المستقبل الذي في الانتظار..!

أي مستقبل هو ينتظر اليمن ؟!..أظن أن هذا السؤال هو الأكثر حضورا الآن في ذهن الجميع من مواطنين عاديين إلى المشتغلين في السياسة..

ربما هناك إجابات بمستقبل فردوسي عند بعض المتفائلين، في مقابل توقعات هي أكثر سوداوية عند المتشائمين، إلا أن المكان الذي ربما يلتقي عنده الجميع هو أن لا أحد هو متيقن تماما مما يظن.

إلا أن لا شيئ هو ابن الصدفة في هذا العالم، هناك أدوات وقدرات وأحداث هي عادة ما تصنع التاريخ، ولسنا استثناءً، بفهم وتحليل هذا الواقع الذي نحن فيه وأدواته وقدراته يمكن التنبؤ ببعض السيناريوهات المستقبلية المحتملة..

يمكن الانطلاق من عند الواقع السياسي للبلد عند حدث الربيع العربي 2011، حيث كان الواقع اليمني أكثر تعقيدا من الحالات المشابهة في البلدان العربية التي اجتاحها الحدث، ففيما كان الهدف هناك هو إسقاط النظام كانت الحاجة الأكثر إلحاحا هنا هي إيجاد النظام نفسه..

بوضوح أكثر.. ربما كانت الديمقراطية هي الحاجة هناك، فيما كانت حاجة اليمن حاجة أساسية وهي الحاجة ل “الدولة” ذاتها، حيث كانت الدولة، فكرة الدولة لا تزال هشة عند الجميع، ليس عند من ثير عليهم فقط، وإنما عند الثائرين أيضا. وهي كأدوات وحضور أكثر هشاشة..

المشكلة أن هذه الحاجة المركبة للدولة وللديمقراطية، أنها تتطلب أداءات وأدوات على النقيض تماما مع بعضها. والإشكال الأكبر أنه يطلب ممارستهما أو أن يمارس التأسيس لهما في ذات الوقت، فيما العادة هي أن تحدث الأولى أولاً “الدولة”، ومن ثم الثانية “الديمقراطية”.

أظن أن فهم هاتين الحاجتين وأدواتهما المتناقضة مسألة مهمة للتنبؤ بأي مستقبل هو ينتظر اليمن. لنبدأ من عند الدولة: إذ تحتاج الدولة أول ما تحتاج إليه لتكتسب وجودها، هو احتكار العنف وممارسة القسر، ومن ثم العدالة وتوفير الخدمات، وفي مراحل أكثر تقدما تحتاج للحريات والديمقراطية لتكتسب خاصية الاستمرار.

تحتاج الدول أيضا عند تأسيسها لقادة أفراد في العادة، مدعومين بقوة عنيفة “الجيش”، أو حماسة وطنية جارفة، أو الاثنين معا. كما تحتاج لوحدة مجتمعية صلبة عن شعور وطني حقيقي، أو شعور قصري ناتج عن ممارسة العنف.

الديمقراطية: هي على العكس تماما في حاجتها، فهي تحتاج للحريات محل تراجع ممارسة العنف والقسر، كما أنها تقوم على المجموعة الكبيرة للشعب وليس على الأفراد كما هو الحال عند تأسيس الدولة.

– التعقيدات أمام وجود الدولة في اليمن وأدواتها المتوفرة:
1- الإحساس الجمعي بالدولة اليمنية الموحدة، والحاجة لها.. لا يوجد.
إذ تنتعش الآن المطالب الجهوية على أكثر من جغرافيا وطنية، كأفكار ومطالب، أو كأدوات ممارسة على حساب وجود الدولة.
2_ قدرة الدولة على ممارسة العنف والقسر واحتكاره لإجبار الجميع على الرضوخ لسلطة وفكرة الدولة، لا يوجد.
بل تبدو الدولة الطرف الأكثر ضعفا بين مجموعات قوى حولها هي عندهم كإطار لرعاية مصالحهم، أو وسيط فيما بينهم عند الاختلاف.
3_ الحساسية الوطنية تجاه التدخلات الخارجية. لا توجد أيضا.
بل تبدو التدخلات الخارجية هي الأكثر تأثيرا والمتحكمة بالكثير من مسار الأحداث.
4_ القائد الفرد الوطني والمؤسس للدولة.. مدعوم بإحساس وطني كبير، أو مدعوم بالقدرة على ممارسة القسر. لا يوجد أيضا.
ما يوجد هو رئيس توافقي “كبير السن” محكوم بأدوات الصراع ومراكز القوى وقدراتهم في الداخل والخارج، وبمبادرة سياسية تجعل من كل أولئك شركاء معه في القرار. أو مهيمنين عليه في أغلب الأحيان.
_ التعقيدات أمام وجود الديمقراطية وأدواتها المتوفرة:
1_ الدولة الوطنية القوية والمستقرة التي تمارس في إطارها الديمقراطية في إطار منظم وآمن.. لا توجد.
ما يوجد هو دولة هشة ومفككة وطنيا..
2_ الشعب كمصدر وحيد للسلطات والمتكون من مواطنين أفراد يعبرون عن خياراتهم بكل حرية من خلال أحزاب أو مستقلين. لا يوجد.
فما يوجد هو مجموعات من مراكز القوى تتقاسم المواطنين فيما بينها على اعتبارات جهوية أو مذهبية كعصبويات دون الدولة، وأحزابا هي ليست استثناء عن هذا الواقع وأدواته التي تحتكم لامتلاك القوة وليس للتفويض التصويتي كما تفترض الديمقراطية.
لكن. على ضوء ما سبق هل يمكن القول أنه يمكن الحصول على دولة؟!.. الإجابة من وجهة نظري هي، لا. وهل يمكن الحصول على الديمقراطية على الأقل؟! الإجابة هي، لا. أيضا.

إذًا ما الذي سنحصل عليه؟!، ربما يقول أحدكم،.. سنحصل على حالة مائعة من شبه الدولة وشبه الديمقراطية كهذه التي نشهدها الآن، ويؤسس لها تحت دعاوي الشراكات الوطنية وهي شراكات مراكز قوى في الأساس، وإلا لا أدوات سياسية فارقة تنبئ بثمة دولة حقيقية أو ديمقراطية حقيقية في الانتظار.

لكن هل هذا هو السيناريو الوحيد؟! في الحقيقية هو السيناريو الأقل سوءا، فأن تحصل على شبه دولة وشبه ديمقراطية ربما يتطوران في ظروف أخرى إلى أن يكونا حقيقيين، هو مكسب وأفضل من الانهيار الشامل للدولة بطبيعة الحال.

لكن هل تصمد الدول “المائعة”؟!.. ليس كثيرا.. في العادة.