الحالة الحزبية.. نقد التجربة

سال حبر كثير في تشريح الحالة الحزبية، لأقلام رأت في الراهن السياسي مناخاً مؤاتياً، ‏للإفصاح عن نوازع مكبوتة، ظلت أسيرة الترقب، للتعبير عن هذا المخزون المتفجر، في ‏حنايا الذات الاعتراضية، وهي حالة يمكن فهمها في إطار العثرات والإخفاقات، التي لازمت ‏المشروع القومي، وقادت إلى خفوت الدعوة القومية، وقمع الحريات وتراجع الأداء ‏الاقتصادي، والتمييز هنا ضرورة تمليها طبيعة الخطاب في تناول الحالة، ودرجة المسؤولية ‏التي يتحلى بها الكاتب توصيفاً، تحليلاً وتجاوزاً، ضمن سويات تتراوح بين النقد الهادف في ‏معالجة الإشكالية وبين التناول العبثي للأمور، بما يوحي، وكأن ثمة خلل في تقدير أهمية ‏وخطورة اللحظة، التي تعيشها الأمة بكل أطيافها السياسية وتشكيلاتها الاجتماعية، وطنية ‏كانت أم قومية..‏

فالكتابات التي تناولت المسألة الحزبية، والانطباع المخادع الذي تتركه على صحف الإثارة ‏العربية، تفتح الباب على جملة من المسائل الاستراتيجية، في حياة ومصير الحزب القومي، ‏واستتباعاً، جوهر ومشروعية النظام في سورية، وهي مسائل حتى وقت قريب، كانت تتساوق ‏ضمن حراك تكاملي، يستحيل تصور أحدها دون الآخر، المساس بالحزب مساس بمشروعية ‏النظام… الفانتازيا الإعلامية التي تتم بمعزل عن مواقع القرار الحزبي وأصول التراتبية ‏التنظيمية، توفر مناخات مواتية لمزيد من الإرباك الداخلي، كما وتعمل على إنزال القضايا ‏المصيرية للأمة، وسورية تحديداً، إلى سوق التوقعات والتكهنات الافترائية.‏

والحال، أن ثمة رغبة في التطوير والتحديث، تعكس حرص القيادتين الرسمية والحزبية، ‏للارتقاء بالسوية الجماهيرية إلى مستوى التحديات، التي تستهدف معقل الوعي القومي للأمة ‏وبنيته التنظيمية، هذا التوجه، بغض النظر عما يمكن القول فيه، يشكل بارقة أمل في زمن ‏الاختلال العقلي، الذي يجتاح أنظمتنا العربية، ويفقدها القدرة على تحديد اتجاهاتها خارج ‏المخطط الأمريكي/الصهيوني.. يستحق قدراً من الحوار الجاد والهادف، للخروج من حالة ‏السكون، التي تلقي بظلالها، على كافة البنى المؤسسية الرسمية منها والشعبية، وهو حوار ‏ينطلق من تقدير دقيق لطبيعة اللحظة المدركة بكل أبعادها، وقراءة ناقدة، متجاوزة لمراحل ‏سابقة في مسيرة الحزب، والانعطافات التاريخية التي عرفتها في تاريخها القريب.‏

وإذا كان الحزب بما يمثله من وعي متقدم للأمة، ومرآة تطلعاتها، وحامل مشروعها القومي، ‏الراصد للمسارات الكبرى في حراك ونضال الأمة، فثمة مصداقية للقول بأن المنطلق الأساسي ‏في البحث عن الإجابات الكبرى للإشكالية القومية، تبدأ بالحزب ذاته فكراً، سلوكاً، رؤيا، ‏مرتكزات، تمثل كلها الأساس المعتقدي للإنسان العربي، والتي يجري اختزالها في ثلاثية ‏الوحدة، الحرية، الاشتراكية، وهي ثوابت لا تقبل المساءلة، إلا بمقدار ما تنجز من مهام تفضي ‏إلى تحقيق هذه الغايات.. المساءلة هنا، تخاطب الآليات والوسائط التي يعتمدها الحزب ‏فكراً/تنظيماً، في الوصول إلى غاياته القومية، وهذا يعيدنا إلى جوهر الخطاب الحزبي، فما ‏يثار من تساؤلات، حول الأداء الحزبي، والجدوى القومية من استمرار السائد من مفاهيم ‏وعلاقات، ومدى مقاربتها للأهداف المرسومة في منظوماتنا الإيديولوجية، ومدى استجاباتها ‏للتحديات والمخاطر التي تشكل حضوراً ضاغطاً على مختلف الصعد الفكرية والعلمية لإنساننا ‏العربي، يستوجب وقوفاً ناقداً أمام جملة التساؤلات والتوجهات التي تخاطب الراهن الحزبي.‏

ثمة اتجاهات ثلاثة تتحكم بالساحة الفكرية المنصرفة للشأن الحزبي:‏

الاتجاه الأول: يدعو إلى إلغاء الفكرة القومية بما تمثله من حزب قومي، وتمظهرات قومية ‏في علاقة سورية بالأقطار والقوى السياسية العربية الأخرى.‏

ويستند هذا الاتجاه، إلى جملة من المتغيرات والمعطيات، يأتي على رأسها: فشل المشروع ‏القومي في تحقيق الغاية القومية منه، وهي قيام الدولة العربية الواحدة، تراجع نسب النمو على ‏صعيد السويات المجتمعية والاقتصادية كافة، تنامي ظاهرة الاستحواذ السلطوي بما يحمله من ‏تكميم الأفواه، وحرمان المجتمع من ممارسة حقوقه الإبداعية، غياب تكافؤ الفرص وتفشي ‏ظاهرة الامتيازات السلطوية، مع بروز طبقة طفيلية، تعكس هوة واسعة بين من يملك الثروة ‏وبين من يفتقر إليها، إلى جانب انتشار ظاهرة الرشوة والفساد التي تعيق نمو المجتمع.‏

هذا الاتجاه يستقوي بالتحولات السياسية العاصفة بالمنطقة والتي أوصلت أمريكا لأن تصبح ‏جاراً مقلقاً للدولة السورية، وانعكاس ذلك على الوضع في العراق من تدمير وتفتيت مجتمعي، ‏واعتبار ما يجري على الساحة العراقية نموذجاً متقدماً لمصير الأمة المرتقب.‏

منطلق هذا التيار يقوم على قاعدة: “شيء أفضل من لا شيء”، أحد إفرازاته المباشرة هو ‏خروج القوات السورية من لبنان وبطريقة غير مستحبة، كما عبرت عنها ونقلتها وسائل ‏الإعلام العربية والدولية.‏

الاتجاه الثاني: يدعو إلى الحفاظ على الحزب، لكنه يولي أهمية قصوى للإصلاح الاجتماعي ‏والاقتصادي، ويدعو إلى مزيد من الانفتاح، وتقليص الدور السلطوي الأمني على النشاطات ‏المجتمعية، سياسية كانت أم اقتصادية.‏

تتضمن دعوة هذا الاتجاه إفساح المجال أمام كافة القوى بمن فيها الأحزاب والتيارات الدينية ‏والعرقية، كي تمارس نشاطها في ظل قوانين ونظم يتم الاتفاق عليها من خلال الدعوة إلى عقد ‏مؤتمر وطني عام..‏

الاتجاه الثالث: يشتمل في معظمه على الحزبيين ومن يتعاطف مع الحزب، أو ذوي الميول ‏البعثية، بما فيها القوى السابقة التي لسبب أو آخر، تم إقصاؤها عن الحزب، يرتكز هذا الاتجاه ‏في دعوتها الإصلاحية على محورين أساسيين:‏

‏1- ضبط العلاقة بين الحزب والسلطة، وتحديد مجال حركة كل منهما، وفق ما تقتضيه ‏المضامين البرنامجية للحزب، وبما يقلص تدريجياً من آثار ومظاهر الاختلالات التي سادت ‏الحقبة الحزبية، طوال الفترة السابقة من عام 1970 حتى اليوم.‏

‏2- تنظيم العلاقة بين القومي والقطري، بما يجنب سورية تبعات الضغوط الخارجية التي ‏تستثمر من قبل القوى المعادية وقوى الداخل العربية المحافظة، باعتبارها مساساً وتدخلاً ‏بالشؤون الداخلية للأقطار العربية، وهي حالة كما نعرفها تتقاطع مع التوجيهات والسياسات ‏الغربية، التي ترى في الاقتراب العربي من بعضه البعض تهديداً مباشراً لأمنها ولمصالحها ‏القومية.‏

على صعيد المنظمات القومية، يدعو هذا الاتجاه إلى تمكين هذه المنظمات من التعبير عن ‏سياساتها وتطلعاتها، وفق ما تقتضيه الحاجة الداخلية لكل ساحة على حدة، والذي يخضع ‏لأولويات العمل المشمولة في برامجها الوطنية، مع الحفاظ على استقلالية كل منظمة في ‏التعبير عن ولائها، ومعتقدها القومي من خلال صيغ ثقافية تنظيمية تمكّنها من التفاعل الحر ‏والمثمر مع المنظمات القومية الأخرى، ويتم ذلك عبر مؤتمرات قومية، لقاءات مشتركة، أو ‏منتديات قومية، تفسح مساحة حوارية تغني الفكر القومي وتنشر ثقافته، كما وتوطد الروابط ‏المعرفية القومية للرفاق، وتعمل في الوقت ذاته على حسم وتذليل الصعاب التي تواجهها كل ‏منظمة على حدة.‏

‏***‏

مع الإقرار بأحقية كل اتجاه في التعبير عن مكوناته الفكرية، وحقه في بلورة التصور ‏المناسب، للخروج بالحزب والوطن من أزمته الراهنة، نميل إلى اعتماد التوجه الثالث الذي ‏يؤكد على أهمية بناء الحزب، واكتسابه الصحة والصدقية اللازمتين، لممارسة مهامه بالشكل ‏المطلوب، مع التأكيد على جدوى ما يتضمنه الاتجاه الثاني من نشر الحريات والانفتاح على ‏القوى الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع. لكن ما يستوجب التأكيد عليه هو أن صحة الحزب ‏وعافيته في استرداد دوره التاريخي، هو وحده الكفيل بتوفير مثل هذه المتطلبات، والقاعدة ‏تقول: “فاقد الشيء لا يعطيه”، فالديمقراطية إن لم تتم ممارستها على صعيد الحزب، تكون ‏سلعة نادرة، يتعذر توفيرها للغير، وكذلك الأمر بالنسبة للقضايا الأخرى السياسية والأمنية.‏

هذا لا يعني بأي حال، تجميد كل شيء في انتظار الإصلاحات الحزبية، بل يمكن لهذه ‏الأمور، أن تأخذ شكل التنفيذ المتوازي في اعتماد السياسات الانفتاحية من جهة، وتعزيز ‏الإصلاحات الحزبية من جهة أخرى، مع ضرورة توفر قدر عالٍ من المسؤولية الحزبية، لجهة ‏اكتسابه للمعارف المطلوبة واستعادته لحيويته وصدقيته الجماهيرية، التي تمكنه من مزاولة ‏نشاطه في تكريس هذه الحقوق جماهيرياً بشكل أفضل ومتكامل، كما تمكّن الحزب من تطوير ‏قدرات حوارية هادفة لضبط العلاقة الشائكة بين الحزب والسلطة، وتوفير المناخ الديمقراطي ‏لحمل حوار مجتمعي هادف مع الأحزاب والقوى الاجتماعية.‏

وإذا ما انتقلنا في تناولنا للحالة الحزبية من العموميات، للخوض في الخاص، وتفاصيل ‏تشريح الجسم الحزبي، نجد، وفيما يعكسه تاريخ الحزب منذ نشأته، أن قصوراً ملحوظاً، مع ‏تطلعاتنا المستقبلية لإنجاز مهامنا القومية وبناء دولتنا الواحدة.‏

بعض هذه الإشكالات جرى ذكرها في المقدمة وفي تشخيص الحالة العربية… والبعض ‏الآخر يندرج ضمن المفاعيل الأساسية للحراك الحزبي، والتي يمكن حصرها في:‏

‏(1) الأداء الحزبي.‏

‏(2) المسألة الوحدوية.‏

‏(3) قضية الحرية.‏

‏(4) المسألة الاشتراكية.‏

‏1- الأداء الحزبي:‏

لا مجال يذكر لإنجاز حزبي يمكن اعتماده معياراً في قياس الحركة الحزبية، باعتبارها ‏الضابط لعلاقة الحزب بالواقع، كما أن غياب العلاقة الصحية بين الرفاق، تترك انطباعاً ‏متراجعاً لمعنى الحياة الداخلية للحزب، هذه الأمور جرى التنبيه إليها في العديد من ‏الاجتماعات، لكن دون جدوى، بقيت الحالة تستجر مزيداً من التجاذبات الحادة على كافة ‏السويات الحزبية، كان من جراء ذلك أن غابت المهمة الحزبية وتفارقت مسألة الفكر التنظيم، ‏وتدنت السوية الثقافة، وتراجعت المعلومة الحزبية/السياسية، وأهم من ذلك بروز حالة غاب ‏عنها وحدة الموقف الحزبي. يبدو الوضع أحياناً وكأن ثمة أحزاب بوجهات نظر مختلفة ‏يجمعهم حزب واحد، كان طبيعياً أن ينعكس ذلك ضعفاً عاماً في الأداء الحزبي، حيث تحول ‏الاجتماع إلى أداءٍ روتيني، بيروقراطي، مكتبي، يفتقر المبادرة والروح الإبداعية.‏

أما مسألة النقد والنقد الذاتي، فحديث يطول أمره حيث أضحى مجرد ذكرها يثير الكثير من ‏الامتعاض والاعتراض، ومع غياب الديمقراطية الحزبية، تحول الاجتماع الحزبي إلى ثكنة ‏عسكرية تجمع آمراً ومنفذاً، مدعوماً بأغلبية لا تقيم اعتباراً لجوهر القضايا المدرجة للمساءلة ‏والنقاش، لقد ساعد على انتشار هذه الأجواء غياب مبدأ التوصيف الحزبي، القائم على:‏

‏(‌أ) الكفاءة العلمية.‏

‏(‌ب) القبول الجماهيري.‏

‏(‌ج) التاريخ الحزبي.‏

وهي شروط جرى استبدالها بأخرى مغايرة أفسحت المجال لبروز ظاهرة المحسوبية ‏والاستزلام، وما يترافق معها من ولاءات فردية وجهوية ومذهبية. كما كان لاستمرار هذا ‏الأمر أثره في حرف الحزب عن وظيفته الأساسية في بناء الكوادر القيادية الحزبية ‏والمجتمعية.‏

ولأن المرض وحده الذي يعدي، كان لهذه الحالات أن وجدت طريقها إلى المنظمات القومية ‏في ساحات الوطن العربي، حيث تنمّطت وأضحت تشكيلات مصغرة للأمراض والسلبيات ‏المتسيدة والمتفشية في المركز، مما أفضت بدورها إلى توقف العطاء الثقافي/الفكري على ‏الصعيد القومي للحزب.‏

ومما يزيد الأمر تعقيداً، انتشار ظاهرة الدروشة في الصفوف الحزبية، والتي تسيء إلى ‏الصبغة العلمانية للحزب، وتنذر بكوارث مستقبلية أقل ما يمكن القول فيها: هو إن ثمة حركة ‏انقلابية هادئة تتحرك في الإطار الحزبي للانقضاض والاستيلاء عليه، ولم يبق سوى تحديد ‏الفاصل الزمني لذلك…‏

‏2- المسألة الوحدوية:‏

تتوضح الصورة الحزبية أكثر، متى أدكنا الاخفاقات والعثرات التي واجهت الجهود الحزبية ‏والرسمية، في إنجاز مشروعنا الوحدوي، وبغض النظر عن المبررات والمسوغات التي يمكن ‏الخروج بها لتبرير هذا الإخفاق، وهي أمور على كثرتها لا تفسر الراهن الحزبي، لكنها ‏تضعنا على الأقل، في مواجهة المسؤولية التي طالما عمدنا إلى تكريسها أدباً وشعارات ‏وأسقطناها مهاماً وممارسة.‏

من المنظور العام تبدو الأسباب التالية عناوين لقضايا تستوجب المراجعة الناقدة لجهة ‏الوسائل والآليات التي ظلت بمعزل عن التفعيل الحزبي:‏

‏1- غياب الرؤية الحزبية الواضحة للتحقق الغائي لمسألة الوحدة العربية التي ما تزال أسيرة ‏العواطف والنوازع الغريزية لدى المواطن العربي، كما أن الحزب لم يستفد من التجارب ‏الوحدوية المتعددة التي باءت جميعها بالفشل، للخروج باستنتاجات تمكّنه من وضع أسس ‏موضوعية، تملك قدراً من التحقق المستقبلي، في تهيئة الظروف والمناخات المناسبة لقيام ‏الوحدة.‏

‏2- إغفال الديمقراطية والمشاركة الشعبية كطريق لتحقيق الوحدة العربية، وما يترافق معها ‏من إقرار بحق الاختلاف، واحترام مبدأ الحوار وإقراره وسيلة للوصول إلى غاياتنا الوحدوية، ‏فالوحدة تبقى مفرغة من مضامينها، ما لم يقم الحزب بخلق جيل حزبي يؤمن بالديمقراطية ‏القائمة على مبدأ الحوار والاعتراف بالآخر.‏

‏3- ضبابية العامل السياسي، وضعف البناء التنظيمي الذي يعبّر عن حيوية هذا العامل، ‏واستبداله بمزيج من الحراك العشوائي، الذي يعتمد القراءات الشكلية للحدث السياسي، دون ‏جهد في متابعته، وإدراك التوجهات والنتائج التي يتمخض عنها، كما غاب عن هذا العامل ‏توفر الشروط الضرورية والمناخ السياسي الملائم للعمل السياسي الجاد، والذي يقوم على ‏حرية سياسية يدخل ضمنها إصدار قوانين أحزاب تنظم نشوءها وأداءها.. نتج عن ذلك أن ‏تحول العمل السياسي إلى مستلحق للمبادرات الرسمية للنظام العربي.‏

‏4- إغفال دور المسألة الاقتصادية في البناء الوحدوي، فتحقيق الوحدة العربية يكون عن ‏طريق تقديم نموذج يغري بالاندماج والالتحاق، لا الخوف والتقوقع، وهذا يتطلب بشكل ‏منطقي، أن تهتم كل دولة عربية بتنمية اقتصادها، وتلبية حاجات مواطنيها، وبدءاً بأحوال ‏معيشتهم مروراً بتوفير وسائل العلم والمعرفة، والانفتاح وتطوير الذات، وصولاً إلى الشفافية ‏والمحاسبة، وانتهاءً بتداول السلطة والتعددية وقبول الآخر.‏

‏5- إقصاء العامل الاجتماعي/الثقافي للمجتمع العربي ودوره في بلورة مفاهيم وحدوية، بعيداً ‏عن المؤثرات الستاتيكية لمقولات تفتقر إلى الحد الأدنى من الواقعية والتصور العملي في ‏التحقق الوحدوي، وهي مسألة تُدرك صعوبتها متى أخذنا بعين الاعتبار الأمور التالية:‏

‏(‌أ) غلبة المؤثرات الخارجية في صياغة العقل العربي، وقدراته التعبيرية عن مفاهيمه ‏لقضاياه الخاصة والعامة، ومن ضمنها مسألته الوحدوية.‏

‏(‌ب) اتساع الهوّة بين الطبقات، مع انزياح واضح لتمركز الثروة بيد القلة من المسؤولين ‏والمنتفعين العرب، وحرمان الغالبية العظمى من الحد المقبول للحفاظ على كرامة الإنسان ‏العربي، ينعكس ذلك على النخب العربية التي تجد نفسها أقرب إلى مصادر الثروة منها إلى ‏مصادر الثقافة، يترافق ذلك مع اتساع مخيف لدائرة الفقر والجهل بين العامة من الناس، بحيث ‏يتعذر الوصول إلى أساس مفهومي مشترك للوحدة، مع عدم إغفال الدور المتنامي للثقافة ‏الدينية ومحدودية فهمها لقضية الوحدة.‏

‏(‌ج) بروز ظاهرة الاغتراب بين الأجيال الناجمة عن مدخلات قسرية لثقافة العولمة، ضمن ‏أشكال ومظاهر استلابية، تبهر الصغار، وتدفع بهم نحو فضاءات تقطع مع موروثهم التقليدي، ‏بينما يتنامى نزوع ارتدادي لدى الأجيال السابقة يتوزع بين التشكيك بقضايا العولمة والرفض ‏المطلق لإفرازاتها، وهي في كلا الحالين تجد نفسها مضطرة للتعامل مع المنتج العولمي، لكن ‏دون قدرة على استيعابه وتبيئته ضمن مكونها الثقافي، مما يقود إلى اتساع الهوة بين الأجيال، ‏واختلاف المصادر التي تشكل وعيهم بذاتهم وبمحيطهم الاجتماعي..‏

هذا على الصعيد الحزبي، أما على الصعيد العربي، فلا يوجد ما يشير إلى جهد منهجي ‏مدروس لبناء منظومة فكرية اقتصادية/اجتماعية متكاملة، تعكس الرغبة الجادة في التأسيس ‏لمشروع وحدوي، وكل ما جرى من تقاطعات آنية في تاريخنا القريب، يمكن ترجمتها ‏كمؤشرات لعمل وحدوي، تمت خارج وعينا الجمعي بالمسألة الوحدوية، لكنها سرعان ما ‏تلاشت وتراجعت إلى مواقعها السابقة (حرب 67-73)، وكذلك الجهود الوحدوية المتعددة ‏الفاشلة التي تركت ندوبها على الجسم العربي، ولم تؤت الثمار المرجوة منها.‏

المثل الحي الذي لا يزال ماثلاً أمامنا هو الجامعة العربية.. فالحديث عنها، كإطار سياسي ‏جامع للعرب، وبغض النظر عن الحقن المنشطة لإحيائها وتفعيل دورها في تحريك العمل ‏السياسي العربي يبقى دون المستوى المطلوب، إذ ما تزال أسيرة التجاذبات الجهوية لأقطار ‏عربية عاجزة، لا ترى في العمل الوحدوي سوى مساساً بأطماعها وإطاراً للتنفيس عن أحقادها ‏وغيرتها من بعضها البعض، في هذا الصدد.. علينا ألا ننسى دور العامل الأجنبي في تسييره ‏لشؤون هذه المؤسسة وتحكّمه بالنتائج المتوخاة للجامعة العربية.‏

لكن ما يؤسف له، هو أن العرب يحققون قدراً من التضامن العربي، في محافل دولية كالأمم ‏المتحدة، أو المنظمات الدولية الأخرى أكثر مما يحققون في البيت العربي الواحد.. الجامعة ‏العربية.. وكأن الخيار العربي محكوم بعقدة النقص الخارجي.. هذه مسألة تستحق الاهتمام كما ‏تستحق دراسة إمكانية تطويرها.‏

البديل يكمن في التفكير جدياً بتأسيس تيار قومي يتشكل من كل أطراف العمل الوطني ‏والقومي – مؤتمرات قومية بمختلف مستوياتها، منتديات ثقافية/فكرية تنظيمات وقوى ‏المجتمع المدني – ضمن صيغة برلمانية شعبية تمارس نشاطها في الضغط والتأثير على ‏حكومات مجتمعاتها، وبما يحقق قدراً من التضامن العربي، ويحد من تمادي النظام العربي في ‏التنصل والتحلل من مسؤولياته القومية.. ويمكن الاتفاق لاحقاً على برنامج هذا التيار ومفاعيله ‏التنظيمية مع القوى والأطراف المعنية بالأمر.‏

‏3- قضية الحرية:‏

أفقدت الممارسات الخاطئة الحرية بعض ألقها وفاعليتها، وعكست حالة من الملل في قواعد ‏الأحزاب وفي الشارع، مما أفسح المجال لتنامي قوى التيار الإسلامي على حساب التيار ‏القومي.‏

تجدر الإشارة هنا إلى أن أدبنا الحزبي مليء بالمعاني الدلالية والاشتقاقية للحرية بشقيها ‏الفردي والجماعي، وهي مسألة تحتل من حيث الأهمية مكاناً متوازياً مع القيم الحزبية الأخرى ‏كالوحدة والاشتراكية.. لكن ذلك لم يمنع من بقائها عالقة بين النزوع الفردي، والتخوف من ‏تطبيقها الاجتماعي، مما أدى إلى اختزال مسألة الحرية ضمن مفهوم أحادي مبتسر، حمل ‏معنى التحرر من الآخر الخارجي تحت مسميات الاستعمار، الهيمنة، والتدخل، مع إغفال ‏متعمد للسبق الدلالي المتمثل في تكريس الحرية قيمة ثقافية في الوعي المجتمعي، كان من ‏نتيجته أن تمت مقايضة التحرر من الخارجي بالاسترقاق الداخلي، وهي حالة تفسر إلى حد ‏كبير درجة الخلل القائم في المعادلة الإشكالية بين الحرية كوعي بالذات وبالوجود، والحرية ‏كتعبير ممارساتي لهذا الوعي.‏

مطلوب في هذه المرحلة أن يعنى الحزب بتخليق مفهوم متقدم للحرية، يتناسب ويستجيب ‏لشروط الداخل والمحيط، ويسهم في إغناء السوية الإنسانية للفرد، كما ويكرسها قيمة ثقافية ‏يستمد منها ثقته وقدراته الإبداعية.‏

‏4- المسألة الاشتراكية:‏

يعمد البعض إلى التجريح بالاشتراكية، من حيث اعتبارها وافداً دخيلاً على ثقافتنا القومية ‏والإسلامية، ربما لقلة فهم أو إدراك لحقيقة الاشتراكية، كفلسفة حياتية في مواجهة طغيان ‏التوجه الليبرالي العولمي، الذي يسقط عمداً كافة المعايير الإنسانية في تراثنا الحزبي، وهي ‏أمور لا نتفرد وحدنا بالتمسك بها، كثوابت مبدئية في ضبط علاقتنا بمجتمعاتنا وبمحيطنا ‏الإنساني، بقدر ما تتشارك معنا كافة القوى التقدمية والأنظمة المحبة للسلام.‏

تأخذ الاشتراكية وضعها الصحيح متى أدركنا حقيقة الأطماع التي تهدف إليها الليبرالية ‏الجديدة المتدثرة برداء العولمة، والمتساوقة مع تعريفات تخترق القواعد القانونية والدولية ‏المتعارف عليها، ضمن استخدام مفرط للقوة في فرض إرادتها الوحيدة وغير القابلة للنقاش ‏والمساءلة، إما معنا أو ضدنا، هكذا تقاس الأمور بالمعيار العولمي الجديد.‏

ولعل بعض الأرقام والإحصائيات التي تخرج بها الدوائر الغربية، من خلال رصد المسار ‏العولمي، توضح كثيراً طبيعة الاختلالات التي تعاني منها مجتمعات الدول النامية، كما ‏وتوصف الأبعاد الحقيقية للممارسات الاستعلائية في نهب ثروات العالم وقمع إرادة شعوبه، ‏تحت مبررات واهية لشرعنة هيمنتها، مثل محاربة الإرهاب وضرورة القبول بقيم ومبادئ ‏النظام الدولي الجديد، والمقصود بها – حصراً – قيم ومبادئ الإدارة الأمريكية ذاتها.‏

لا شك أن ثمة خلل في إدارة شأننا الاقتصادي، أفرز حالة من الاحتجاج المتصاعد لدى ‏الغالبية من الناس المتضررين من ممارسات أساءت إلى معنى ومضمون القطاع العام، وهو ‏ما ينصرف في المفهوم العام إلى الاشتراكية، رغم تشارك العديد من الأنظمة بما فيها الغربية ‏ذاتها بامتلاك هذا القطاع، الفارق هو في اختلاف الأداء الإداري، وامتلاك الوسائط والآليات ‏الإشرافية والرقابية الضامنة لحسن إدارة هذا القطاع.‏

في مجتمع يفتقر إلى الثقافة الاقتصادية وتحديداً ثقافة الثروة باعتبارها عنصراً حيوياً في بناء ‏وتطوير المجتمع، تتموضع الدولة في صدارة القرار الاقتصادي، ليس باعتبارها مالكاً بل ‏مديراً له، وهي بذلك تفسح هامشاً لنشاطات قطاعية مختلفة ومتفاوتة في قدراتها الاستثمارية ‏والانتاجية، تعمد إلى تحقيق تكامل في الأداء الاقتصادي العام.. هذه أمور بديهية في ألف باء ‏الاقتصاد، الأهم فيما يعنينا هو غياب الثقافة لقطاعي الاقتصاد والثروة عن الناشطين في هذين ‏المجالين وهو ما يستوجب الحذر منه، حيث يصبح المغامر والمتسلط ومنتهزو الفرص هم ‏القياديون الرئيسيون في حياتنا الاقتصادية، وواجهات تعاملنا مع الخارج، سيما وأن قوانينا ‏وتشريعاتنا الاقتصادية لم ترتق بعد إلى المصاف والمعايير المتعارف عليها دولياً، في وضع ‏كهذا يصبح الوطن والمواطنون مواد قابلة للبيع والشراء في أسواق البورصات العالمية.‏

هذا تحديداً ما تريده الإمبريالية العالمية التي هي نفسها لا تتورع عن اختراق قوانينها ‏ومبادئها متى تعارضت مع مصالحها القومية، ولقد دللت أحداث ما بعد الحادي عشر من أيلول ‏‏2001 على حقيقة السياسات الخطيرة التي تعتمدها الإدارة الأمريكية في حماية ما تعتبره ‏مصالحها القومية، ضاربة عرض الحائط بكل النظريات والأفكار التي تقوم عليها الليبرالية ‏ذاتها، وهو ما لاحظناه في مثل هذه الأحوال من تحميل لقراراتها الاقتصادية مضامين سياسية ‏بحتة، بغرض فرض هيمنتها وسيطرتها على الأسواق العالمية، مما حدا بالكثير من عمالقة ‏الاقتصاد الليبرالي إلى التحذير من مغبة هذه السياسات، والدعوة إلى مراجعة فورية ناقدة ‏لمفاعيل النظام العولمي، بهدف ترشيده وإعادة التوازن إلى ثنائية العلاقة بين النشاطين العام ‏والخاص، مع تأكيد خاص على دور الدولة الضابط والناظم لهذه العلاقة في مجتمعات الدول ‏النامية.‏

هذه الدعوات التي ما تزال رهينة التجاذبات في ردهات المؤسسات الاقتصادية الكبرى، لا ‏تسقط حقيقة الميل المتزايد لدول العالم الثالث نحو التحرر من قيود السياسات الليبرالية التي ‏فشلت في تقديم الحلول الناجعة لاختلالاتها الاقتصادية، وهو ما قاد إلى مزيد من التشوهات ‏المجتمعية في صورة اتساع الهوة بين من يملك ومن لا يملك، وازدياد رقعة الفقر وتراجع ‏الأداء الاقتصادي، وتنام مذهل للعجز في موازين علاقاتها التجارية لصالح الدول المتطورة.‏

أكثر من ذلك يذهب بعض المفكرين الاقتصاديين إلى تمكين الدول ذاتها سلطة ومجتمعات ‏مدنية، من التعبير عن مصالحها الوطنية بمعزل عن الإملاءات الخارجية لمؤسسات العولمة: ‏البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، ومنظمة العمل الدولية.‏

كما أن عدداً كبيراً من دول العالم الثالث بدأ في تبني سياسات إنمائية تقوم على أولويات ‏محلية ورؤى مطابقية توفر قدراً من التعامل الحر مع هموم وقضايا الداخل الوطني.‏

ولعل ما ذهبت إليه سورية من تبنٍ للمسألة الاجتماعية يؤشر على درجة الحرص الذي توليه ‏للعامل الاجتماعي في بناء اقتصاد متوازن، يراعي الكرامة الإنسانية، ويفسح المجال واسعاً ‏أمام إسهامات القطاعات الأخرى في البناء الاقتصادي.‏

خلاصة القول، إن ليس ثمة نمط واحد للنهج الاشتراكي كما يروق للبعض، بل هناك عديد ‏من المفاهيم والمضامين التي ترتبط وحاجة كل مجتمع، يتجلى ذلك في النماذج المختلفة ‏للتطبيقات الاشتراكية في العديد من دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة ذاتها، وهنا يبرز الوجه ‏الإنساني للاشتراكية من حيث ارتباطها بالعامل الاجتماعي كقيمة إنسانية، لا يمكن استبدالها ‏أو إخضاعها لمعايير ربحية محضة، وهي على عكس الليبرالية الأمريكية لا تقبل مقايضة ‏الصالح العام بمصلحة الأفراد.‏

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية