبيساً في ضمير الفرد لا يتجاوز العلاقة الخاصة بينه وبين ربه فإن سمح له بالتعبير عن نفسه ففي الشعائر التعبدية والمراسم المتعلقة بالزواج والوفاة ونحوهما.))وهذا الكلام غير صحيح وفيه التوسع وفيه الاخذ بالتعريفات الخاطئة للعلمانية ولو كان من مصادر غربية،فهناك من يدفع بالعلمانية بهذه الطريقة ليستخدمها في تدعيم فكره الليبرالي أو الاباحي أو الالحادي .

ويقول الدكتور سفر الحوالي العلمانية في كتابه (العلمانية نشأتها وتطورها) (( والترجمة الصحيحة للكلمة هي (اللادينية) أو (الدنيوية))) وهذا صحيح ، ويضيف الحوالي ((لا بمعنى ما يقابل الأخروية فحسب، بل بمعنى أخص هو ما لا صلة له بالدين، أو ما كانت علاقته بالدين علاقة تضاد.)) ان مسألة مضادة الدين هنا اقحمها اقحاماً على العلمانية المحايدة جهة الاديان والايدلوجيات . ثم يورد الحوالي تعريفات اختارها :

وتتضح الترجمة الصحيحة من التعريف الذي تورده المعاجم ودوائر المعارف الأجنبية للكلمة:
تقول دائرة المعارف البريطانية مادة (secularism): (هي حركة اجتماعية تهدف إلى صرف الناس وتوجيههم من الاهتمام بالآخرة إلى الاهتمام بهذه الدنيا وحدها). ودائرة المعارف البريطانية ترتكب خطاء وتدليس وتجريف لمفهوم العلمانية فليست هذه العلمانية مطلقاً ،انما هي (فكرة اجتماعية) والعلمانية فكرة سياسية ديمقراطية،اما اوردته دائرة المعارف هذه يطعن فيها ككل ،انها خيانة علمية هدفها تسخير العلمانية لخدمة الليبراليين الرافضين للدين . ومما يؤكد خيانتها العلمية انها جعلت منشأ العلمانية من المجتمع وبسبب حركته لا من السياسة وازمتها مع الدين المحرّف ،تضيف :((ذلك أنه كان لدى الناس في العصور الوسطى رغبة شديدة في العزوف عن الدنيا والتأمل في الله واليوم الآخر، وفي مقاومة هذه الرغبة طفقت ال(Secularism) تعرض نفسها من خلال تنمية النزعة الإنسانية، حيث بدأ الناس في عصر النهضة يظهرون تعلقهم الشديد بالإنجازات الثقافية والبشرية وبإمكانية تحقيق مطامحهم في هذه الدنيا القريبة.))

ويقول قاموس العالم الجديد لوبستر، شرحاً للمادة نفسها:
((1 الروح الدنيوية، أو الاتجاهات الدنيوية، ونحو ذلك، وعلى الخصوص: نظام من المبادئ والتطبيقات (Practices) يرفض أي شكل من أشكال الإيمان والعبادة)) وهذا غير صحيح فليست العلمانية وباي (شكل من الاشكال) رفض للإيمان والعبادة وانما رفض لتدخلهما في السياسة فحسب.
((2- الاعتقاد بأن الدين والشئون الكنسية لا دخل لها في شئون الدولة وخاصة التربية العامة.)) وتخصيص (التربية العامة) وحتى مجرد الاشارة لها غير صحيح البتة .
ويقول معجم أكسفورد شرحاً لكلمة (secular):
1- دنيوي، أو مادي، ليس دينيا ولا روحياً )) وهنا قدر من التظليل والايقاع في الوهم والاصل ان يتيح بعض التفصيل لمفهوم يستحقه كأن يقول ((حكم دنيوي) ((لا يستند إلى الدين)) اما ((لا روحياً)) فهو تجاوز فضيع ،ومما زاد الطين بلة ان معجم اكسفورد مضى في التجهيل وبصفاقة (( مثل التربية اللادينية، الفن أو الموسيقى اللادينية، السلطة اللادينية، الحكومة المناقضة للكنيسة.))فقد خلط ما هو علماني بما هو ليبرالي كاره لروح التدين ومظاهره … ثم يضيف المعجم ((
((2- الرأي الذي يقول: إنه لا ينبغي أن يكون الدين أساساً للأخلاق والتربية.)) وهذا غير صحيح ،فتعلق العلمانية بالسياسة فقط وهناك افكار بشرية ترفض الدين اساساً للأخلاق والتربية،فالدين هو جزء لا يتجزأ من المنظومة الاخلاقية،مع ان الاخلاق قيم بشرية قبل ان تكون دينية ،اننا حتى لو سلمنا ونحينا الدين عن الاخلاق والتربية فاننا سندعو إلى الصدق والامانة والعدل والرحمة والتعاون طالما نحن في نسق اخلاقي لا سياسي نفعي براجماتي …وما دمنا نتحدث في تلك القيم الاخلاقية فاننا نتفق مع الدين لا نعارضه ولا نرفضه في حقيقة الامر .

و كان التعريف الوحيد المطابق للعلمانية الذي اورده الدكتور الحوالي في بحثه هو تعريف ” المعجم الدولي الثالث الجديد” مادة: (Secularism).”اتجاه في الحياة أو في أي شأن خاص يقوم على مبدأ أن الدين أو الاعتبارات الدينية يجب ألاَّ تتدخل في الحكومة، أو استبعاد هذه الاعتبارات استبعاداً مقصوداً، فهي تعني مثلاً السياسة اللادينية البحتة في الحكومة.))و إلى هنا يصح التعريف بل ويكتمل،غير ان المعجم حينما يذهب يفصل يقع في الخطاء ((وهي نظام اجتماعي في الأخلاق مؤسس على فكرة وجوب قيام القيم السلوكية والخلقية على اعتبارات الحياة المعاصرة والتضامن الاجتماعي دون النظر إلى الدين”.)) ،ومرة اخرى ليست العلمانية نظام اجتماعي انما هي آلية سياسية .

ثم يبين الحوالي تعريفه وتصوره للعلمانية فيقول (( والتعبير الشائع في الكتب الإسلامية المعاصرة هو “فصل الدين عن الدولة” وهو في الحقيقة لا يعطي المدلول الكامل للعلمانية الذي ينطبق على الأفراد وعلى السلوك الذي قد لا يكون له صلة بالدولة، ولو قيل: إنها فصل الدين عن الحياة لكان أصوب)) بل لكان خطأ ، ثم يضيف ((ولذلك فإن المدلول الصحيح للعلمانية إقامة الحياة على غير الدين، سواء بالنسبة للأمة أو للفرد )) وهذا الخطأ بغيره،فقد يكون الدين حاضراً بقيمه العليا في السياسة،واطلاق الحياة لا يستقيم مع حقيقة المعنى وما صدقه وانما يصدق القول ((الحياة السياسة))او الحكم بمعنى آخر .ويضيف الحوالي ((ثم تختلف الدول أو الأفراد في موقفها من الدين بمفهومه الضيق المحدود، فبعضها تسمح به، كالمجتمعات الديمقراطية الليبرالية، وتسمي منهجها (العلمانية المعتدلة -Non Religious) أي: أنها مجتمعات لا دينية ولكنها غير معادية للدين وذلك مقابل ما يسمى (العلمانية المتطرفة-antireligious)، أي: المضادة للدين، ويعنون بها المجتمعات الشيوعية وما شاكلها.)) وقد وافق الحقيقة هنا الا في (الدين بمفهومه الضيق)فالدين مفهوم واحد ، ويقول :((وبديهي أنه بالنسبة للإسلام لا فرق بين المسميين، فكل ما ليس دينياً من المبادئ والتطبيقات فهو في حقيقته مضاد للدين )) وهذا غير صحيح بل في حقيقته قد يكون مطابقاً للدين ،والاخلاق التي جاء بها الاسلام كانت موجودة في الجاهلية مع تطبيقاتها وهي متوافقة مع الاسلام لذا قال الرسول محمد بن عبداللاه (صلى الله عليه وسلم) (( انما بعثت لاتمم مكارم الاخلاق)) ثم يلخص وجهة نظره (( فالإسلام واللادينية نقيضان لا يجتمعان ولا واسطة بينهما)) وهذا خطأ في الفهم والتطبيق ،فلا توجد في العلمانية (لا دينية) وانما منع رجال الدين من الحديث في السياسة ومنع رجال السياسة من الحديث في الدين.

الدكتور فؤاد زكريا له رأي مختلف خاصة لجهة الاشتقاق يقول في بحث قيم :((ولو شئنا الدقة الكاملة لقلنا إن الترجمة الصحيحة للكلمة هي ((الزمانية))،لأن اللفظ الذي يدل عليها في اللغات الأجنبية(أي secular)في الإنجليزية مثلاً)مشتق من كلمة لاتينية تعني ((القرن saeculum)).فالعلمانية إذن ترتبط،في اللغات الأجنبية،بالأمور الزمنية ،أي بما يحدث في هذا العالم وفي هذا الأرض،في مقابل الامور الروحانية التي تتعلق أساساً بالعالم الآخر))ثم يقول: ((كل ما ترمي اليه هو إبعاد الدين عن ميدان التنظيم السياسي للمجتمع،والإبقاء على هذا الميدان بشرياً بحتاً،تتصارع فيه مناهج البشر ومصالحهم الاجتماعية والاقتصادية ،دون أن يكون لفئة منهم الحق في الزعم بأنها تمثل((وجهة نظر السماء)) ويضيف ((رفض الدين فليس من صميم العلمانية في شيء ،…،الدين يظل محتفظاً بقداسته ولكنه ينزه عن التدخل في الممارسات السياسية المتقلبة،مع تنظيمه لجوانب هامة في حياة الانسان،كالجانب الروحي والاخلاقي)) وقد أصاب هذا المفكر العملاق كبد الحقيقة العلمانية.راجع سلسلة (قضايا فكرية) الكتاب الثامن أكتوبر1989[الاسلام السياسي] مقال للدكتور زكريا بعنوان(العلمانية ضرورة حضارية).وتجدر هنا الاشارة إلى ان السلطة السياسية في ادبياتها تنقسم إلى سلطة دينية وسلطة زمنية،فالقسم الثاني في تسميته هو صدى للعلمانية باعتبارها تعني الزمن .

يقول الدكتور عبدالوهاب المسيري في موسوعة (اليهود واليهودية والصهيونية) :((كلمة «علمانية» هي ترجمة لكلمة «سكيولاريزم secularism» الإنجليزية التي لها نظائرها في اللغات الأوربية. والكلمة مشتقة من الكلمة اللاتينية «سَيكولوم saeculum» وتعني «العصر» أو «الجيل» أو «القرن». أما في لاتينية العصور الوسطى (التي تهمنا في سياق هذا المدخل)، فإن الكلمة تعني «العالم» أو «الدنيا» (في مقابل الكنيسة). ويوجد لفظ لاتيني آخر للإشارة إلى العالم، وهو «موندوس mundus». ولفظة «سيكولوم» مرادفة للكلمة اليونانية «آيون aeon» والتي تعني «العصر»، أما «موندوس» فهي مرادفة للفظ اليوناني «كوزموس comos» والذي يعني «الكون» (في مقابل «كيوس chaos» بمعنى «فوضى»). ومن هنا، فإن كلمة «سَيكولوم» تؤكد البُعد الزماني أما «موندوس» فتؤكد البُعد المكاني.

وقد استُخدم المصطلح سكيولار secular»»، لأول مرة، مع نهاية حرب الثلاثين عاماً (عام 1648عند توقيع صلح وستفاليا وبداية ظهور الدولة القومية (أي الدولة العلمانية) الحديثة، وهو التاريخ الذي يعتمده كثير من المؤرخين بدايةً لمولد الظاهرة العلمانية في الغرب )) ويقول : ((أما في اللغة الفرنسية، فهناك كلمة «لاييك laique». وقد انتقلت الكلمة إلى الإنجليزية في كلمة «ليك laic» بمعنى «خاصة بجمهور المؤمنين» (تمييزاً لهم عن الكهنوت)، ومنها كلمة «لييتي laity» وهم الكافة (باستثناء رجال الدين)، وكلمة «لييسيزم laicism» بمعنى النظام العلماني، أي النظام السياسي المتميِّز بإقصاء النفوذ الكهنوتي عن الدولة )) وينقل المسيري عن (معجم علم الاجتماع المعاصر لمؤلفه توماس فورد هولت ) : ((أورد المعجم ما قاله ج. م. ينجر Yinger في الموضوع: “من الأكثر حكمة في تقديري أن نستخدم كلمة «علمانية» لنشير إلى الاعتقاد والممارسات التي لا علاقة لها بالجوانب غير النهائية (بالإنجليزية: نان ألتمييت non- ultimate) للحياة الإنسانية. ومن ثم فالعلمانية ليست معادية للدين، ولا هي بديل عن الدين، إنها هي مجرد قطاع واحد من قطاعات الحياة”. غير ان المسيري حاول بقصد حسن ادخال ما ليس من العلمانية إلى العلمانية بالرغم من انه نتاج عن الاهواء ومحاولة دمج الافكار والمذاهب الفكرية والغريزية إلى العلمانية باعتبارها ،عند الغرب،آلية لا تقبل الانتقاص فذلك البعض ان يضفي القداسة على توجهه ونزعاته ونزواته بايم العلمانية،انه لا توجد الا علمانية واحدة لا علمانيتين كما يرى وينظر الدكتور المسيري،ان العلمانية هي فقط ما يسميه بالعلمانية الجزئية اما العلمانية الشاملة فتلك العلمانية في صورتها المزيفة بعد اضافة الاهواء والنزعات والنزق الانساني اليها .

العقل والرشد:
لقد منح الخالق الجليل للإنسان العقل الذي يدله على الخير كما يدله على الشر،وفي الوقت ذاته يعلمه بخيرية الخير وشرور الشر،وهذه حجة الله تع إلى الكبرى على الإنسان،وهذا الاساس الابرز ليكون الخليفة الصالح في الارض فيعمرها،بل وجعل هذا مركوزاً في فطرته ((إنّا هدياناه السبيل)) أي سبيل الحق ونقيضه،فاما ان يتبع الحق فيكون الشاكر حقاً واما ان يجتنبه فيكون منكراً له وكأنه لم يعلمه وهو في الواقع عالم ومدرك له .قدر كبير جداً من معارف الانسان ومنجزاته العلمية حققها عبر اعمال عقله،وكل فكر هو نتاج اساسي للعقل،وقد يقتبس عقله من المقدس ويصبغه بوجهة نظره تجاه الحياة والاحياء .يأتي الانسان إلى هذه الدنيا على الفطرة ،ولديه حرية الإختيار كما أن لديه القدرة على التمييز بين ما ينفعه ويليق به في الدنيا والآخرة وما لا ينفعه ولا يليق به.وبالتالي فان قدرة الانسان على ادارة شئونه السياسية السلطوية ينبغي ان لا نستهين بها،مع ما تنطوي عليه من معتقدات دينية يتأثر بها سلوكه وسعيه وكسبه بصور ظاهرة أو مكنونة .

إنّ الحقيقة بمعناها العام بما في ذلك رحلة العقل إلى ضفاف الايمان والدين هي نتاج للعقل الذي وهبه اياه الخالق،كما أن الحقيقة العلمية أو العلم بمعنى آخر هو نتاج لإعمال العقل واستيعاب ما سبق لعقول الاخرين التوصل اليه،أي ان جديد العلم هو حصاد لتراكم المدركات العقلية .

الاسلام دين العقل :
إنّ من اعظم مقاصد الاسلام الحفاظ على الضَّروراتِ الخمسِ: الدِّينِ، والنَّفسِ، والمالِ، والعِرضِ، والعقلِ،واننا اذا تأملنا نتاج العقل البشري الذي قد يكون متأثراً بالأديان فانه اهتم بالحفاظ على هذه الكليات ولكنه لم يرغم احد وكل يتحمل جريرة نفسه،كما ان العلم الانساني جاء يحافظ على هذه الكليات بالمعلومات والمنجزات المهمة على صعيد هذه الكليات تحديداً،ان العلمانية في حد ذاتها آلية تحافظ على قدرة الانسان على التدين مع احترام الدين ومعالمه المادية ،و تجرم القوانين تعريض حياة الاخرين للخطر أو قتلهم وان كانوا ابناء أو بنات للشخص ذاته،وجاءت التشريعات لتمنع سرقة مال الاخرين بما في ذلك الملكية الفكرية كما تمنع اليوم غسيل الاموال أو تمنع دخول (الاموال القذرة) إلى عجلة الاقتصاد،وتجرم القوانين المساس بالأعراض بما في ذلك التحرش الجنسي وتضع له العقوبات التي يخشاها الكثيرين بما في ذلك كبار الساسة ولنتذكر فضيحة بيل كلنتون مع المتدربة مونيكا لوينسكي ،اما العقل فان الحضارة اليوم منحته المجال الواسع لينتج ويثمر ويتطبب وحاولت تقليص فرصة الانسان للإضرار بعقله عبر بعض التشريعات المنظمة لتعاطي الخمور،اما المخدرات فالحرب عليها لا تخفى،ويبقى النجاح فيها امر آخر لا علاقة له برغبة السلطة السياسية .

ان الاسلام عظيماً وهو يمنح لعقل الانسان الاحترام وهو يعمل لتطوير دنياه ودرء المخاطر عنها وادراك المصالح الدنيوية له ،وقد وردت نصوص مهمة في هذا السياق نختار اثنين منها :
– إذا كان شيء من أمر دنياكم فأنتم أعلم به و إذا كان شيء من أمر دينكم فإلي
( حم م ) عن أنس ( ه ) عن أنس وعائشة .
قال الشيخ الألباني : ( صحيح ) انظر حديث رقم : 767 في صحيح الجامع

لتفريق في الطاعة بين أمور الدين وأمور الدنيا المحضة
3977- (إذا كانَ شيءٌ من أمرِ دُنياكم؛ فأنتُم أعلمُ به، فإذا كانَ من أمر دينكم؛ فإليَّ).
أخرجه أحمد (3/152) من طريق حماد عن ثابت عن أنس قال:
سمع رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أصواتاً، فقال: “ما هذا؟ “، قالوا: يلقحون النخل، فقال: “لو تركوه فلم يلقحوه لصلح “، فتركوه فلم يلقحوه، فخرج شيصاً، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -:
“ما لكم؟ “، قالوا: تركوه لما قلت، فقال النبي- صلى الله عليه وسلم -:… فذكره.
وأخرجه مسلم (7/95)، وابن ماجه (2471)، وابن حبان (1/112/22) من طرق أخرى عن حماد بن سلمة قال: عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. وعن ثابت عن أنس به. ولفظ مسلم-
“أنتم أعلم بأمر دنياكم “.
وله شاهدان ؛ أحدهما: عن رافع بن خديج . أخرجه مسلم وابن حبان.
والأخر عن موسى بن طلحة عن أبيه. أخرجه مسلم، وابن ماجه (2470)، وأحمد (1/ 162).
(تنبيه): لقد فرق الحافظ السيوطي في “الزيادة على الجامع الصغير” بين رواية مسلم فجعلها عن أنس، وبين رواية ابن ماجه فجعلها عن أنس وعائشة!! وهذا تفريق لا وجه له كما ترى.*

وفي السلسلة الصحيحة :
2225 – ( صحيح )
[ ما تقولون ؟ إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإلي ] ( صحيح ) أخرجه الإمام أحمد عن ابي قتاده قال : كنا مع رسول الله صلى الله عليه و سلم في سفر فقال إنكم إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا وانطلق سرعان الناس يريدون الماء ولزمت رسول الله صلى الله عليه و سلم فمالت برسول الله صلى الله عليه و سلم راحلته فنعس رسول الله صلى الله عليه و سلم فدعمته فأدعم ثم مال فدعمته فأدعم ثم مال حتى كاد أن ينجفل عن راحلته فدعمته فانتبه فقال من الرجل قلت أبو قتادة قال مذ كم كان مسيرك قلت منذ الليلة قال حفظك الله كما حفظت رسوله ثم قال لو عرسنا فمال إلى شجرة فنزل فقال انظر هل ترى أحدا قلت هذا راكب هذان راكبان حتى بلغ سبعة فقال احفظوا علينا صلاتنا فنمنا فما أيقظنا إلا حر الشمس فانتبهنا فركب رسول الله صلى الله عليه و سلم فسار وسرنا هنيهة ثم نزل فقال أمعكم ماء قال قلت نعم معي ميضأة فيها شيء من ماء قال ائت بها فأتيته بها فقال مسوا منها مسوا منها فتوضأ القوم وبقيت جرعة فقال ازدهر بها يا أبا قتادة فإنه سيكون لها نبأ ثم أذن بلال وصلوا الركعتين قبل الفجر ثم صلوا الفجر ثم ركب وركبنا فقال بعضهم لبعض فرطنا في صلاتنا فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم ما تقولون إن كان أمر دنياكم فشأنكم وإن كان أمر دينكم فإلي قلنا يا رسول الله فرطنا في صلاتنا فقال لا تفريط في النوم إنما التفريط في اليقظة فإذا كان ذلك فصلوها ومن الغد وقتها ثم قال ظنوا بالقوم قالوا إنك قلت بالأمس إن لا تدركوا الماء غدا تعطشوا فالناس بالماء فقال أصبح الناس وقد فقدوا نبيهم فقال بعضهم لبعض إن رسول الله صلى الله عليه و سلم بالماء وفي القوم أبو بكر وعمر فقالا أيها الناس إن رسول الله صلى الله عليه و سلم لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويخلفكم وإن يطع الناس أبا بكر وعمر يرشدوا قالها ثلاثا فلما اشتدت الظهيرة رفع لهم رسول الله صلى الله عليه و سلم فقالوا يا رسول الله هلكنا عطشا تقطعت الأعناق فقال لا هلك عليكم ثم قال يا أبا قتادة ائت بالميضأة فأتيته بها فقال احلل لي غمري يعني قدحه فحللته فأتيته به فجعل يصب فيه ويسقي الناس فازدحم الناس عليه فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم يا أيها الناس أحسنوا الملأ فكلكم سيصدر عن ري فشرب القوم حتى لم يبق غيري وغير رسول الله صلى الله عليه و سلم فصب لي فقال اشرب يا أبا قتادة قال قلت اشرب أنت يا رسول الله قال إن ساقي القوم آخرهم فشربت وشرب بعدي وبقي في الميضأة نحو مما كان فيها وهم يومئذ ثلاث مائة قال عبد الله فسمعني عمران بن حصين وأنا أحدث هذا الحديث في المسجد الجامع فقال من الرجل قلت أنا عبد الله بن رباح الأنصاري قال القوم أعلم بحديثهم انظر كيف تحدث فإني أحد السبعة تلك الليلة فلما فرغت قال ما كنت أحسب أن أحدا يحفظ هذا الحديث غيري قال حماد وحدثنا حميد الطويل عن بكر بن عبد الله المزني عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم بمثله وزاد قال كان رسول الله صلى الله عليه و سلم إذا عرس وعليه ليل توسد يمينه وإذا عرس الصبح وضع رأسه على كفه اليمنى وأقام ساعده حدثنا عبد الله حدثنا إبراهيم بن الحجاج حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه حدثنا عبد الله حدثنا إبراهيم حدثنا حماد عن حميد عن بكر بن عبد الله عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه و سلم نحوه *
جاء في (مشكل الاثار) للطحاوي : وحدثنا إبراهيم بن أبي داود قال ثنا محمد بن كثير العبدي قال ثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس وهشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم مر على قوم في رءوس النخل فقال ما يصنع هؤلاء قالوا يؤبرون النخل قال لو تركوه لصلح فتركوه فشيص فقال ما كان من أمر دنياكم فأنتم أعلم بأمر دنياكم وما كان من أمر دينكم فإلي

يقول الدكتور حسن الترابي أن في الإسلام جوانب كثيرة علمانية، قال في جريدة الراية القطرية [19/10/1986]:
“إن للإسلام جوانب علمانية كثيرة.. وإن العلمانية لا دينية سياسية.. ليس لأنها ضد الدين، ولكنها ليست من الدين في شيء.. كما أنها لا تريد أن تلغي دور الدين أو تهمله في الحياة عامة.. فلا شأن لها بذلك.. ولكنها نظرية أو مذهب أو عقيدة سياسية يحسن أن نسميها اللادينية السياسية”.

*مفكر وباحث – اليمن