مسئولون يجيدون استثمار الكوارث

أول راتب استلمته من الدولة، خُصِم منه قسط للمغتربين العائدين جوراً، من أراضي الجارة. وفرحتي بأول راتب حكومي بعد حوالي ثمان سنوات من البطالة والجعجعة التي لحقت بتخرجي من الجامعة، جعلتني أنسى القسط، وكارثته الأخلاقية قبل القانونية، وخطأ اعتماده رسمياً في ديسمبر 2013، إبان عودة مئات الآلاف من المغتربين اليمنيين لدى الدولة التي تسمى “شقيقة كبرى”.

كان قرار تصحيح وضع العمالة في السعودية سيئاً بقدر ما كان محقاً لحكومة الجيران، ولئيماً بقدر أبعاده الإقتصادية والسياسية على حياة جيرانهم حكومة وشعب. لكن مالم نكن نتوقعه هو أن يأتي القرار ليمثل بادرة خير على الحكومة اليمنية؛ إذ بادرت – بارك الله فيها- لتشكيل لجان تقصي وحصر لأضرار الكارثة الأخلاقية. وبعد لقاءات ومشاورات تقرر خصم قسط على كل موظفي الدولة لصالح المغتربين المتضررين. وهو ما تم لاحقاً بالفعل. وتم رفع دعوى قضائية ضد الحكومة على هذا الإجراء المخالف للقوانين المختصة.

لست نادماً على فكرة أن يتكاتف اليمنيون من أجل مأساة أخوانهم، ويساهموا في تقديم يد العون والغوث بعد كارثة الجارة الجائرة. إنما ناقماً على أن تتحول هذه المهمة المفترض بالحكومة اليمنية القيام بحلها لمفردها، إلى منفذ جديد للفساد، ذي الصبغة الإنسانية. أما وأن يتحول الأمر إلى شحاتة؛ كالتي تقوم بها وزارة المغتربين حين تطلب من المؤسسات والشركات والمنظمات اجتزاء قسط على موظفيها، وهم قطاع خاص، لصالح المغتربين العائدين من السعودية، فإنها لكارثة الكوارث.

الصدمة ليست في معلومة وصول مذكرة من الوزارة إلى إحدى الجهات تطلب منها ذات الغرض، وإنما في السباق المحموم والمتواصل حتى بعد ثورة التغيير، على إستثمار الكوارث؛ وهذه بالطبع، أبشع صور الفساد المالي والإداري والأخلاقي أيضاً.

السؤال الذي يبحث عن إجابة شافية هو كيف تم صرف هذه المبالغ على العائدين وكيف تم توزيعها عليهم، ولمَ لم يكون هناك مشروع صناعي أو زراعي تدعمه الدولة بهذه المبالغ ويقوم بمهمة تشغيل هذه الأيادي العاملة التي عادت مقهورةً من أراضي الجارة وتبحث هنا عن لقمة عيش.

[email protected]