مابعد الانفصال.. نظرة عن قرب(4)

هذه الحلقات هى مجرد محاولة استشرافية لمسار الأحداث المتوقع في بلادنا في المستقبل المنظور انطلاقا من مجموعة من المؤشرات والدلائل والشواهد التاريخية، ورغم تعدد الاحتمالات والفرضيات في هذا المسار، الا أنني تعمدت سلوك مسار الأحداث الذي يلبي رغبة قوى الحراك حتى أن كان فيه قفزاً على الواقع في أحيان كثيرة، وذلك لمحاولة معرفة إلى أين سيصل بنا ذلك في نهاية المطاف هل إلى الاستقرار أم إلى الحرب الأهلية؟أم إلى أين ؟هذا ما سنحاول معرفته.

انطلاق المفاوضات الثنائية بين الشمال والجنوب:
بناء على فرضية حصول معجزة ما تجاوز بسببها الوسطاء الإقليميين والدوليين الإشكاليات الرئيسية الثلاث(التي تناولناها في الحلقات السابقة) ونجحوا في إطلاق المفاوضات الثنائية بين الشمال والجنوب خارج اليمن،، لذا سأبدأ الحديث عن أبرز الملفات المتوقع طرحها على مائدة التفاوض.

-المرحلة الأولى من المفاوضات:
-في الغالب ستجري المفاوضات الثنائية على مرحلتين:الأولى ستخصص في البداية لبحث المبررات والحجج القانونية لوفدي الشمال والجنوب لحسم مصير الوحدة، التي ستكون القضية الرئيسية للمفاوضات، وبموجب الاتفاق الذي سيتم التوصل اليه ستتحدد القضايا الأخرى التي سيتفاوض عليها الطرفين، وفي حال التوصل لاتفاق سواء كان ببقاء الوحدة في إطار اتحادي أو عبر التوصل إلى عقد شراكة جديد بين الشمال والجنوب أو حتى القبول بمنح أبناء الجنوب حق تقرير المصير، فأن تنفيذ مثل هكذا اتفاق يتطلب فترة انتقالية لاتقل عن 5 سنوات، وسنتحدث عن تفاصيلها في الحلقة القادمة، أما ما يطالب به تيار البيض من فك ارتباط عن الشمال دون المرور بفترة انتقالية فهو أمر يستحيل تنفيذه على ارض الواقع.

مناورات شمالية :
– الشمال سيذهب إلى المفاوضات مكرها تحت وطأة الضغوط الخارجية مع شعوره بخيانة المجتمع الدولي له وتنصله من مواقفه الداعمة ليمن موحد، لكن الشمال لن يذهب لمجرد المشاركة الصورية أو كشاهد زور لإقرار الانفصال، بل أنه سيعمل على تحويل المفاوضات من نقطة عبور للانفصال، إلى محطة دولية لتأكيد شرعية كيانه الموحد.

-ليس بخاف أن مثل هذا النوع من المفاوضات لامجال فيه للعاطفة أو المجاملة والعامل الحاسم فيها ليس القوة أو التهديد باستخدامها وإنما ما يمتلكه كل طرف من وثائق تاريخية ومستندات قانونية وحجج ومبررات مقنعة بصوابية موقفه ومطالبه، ومساحة المناورة التي يملكها كل طرف والقدرة على الضغط في الوقت المناسب لترجيح كفته على حساب الطرف الآخر، لذا سيكون هدف الشمال الرئيسي من المشاركة في المفاوضات تفنيد ونسف المبررات التي يسوقها الحراك لتبرير مطالبه الانفصالية مستغلاً قوة موقفه القانوني مقابل ضعف موقف المطالبين بالانفصال، وقد تحدثنا عن ذلك في الحلقة الثانية.

-لكن مع الشكوك ببدء الغرب تنفيذ المخطط الصهيوني لتفتيت المنطقة سيما مع حالة عدم الاستقرار الذي تشهده عدة دول عربية منذ عدة سنوات نتيجة عوامل داخلية في معظمها، والتسريبات الأخيرة في صحف غربية حول ذلك المخطط، كان آخرها التقرير المنشور في صحيفة نيويورك تايمز قبل اسابيع عن توجه غربي لتقسيم خمس من دول المنطقة بينها اليمن، والتي ستقسم بموجبه إلى شمال وجنوب.

– أدرك تماماً أن ما سأطرحه سيكون صادماً للبعض ومستفزاً للكثيرين، لكن ذلك لن يغير من الحقيقة في شيء، صحيح أن الشمال سيجد نفسه في وضع صعب في حال وجود مثل ذلك المخطط، لكنه لن يستسلم بسهولة، فمن السذاجة الاعتقاد أن الشمال سيذهب إلى المفاوضات رافعاً الراية البيضاء، بل سيلجأ إلى المناورة ومحاولة خلط الأوراق وقلب الطاولة على رؤوس الجميع بهدف إفشال المفاوضات أو للحد من حجم خسائره على الاقل اذا كان التقسيم أمر لامفر منه، ولضمان خروج الجنوب ضعيفاً من المفاوضات.

-شروط تعجيزية :
– لتحقيق ذلك سيعمد الشمال إلى رفع سقف مطالبه كثيراً، وسيشترط في الغالب أمرين للقبول بتقسيم اليمن وفصل الجنوب عنه هما:
-الشرط الاول :اعتماد حق تقرير المصير لكل من يطالب به وعدم حصره على ملف الجنوب فقط وذلك من باب العدالة والإنصاف للجميع، وكما تم في اتفاقية السلام السودانية بمنح سكان منطقة أبيي الغنية بالنفط حق إجراء استفتاء خاص لتحديد مصير منطقتهم، بمعنى في حال اعتمد الوسطاء حق تقرير المصير كحل قانوني لحل المشكلة في الجنوب، فأن الشمال سيدعم التيار المطالب بمنح كل من عدن وحضرموت حق تقرير المصير لحسم مطالب غالبية سكان المحافظتين بالدولتين الحضرمية و العدنية خاصة مع تشابه مبررات هؤلاء مع مبررات الحراك في مطالبته بحق تقرير المصير للجنوب، فالحراك يبرر مطالبته بالقول أنه لم يتم أخذ رأي أبناء الجنوب في الوحدة، وكذا مطالبة قياداته بالاحتكام إلى الشارع الجنوبي لمعرفة مايريدونه، وبصورة مشابهة نجد تيار عدن للعدنيين يذكر باستمرار بأن ضم عدن لاتحاد الجنوب العربي تم عنوة في سبتمبر 1962رغم معارضة القوى الرئيسية من نقابات وتجار و..، وبالمثل نجد أن غالبية الحضارمة مقتنعون بأنه تم التحايل على حضرموت وضمها بالقوة إلى اتحاد الجنوب العربي.

-وفي المقابل ربما يطالب الحراك نكاية بالشمال بمنح صعدة أو تعز حق تقرير المصير، لكن ذلك لن يجد تفاعلا معه لا من الحوثيين ولا من أبناء تعز، فالحوثيين طموحهم يتجاوز كثيرا صعدة بل انه يتجاوز الشمال أيضا، فاذا ماسيطروا على الشمال فأن توسعهم التالي سيكون على الارجح باتجاه حضرموت عبر الجوف ومارب لاقامة كيان شيعي يستحوذ على معظم منابع النفط، اما أبناء تعز فلا يريدون دولة خاصة بهم وكل مايهمهم ارتباط مدينتهم بعدن.

-عدن للعدنيين :
-ليس بخاف أن الدولة الحضرمية تعتبر في نظر قيادات الحراك والقيادات الاشتراكية عموماً الخطر الأكبر الذي يمكن أن يهدد وحدة الجنوب مستقبلاً، وهو ما يفسر الرفض التام لغالبية تلك القيادات لمقترح تقسيم الجنوب إلى اقليمين فيدراليين أو اكثر في إطار اليمن الواحد، بمعنى أن منح الحضارمة حق تقرير المصير سيؤدي حتماً إلى استقلال حضرموت.

-لكن نسبة القلق تتراجع كثيرا لدى غالبية تلك القيادات بشأن انفصال عدن عن الجنوب في حال منح أبنائها حق تقرير المصير، ويعتبرونه احتمالا ضعيفاً، وهذا أمر لا أعتقد بصوابيته لان هناك متغيرات على الساحة العدنية قد تقلب المعادلة رأساً على عقب، وبات مألوفاً سماع كثير من النخبة المثقفة في عدن وهم يتحدثون عن غزو قبائل الشمال وبدو الجنوب لمدينتهم،، وفي اعتقادي أن هناك عدة عوامل قد تصب لصالح التيار المنادي باستقلال عدن في حال تم منح أبنائها حق تقرير المصير.

-لعل أهم هذه العوامل ما يتعلق بطبيعة التركيبة السكانية لعدن، فغالبية سكانها ينحدرون من أصول شمالية، فوفق إحصاء بريطاني لسكان عدن قبل الاستقلال كان 55% من سكانها من أصول شمالية، وقد زادت نسبتهم في الوقت الراهن إلى ما يقارب الـ70% من أجمالي السكان يليهم أبناء يافع ثم أبناء حضرموت، أهمية هذا العامل ترجع إلى موجة التحريض التي شنتها الأجنحة المتشددة في الحراك ضد أبناء عدن ممن تعود أصولهم إلى الشمال لدرجة وصلت إلى إزالة صورة الرئيس السابق عبدالفتاح اسماعيل من اللافتات التي رفعت فيها صور رؤساء الجنوب السابقين في عدد من مهرجانات الحراك كان ابرزها في ردفان في ذكرى ثورة اكتوبر 2009م والسبب كان لأصوله الشمالية.

-صحيح أن القيادات المعتدلة في الحراك رفضت ذلك، وسعت إلى طمأنة هذه الشريحة لتجنب آثارها الكارثية على وحدة الحراك ومستوى التفاعل الشعبي مع نشاطه الميداني، لكن نبرة التحريض ماتزال موجودة رغم خفوتها، فهناك العديد من المنتديات الجنوبية تحرض ليل نهار ضد هؤلاء، وهناك للأسف الشديد سياسيين وصحفيين بارزين يديرون صحف ومواقع اعلامية جنوبية هامة قاموا بقطع علاقاتهم وتواصلهم مع شخصيات جنوبية لاصولهم الشمالية.

-ومع الترجيح باستمرار حالة التحريض ضد كل ما هو شمالي في الفترة القادمة، واستمرار حالة من العداء وعدم الاستقرار بين الشمال والجنوب في حال الانفصال، كل ذلك سيتسبب بصورة تلقائية في ارتفاع صوت التيار المتشدد داخل الحراك والجنوب عموماً، وستكون النتيجة حالة من الشك المتواصل في ولاء القيادات الجنوبية من أصول شمالية، وسينظر إلى هؤلاء في أحسن الأحوال كمواطنين جنوبيين من الدرجة الثانية، وسيجدون أنفسهم محرومين من تولي أية مناصب عسكرية أو مدنية هامة في الدولة الجديدة بل ومنعهم من الوصول إلى المناصب القيادية في الأحزاب السياسية.

-أعتقد جازماً أن الوضع لن يختلف كثيرا في حال تصاعدت مطالب الحضارمة بالانفصال عن الجنوب فأن أبناء عدن من أصول حضرمية سيواجهون وضع مشابه لإخوانهم من أصول شمالية.

-هناك عوامل أخرى قد تدفع بسكان عدن للمطالبة بدولة خاصة بهم ومن ذلك شكواهم المستمرة من تهميش يطالهم، ف إلى ماقبل حكومة باسندوة كان من النادر أن تجد من أبناء عدن من يتولى مناصب قيادية هامة كوزير أو محافظ أو قائد عسكري، كما يشكى هؤلاء من تأثر عدن بمدنيتها وانفتاحها على مختلف الثقافات بمحيطها القبلي، واللافت أن كثير من أبناء عدن يترحمون على وضع مدينتهم أيام الاحتلال البريطاني وانه كان أفضل بكثير من وضع عدن اليوم أو أيام حكم الاشتراكي.

-مع هذا الوضع من غير المستبعد سعي بريطانيا لاستغلال المفاوضات الثنائية، وجعلها مناسبة لاستعادة نفوذها ودورها في عدن وأن كان بطريقة غير مباشرة عبر تكثيف لندن التواصل مع قيادات عدنية بارزة كعبدالله الاصنج ولطفي شطارة وفاروق حمزة ومحمد عبدالمجيد قباطي وآخرين والتنسيق معهم لطرح قضية عدن خلال المفاوضات الثنائية، بعدها تتدخل بما تمتلكه من ثقل باعتبارها الدولة الغربية المسئولة عن ملف اليمن وأحد رعاة المفاوضات الثنائية البارزين لدعم مطالبهم بمنح أبناء عدن حق تقرير المصير.

– لا أعتقد أن هذا الأمر بعيد عن الواقع وربما نستطيع تلمسه من تصريحات السفيرة البريطانية جين ماريوت بتاريخ 20 نوفمبر الجاري خلال لقائها نشطاء من مدينة عدن، تأملوا ماقالته ماريوت (أنهم كمجتمع دولي يرون أن يمن واحد وحتى بوجود بعض المشاكل أفضل من فكرة تقسيم اليمن والذي سوف ينزلق بها إلى حرب سواء شمالا وجنوباً)فكلامها يؤكد على أن المجتمع الدولي متمسك بيمن موحد، والسبب الرئيسي في ذلك راجع إلى قناعة تامة لدى دول العالم بأن تقسيم اليمن سيؤدي حتماً إلى حرب أهلية مخيفة، لذا فالمجتمع الدولي يؤيد بقاء اليمن موحد حتى وأن ظل يعاني حالة من عدم الاستقرار.

-أذا يبدو جلياً من كلام السفيرة أن خيار الانفصال غير مطروح نهائياً على طاولة المجتمع الدولي، لكن ما يلفت الانتباه أن السفيرة تعمدت الحديث كممثلة عن المجتمع الدولي وليس عن بريطانياً تحديداً، صحيح أن السبب قد يرجع لكون بريطانيا الدولة الغربية المسئولة عن ملف اليمن، ومن ثم فأن موقف بريطانيا لا يختلف عن موقف بقية دول العالم من الوحدة، لكن حديث السفيرة عن قيامها بجولة في كثير من مديريات محافظة عدن للاستماع إلى آراء بعض المواطنين، يكشف جانب خفي من أهداف زيارة السفيرة إلى عدن، ويؤشر إلى أن بريطانيا تحاول استقصاء حقيقة الوضع في عدن ورغبة سكانها، وهو ما يعني أن دعم بريطانيا ليمن موحد لايعني عدم وجود خيار بديل في حال خروج الوضع عن السيطرة وانهيار الدولة، ويبدو أن دولة عدن وليس دولة الجنوب ستكون هى الخيار الاضطراري لبريطانيا. يتبع

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية