سنة كاملة للدستور… ماذا وراء الأكمة؟

سنة كاملة للدستور… ماذا وراء الأكمة؟

إن كلمة الدستور ليست عربية الأصل ولم ترد هذه المفردة في القواميس العربية القديمة, ولكن يُرجح البعض أنها كلمة فارسية دخلت إلى اللغة العربية في فترة زمنية معينة، ويقصد بها السجل أو النظام. والدستور في أي دولة هو أب القوانين, بل هو القانون الأسمى في الدولة. ويعرف اصطلاحاً بأنه: مجموعة القواعد القانونية التي تحدد شكل وفلسفة نظام الحكم في دولة ما واختصاص كل سلطة من سلطاتها الثلاث والعلاقات فيما بينها, وتبيان حقوق وواجبات المواطنين. وهو إذ يحدد سلطات الدولة ومؤسساتها يقتضي أن تكون تلك السلطات والمؤسسات خاضعة للدستور عاملة في إطاره ولا تخرج على مبادئه, ومن ثم فإنه لا يُتصور أن يصدر عن أي سلطة ما يخالفه, بل يجب أن تسن جميع القوانين وتنفذ جميع السياسات وفقاً لروحه ومضامينه. ويفضل أن يكون الدستور مكتوباً, غير أن ذلك لا يعني أن الدستور غير المكتوب لا يُعد دستوراً. والدساتير تنشأ بطريقتين: فهي إما أن تكون وليدة الأعراف والتقاليد والممارسات السابقة، وقد تُجمع وتُدون في وثيقةٍ واحدة، وهذا ما يسمى بالدستور العرفي، وإما أن تصدر مدونةً في وثيقة رسمية واحدة لتمنح للشعب أو تطرح للاستفتاء الشعبي فتسمى بالدستور المكتوب.

وهكذا تنقسم الدساتير من حيث المصدر إلى دساتير مدونة ( مكتوبة) ودساتير غير مدونة، ومن حيث صعوبة تعديلها إلى دساتير جامدة ودساتير مرنة، وكذلك من حيث طريقة الحصول عليها إلى دساتير المنحة (هبة الحاكم للشعب) ودساتير العقد (بالتوافق بين الحاكم والمحكوم) …الخ. ومن ناحية سياسية وفلسفية يمثل الدستور تجسيداً لمفهوم العقد الاجتماعي الذي أنشئ المجتمع السياسي على أساسه وانتظم الأفراد في المجتمع بموجبه. وهو أيضاً يمثل في الواقع صورة تعكس هوية المجتمع وقيمه وتقاليده وخصوصياته. والدستور في أي بلد يكفل للمجتمع استقراره السياسي والاجتماعي، وقد يفقد المجتمع ذلك إذا طالت الدستور إياد عابثة تنطلق من مصالح ذاتية ضيقة. ومشكلة الدساتير ليست في صياغتها، ولكن كما يرى ودرو ولسون – وهو من الرعيل الأول من علماء الإدارة وقد أصبح فيما بعد رئيسا للولايات المتحدة الأمريكية للفترة (1913-1921م)- في مقالته الشهيرة عام 1887م إن تطبيق الدستور أصعب بكثير من صناعته.

وما من شكٍ في أننا في الجمهورية اليمنية قد امتلكنا خلال العقود ة الماضية عدة دساتير، وكانت تتضمن عدداً لا بأس به من الخصائص ذات الصبغة الديمقراطية والعصرية المتقدمة, إلا أن المشكلة تكمن في غياب الوعي الاجتماعي بها والتجسيد الواقعي لموادها من قبل القائمين على الحكم, إذ ليس العبرة بوجود كم هائل من الدساتير والقوانين الحديثة, وإنما العبرة بتنفيذها والالتزام بها من قبل الحاكم والمحكوم على حد سواء, وهو ما نفتقر إليه في هذه البلاد الطيبة.. بل وكما قال أحد أساتذة السياسة في جامعة صنعاء: أن المشكلة ليست في الدساتير والنصوص بقدر ما هي في الهوامير واللصوص. إن ثقافة الوعي بالدستور والانتصار له والدفاع عنه .. مغيبة في حياة المواطن اليمني وهنا أتساءل: كم نسبة المواطنين الذين يحتفظون بنسخة من الدستور في بيوتهم أو مكتباتهم؟ وكم نسبة الذين يعون فعلاً ما يحويه من مضامين وأحكام؟ أستطيع الإجابة بالجزم أن الغالبية العظمى من المواطنين أي أكثر من (99%) لا يحتفظون بنسخة من الدستور ولم يقرؤوا مواده وأحكامه، ولا يفقهون شيئاً عن ماهيته ووظيفته في الحياة الاجتماعية والسياسية, ومن ثم فهم لا يهمهم وجود الدستور من عدمه أو تعديله أو تجميده وتعليق العمل به.

وأخيراً وبعد ثورة شبابية أوصلت الوضع السياسي إلى الرسو في شاطئ مبادرة خليجية تضمنت عدد من المحددات للعمل السياسي والوطني وشرعنت لعدة توجهات ومنهجيات جديدة، ومنها مؤتمر الحوار الوطني الشامل، الذي تطرق فيه المتحاورون إلى معظم ما يعانيه اليمن من معضلات ومشكلات واختلالات رأسية وأفقية، والذي أسفر عن وثيقة بمخرجاته القيمة، والتي منها بناء دستور وطني جديد، فاقتضى ذلك تشكيل لجنة من القوى السياسية المختلفة، وهي كما يبدو في غالبيتها شخصيات مغمورة وقليلة الخبرة والتجربة في المجال السياسي والدستوري، ولكن الأغرب من ذلك أن يمنحها القرار الرئاسي (سنة كاملة) لانجاز مشروع الدستور والاستفتاء عليه.

وليس عندي تفسير لهذه المدة الطويلة الممنوحة سوى أن هناك نية مبيته لإطالة أمد الحكم الحالي، فكيف أن مؤتمر الحوار استغرق (10) أشهر فقط وهو التجمع الوطني الشامل الذي تصدى بشكل دقيق لمناقشة وتشخيص كافة معضلات وتحديات البلد ووضع تصورات لحلها، بينما وثيقة الدستور وهي واحدة من ضمن توصياته تمنح سنة كاملة لانجازها. إن فترة سنة هي كبيرة في تقديري مع إن المبادرة الخليجية نصت على : تنشئ حكومة الوفاق الوطني لجنة دستورية فور انتهاء مؤتمر الحوار الوطني في مدة أقصاها ستة أشهر وتكون مهمتها صياغة مشروع دستور جديد خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إنشائها.

فقط، أقول مرة أخرى أن السنة كثيرة وكان بالإمكان في بحر سنة إذا ما توفرت الإرادة والنوايا الحسنة انجاز الدستور والاستفتاء عليه وإجراء الانتخابات البرلمانية وتشكيل حكومة جديدة وتعديل بعض القوانين وفق الدستور الجديد. ثم كيف أن لجنة التقسيم الإداري (الأقاليم) انحزت مهمتها في فترة وجيزة لم تتجاوز الثلاثة الأشهر وهي مهمة معقدة وخطيرة، فيما لجنة الدستور تعطى سنة كاملة!

أعتقد أن إيلاء أهمية كبرى لمشروع الدستور في مجتمع يفتقر للثقافة والوعي السياسي والدستوري هو ضرب من الخداع للمواطنين البؤساء بهدف صرف أنظارهم عن القضايا الجوهرية، وتفريغ طاقاتهم وإمكاناتهم في استفتاءات ومعارك سياسية وإعلامية لا طائل منها. قد يتساءل المواطن البسيط المسكون بهمه المعيشي.. هل الدستور المنتظر سيفضي إلى كبح جماح الأسعار و توفير الماء والكهرباء وإيقاف تدهور خدمات التعليم والصحة والأمن واجتثاث العنف والإرهاب والفساد؟ إن المواطنين في ظل الأوضاع المعيشية الصعبة لم يعد يهمهم وجود دستور من عدمه, وكل ما يهم هؤلاء المسحوقين يومياً بعجلات الفقر والغلاء والفساد والبطالة سوى الحصول على كيس القمح دون أي شيء آخر.. كل ما يهمهم هو وجود حاكم رشيد يتولى قيادة البلاد ولو لقرن من الزمن شريطة أن يؤمن لهم سبيل البقاء والعيش الكريم. يا سادة, إن حالة التدهور والضمور المستمر في كافة مجالات حياتنا لا توقفها تعديلات دستورية ولا انتخابات برلمانية أو إقليمية أو ولائية, المسألة باختصار تقتضي قيادة أخلاقية ورشيدة تمتلك إرادة سياسية قوية تنبثق عنها إدارة عصرية فاعلة تعمل على توظيف الموارد المتاحة بكفاءة وفعالية وعدالة.. لأنني أعتقد جازماً أن مشكلتنا بالأساس إدارية, وما المشكلات السياسية والاجتماعية والتربوية والأمنية والقضائية وغيرها إلا عوارض وتداعيات ونتائج لها. بدليل أن من يتمعن في أوضاع الدول من حولنا, وما بلغته من مستوى متقدم على صعيد التنمية الاقتصادية والبشرية, سيتأكد أن ذلك التقدم كان وراءه قيادة حكيمة وإدارة فاعلة تعمل بصمت, دون اللجوء لطبخات دستورية و أعراس انتخابية وديمقراطية. بل وما ذا يمكن أن يقال بحق دول أكثر تقدماً كبريطانيا التي مازالت تحكم حتى اللحظة بدستور عرفي (غير مكتوب) تكونت قواعده بالعادة وبالسوابق المتكررة، وإن كان لديها عدد من الوثائق المكتوبة المتناثرة كالعهد الأعظم (الماجناكارتا) منذ سنة 1215م, ووثيقة الحقوق لسنة 1629م، ووثيقة إعلان الحقوق لسنة 1688م, وكذلك الكيان الإسرائيلي الذي لا يملك حتى الآن أي دستور مكتوب.

قصارى القول أنه متى ما توفر الحاكم الرشيد والمواطن الصالح فإن العلاقة بينهما تشكل دستوراً في حد ذاتها ففي سلوكهما الواعي والمسئول تتجسد روح الدستور والقانون. خلاصة القول إن المشكلة لا تكمن في صياغة الدستور كما أكد ذلك الرئيس ولسون فهذه مسألة بسيطة وفي سبيلها يمكن الاستعانة بدساتير يمنية سابقة، وكذلك وثائق لدساتير دول مشابهة، ناهيك عن حق اللجنة في الاستعانة بخبراء متخصصين في القانون الدستوري، وهي مهمة لن تتعدى الثلاثة الأشهر في أحسن الأحوال، لا أعرف سببا للإطالة وتبديد الوقت في مسألة مألوفة ومعروف نتائجها فيما نحتاج ادخار الوقت لمهام وتحديات وطنية جسيمة تنتظرنا على صعيد البناء التنموي. هذا رأيي ولكن يبدو أن وراء الأكمة شيء آخر.!