رعاة «نقل السلطة» وتحوّلات الدور الخارجي

العامل الخارجي الذي كان مُرحّباً به ومقبولاً في بداية الربيع العربي يختلف جذرياً في ‏طبيعته وأهدافه عن المسار الذي مضت فيه القوى الدولية المهيمنة والعائلات الملكية المتحالفة ‏معها في الإقليم. ‏

في بداية الثورات الشعبية في 2011 حدث تحوّل كبير بدخول الجماهير العريضة والمهمشة ‏والمقصية إلى الفعل السياسي وغدا حينها الفاعل الداخلي حاسماً مما أدى إلى استدعاء العامل ‏الخارجي كتابع للفعل الداخلي وبناءً على المسار الذي حددته «الثورة الشعبية» والمتمثل في ‏التغيير وطي صفحة الجمهوريات التوريثية تحديداً. ‏

غير أن تفكّك الاصطفاف الداخلي قبل إكمال التغيير وقبل تحقيق الهدف الجمعي الذي حدث ‏حوله الاصطفاف أدى إلى تحوّل جذري في طبيعة العامل الخارجي وتحوّله إلى عامل مهيمن ‏بشكل أكبر بكثير من الحال الذي كانت عليه العلاقة بين «المافيات» العائلية الحاكمة ‏والمصالح الدولية المتحالفة معها ضداً على المصلحة العامة لهذه الشعوب. ‏

يتميز المهيمن الأمريكي الأوروبي وأتباعه الإقليميون بقدرته على التأقلم المؤقت مع بوادر ‏التغيير.. لم يُغامر الأمريكيون والفرنسيون بالتمسّك ببيادقهم في القاهرة واليمن وطرابلس ‏وتونس وإنما وضعوا أنفسهم في اتجاه الموجة الثورية التي حدّدتها الظروف الموضوعية لهذه ‏البلدان من جهة ونظرية الفوضى من الجهة الأخرى.. نظرية الفوضى هنا لا تعني المؤمراة ‏وإنما تندرج ضمن تفسير التغيرات الفجائية التي لم تتمكن النظريات السياسية والاجتماعية من ‏تفسيرها، وهذا لا يعني إنها عشوائية أو نتيجة نظرية المؤامرة وإنما يعني إنها ذات تركيبة ‏معقدة التنظيم لم تتوصل بعد النظريات المعرفية لفك رموزها. ‏

وقد اتبعت الدول الكبرى المهيمنة وتحديداً أمريكا سياسة تقوم على كسر الموجة الثورية ‏أولاً، وتلطيخ النموذج ثانياً، ومن ثم تعميق الانقسامات الطائفية والعرقية والمناطقية والجهوية ‏ثالثاً، مستغلة حالة انعدام الوزن التي تمر بها بلدان الربيع العربي التي خرجت من نظام ‏استبدادي مزمن، ولم تتمكن من فرز اجماعات جديدة تؤسّس للمرحلة القادمة، وتتلافى مخاطر ‏المراحل الانتقالية التي تتوفر خلالها فرص التفكك والانقسام .. فهذه البلدان التي هبّت عليها ‏عاصفة التغيير كانت تتماسك بناءً على توازنات معينة رسّخها نظام الاستبداد، وإذا لم يتم ‏إفراز صيغ تماسك جديدة في المراحل الانتقالية واختيار حكومات تكنوقراطية قوية تتوفر فيها ‏الكفاءة لإدارة الفترة الفاصلة بين نظام قديم يتفكك ونظام جديد يتشكّل فإن النتيجة لغياب هذا ‏الاستعداد لمتطلبات الانتقال تكون الفوضى واليأس والتفكك والانقسام واستفحال النزعات ‏الطائفية والمذهبية والماقبل وطنية على وجه العموم. ‏

الخطوة الثانية لاحتواء موجة التغيير العربية من قبل مصّاصي الدماء العالميين ‏وديناصورات النظام العالمي المهيمن وحلفائه الإقليميين هي تلطيخ النموذج. فعوضاً عن ‏النموذج السلمي الجذّاب الذي قدّمته مصر وتونس واليمن فقد دخل الربيع العربي في مستنقع ‏الدم والدمار في ليبيا ودمشق. ‏

هنا في هذا المفصل تم تدمير النموذج الحضاري الجذّاب الذي كان يهدّد بالوصول إلى تخوم ‏الممالك الخليجية بعد استكمال موجة التغيير في الجمهوريات التوريثية الاستبدادية. ‏

الخطوة الثالثة في برنامج احتواء الربيع العربي وتدميره وحرف مساره تمثل في تأجيج ‏حالات الانقسام المذهبي والطائفي والجهوي والشطري وذلك لتفكيك الاصطفاف الوطني الذي ‏تشكّل حول هدف إزاحة أنظمة الطغيان.. هذا الانشقاق عن أنظمة القمع والفساد والعصبويات ‏العائلية كان يبشّر بتأسيس الدولة المدنية، فكل انشقاق يؤسّس لإجماع جديد.. غير ان إجهاض ‏التغيير في منتصف الطريق بالإضافة إلى سمات الوضع العالمي الراهن الذي ضاعف من ‏تأثير العامل الخارجي بحيث غدا عاملاً أساسياً وليس عاملاً تابعاً، كل ذلك حال دون وصول ‏الفئات المجتمعية المتعددة إلى صيغة مشتركة لأسس الوضع الجديد. ‏

في اليمن لم يكلّف «رعاة المبادرة » أنفسهم تقديم أيّ دعم حقيقي للمرحلة الانتقالية. حتى ‏الدعم الاقتصادي رُهن بشروط برنامج المانحين المطروح على الطاولة منذ 2006، وكأن ‏شيئاً ما لم يستجد منذ ذلك الحين. ‏

‏ كانت المرحلة الانتقالية بحاجة إلى دعم استثنائي في ظل معطيات تتمثّل بشبه انهيار للدولة ‏وشبكة الخدمات والأمن. غير انهم بقوا على اعتياديتهم، وكأنهم يحبذون حالة الاستزاف للدولة ‏والشعب اليمني من أجل الوصول إلى نقطة الإنهاك واليأس والقبول بالمخططات المشبوهة « ‏الفيدرالية الشطرية والتقسيم» باعتبارها «مرفأ نجاة». ‏
‏ **** ‏
لجنة ال (8+8) تمثّل تقويضاً جذرياً للمبادرة الخليجية وآليتها.. نتحدث هنا عن مرجعية ‏المرحلة الانتقالية والحوار؛ أما ما تعنيه هذه اللجنة المشبوهة بالنسبة للثورة الشبابية الشعبية ‏فهو الخيانة بحد ذاتها طلعت لنا تمشي وتتمخطر في ردهات موفنبيك بثمانية أرجل تحمل ‏وركها الشمالي وثمانية أرجل تحمل وركها الجنوبي. ‏

هذا الانحراف الكبير عن مرجعية الحوار والتسوية السياسية نقل الحوار من حوار ضمن ‏وطن واحد وبلد موحّد يُدعى الجمهورية اليمنية؛ نقله إلى تفاوض بين « شطرين » شمالي ‏وجنوبي، حيث رسم إطاراً لشكل التقسيم القادم وبرعاية الأمم المتحدة التي يرأس مندوبها ‏السامي فريقي التفاوض؛ بالإضافة طبعاً إلى توثيق نتائج التفاوض لاحقاً في الأمم المتحدة؛ ‏التوثيق الذي يرتقي إلى أن يكون المعادل الموضوعي للاعتراف الدولي الضمني بكيانين ‏مستقلين سيأخذ مكان المأسوف عليها «الجمهورية اليمنية». ‏

وبما أن دلالات اللجنة المشبوهة هكذا فإن موقف علي صالح وحزبه المؤتمر الشعبي العام ‏بمقاطعتها ورفض المشاركة في جلساتها يمثّل موقفاً منطقياً بمعيار تمسُّكه بمرجعية مؤتمر ‏الحوار الوطني والمرحلة الانتقالية «المبادرة وآليتها، كما وأنه أيضاً موقف وطني وثوري ‏بمعيار الثورة الشعبية الشبابية التي اندلعت في 2011 والتي قام بها الشباب والشعب لإنقاذ ‏اليمن وليس لتقسيمه حيث إنها لم تطالب بالفيدرالية الشطرية والتفاوض بين شمال وجنوب ‏ولكنها طالبت بالدولة المدنية الديمقراطية وحكم القانون والعدالة والمساواة. ‏

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية