المآلات الكارثية لإدراج اليمن تحت البند السابع

من الضروري التوضيح بداية بأن الخبرة المستقاة من دراسة تاريخ مجلس الأمن تشير إلى أنه يعمل كمجلس سياسي يتحرك وفق مصالح الدول النافذة فيه وليس هيئة للعدالة والإنصاف.

ولذا فإن صدور أي قرار بموجب الفصل السابع من الميثاق، يعد أمراً خطير على أي دولة للأسباب التالية:
1ـ تتضمن الإجراءات الصادرة وفقا له عنصر الإجبار والقسر، باعتبارها قرارات لجميع الدول، وليست توصيات كالتي تتضمنها أحكام الفصل السادس.
2ـ يتمتع مجلس الأمن طبقاً لأحكام الفصل السابع من الميثاق،

وبموجب ولايتـه العامة على الدول الأعضاء، بسلطات تقديرية واسعة جداً بل وخطيرة ضمن إطار ما يسمى حفظ السلم والأمن الدوليين.

3ــ أن مجلس الأمن يتمتع بسلطات تقديرية واسعة تخوله تقرير إذا كانت إجراءاته هذه كافية للغرض، أو أنه يتخذ إجراءات أخرى.
4ــ أنه بعد وضع مجلس الأمن لدولة تحت الفصل السابع يظل له حق تقرير أن يبقي موضوع النزاع في جميع الأحوال محل نظره
5ــ أنه في حالة اتخاذ مجلس الأمن لقرارات تتعلق بحالة تهديد السلم والأمن الدوليين تمتنع الجمعية العامة عن إصدار أية توصية بشأنه ما لم يطلب المجلس منها ذلك.
وفيما يتعلق بمآلات قرار مجلس الأمن 2140 الخاص باليمن يمكن الحديث عن تصورين للمآلات أحدهما إيجابي والآخر سلبي ، ويمكن توضيح كما يلي:

تصور المآلات الإيجابية:
• سيؤدي القرار إلى طي مرحلة نظام الرئيس السابق، واستعادة أموال الشعب المنهوبة، وتحقيق الاستقرار ومساعدة اليمن على النهوض،

ومنع استمرار الأعمال الإرهابية والتخريبية للخدمات العامة والبنية التحتية، ووقف انتهاكات حقوق الإنسان، وسيشمل الجماعات المسلحة التي تنتهج العنف، وبالتالي يمكن أن يمثل سنداً لمحاسبة الجهات والقوى التي تستخدم السلاح في الشأن الساسيي وليس فقط الإرهابيين والخارجين عن القانون.

• إضافة إلى أن القرار سيؤدي إلى تشكيل لجنة للتحقيق في أحداث 2011م، وفي نفس الوقت الإسراع بإصدار قانون العدالة الانتقالية، بما يحقق العدالة والإنصاف.

تصور المآلات السلبية:

هنالك مجموعة من المآلات السلبية الناجمة عن القرار ويمكن إجمالها كما يلي:
• القرار يمثل سابقة ونموذج جديد لأسلوب التعامل الذي تسعى من خلاله بعض الدول الغربية لابتكار أسلوب جديد لفرض الوصاية على الدول والهيمنة على مقدراتها والتحكم بسلوكها السياسي.

• الفقرة التي وضعت الواردة في القرار ونصها:” وإذ يقرر “المجلس” أن الحالة في اليمن تشكل تهديدا للسلام والأمن الدوليين في المنطقة، وإذ يتصرف بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

“، فتحت الباب لوصاية مجلس الأمن ونقلت اليمن من دولة كاملة السيادة إلى دولة منتقصة السيادة.كما فتحت الباب واسعاً للتعامل مع اليمن كدولة فاشلة وتقديمها للعالم كمصدر لإقلاق السلم والأمن الدوليين ، لكسب صورة دولية شرعية للتدخل والعقاب.

•شرعنة استمرار نوع من الولاية لمجلس الأمن على اليمن، حيث نص القرار في أكثر من فقرة على أن مجلس الأمن سيبقي الحالة في اليمن قيد الاستعراض المستمر وانه سيكون على استعداد لاستعراض مدى ملائمة التدابير الواردة في القرار ،

بما في ذلك تعزيز أو تعديل أو تعليق أو رفع التدابير ،حسبما تدعو إليه الحاجة في أي وقت في ضوء ما يقع من تطورات.

وهنا يصبح التخوف مشروعاً من ينتج القرار تبعات مدمرة لليمن ولمستقبله كدولة حرة ومستقلة ذات سيادة، ومما يجعل التخوفات مشروعة أنه في الحالة العراقية تم وضع العراق تحت الفصل السابع 1990 بعد احتلاله لدولة الكويت واستمر حتى يوليو 2013م رغم زوال الدواعي التي اقتضت ذلك.

• القرار يضع اليمن رهناً للجنة العقوبات التي سيكون لها القدرة على تحديد من على الصواب ومن على الخطأ في اليمن.

من الذي ينبغي أن يعاقب ومن الذي ينبغي أن يكافئ، وما على اليمنيين إلا الانصياع للسوط الذي ستلوح به اللجنة، وضبط سلوكهم بناء على النغمة التي ستعزف عليها، وفي هذا الإطار سيتم الإكراه على فرض تطبيق مخرجات مؤتمر الحوار لاسيما التي تتعارض مع أحكام الشريعة الإسلامية وتتعارض مع الثوابت الوطنية.

وعليه فالقرار سيتم استخدامه في عملية علمنة الدولة والمجتمع اليمني التي تعد من المصالح الأيديولوجية للدول اللبرالية التي تقود النظام الدولي وتروج لعولمة القيم اللبرالية، وفي هذا السياق يمكننا تفسير بعض جوانب نص القرار على معاقبة من يقوم بالتخطيط أو انتهاك حقوق الإنسان ، رغم وجود اختلاف بين تصورات حقوق الإنسان في الشريعة الإسلامية وفي الاتفاقيات الدولية التي نصت على الالتزام بها مخرجات مؤتمر الحوار.

• إجبار الشعب اليمني على القبول بتحول شكل دولته من الموحدة للفيدرالية كما نصت على ذلك وثيقة ابن عمر ،

بما يؤدي إلى انتهاء الوحدة الاندماجية ، ومن المعروف أن نجاح الشكل الفيدرالي للدولة يتطلب بداية تأسيس دول قوية ،وهذا غير متوفر في الحالة اليمنية، بينما تفيد خبرة الدول القريبة من حالة اليمن أن الفيدرالية كانت مقدمة للانفصال والسودان أبرز نموذج لذلك.

• مصادرة حق الشعب في العودة إليه ليختار حكامه وممثليه وذلك من خلال نص القرار على ما يؤدي إلى فتح الباب لبقاء كل مستويات الحكم للبقاء في مواقعها، واستعاض عن المدد الزمنية الواردة في الآلية التنفيذية المزمنة بالحديث عن «الوقت المناسب»!!..

وعليه فقد أدى القرار إلى التمديد التلقائي للرئيس الحالي حتى يسلّم اليمن إلى الرئيس الجديد الذي يتم انتخابه لاحقاً، ويلزم من ذلك بقاء حكومة الوفاق.

• من المآلات المحتملة إمكانية تصاعد حالة التبعية للخارج فالقرار يمثل إعلانا واضحا وصريحا بدعم مجلس الأمن والدول النافذة فيه للنظام الحاكم، في مواجهة من سيقف في طريقه، وفي هذه الحالة من المحتمل أن ترتبط هذه المساندة بدرجة عالية من التدخل الأجنبي في السياسات السيادية واتخاذ القرارات وربما بعدها تعيين المسئولين بما يتماشي مع مصالح الدول النافذة في مجلس الأمن ويتوافق مع فرض سياسات خاصة تلبي طموحات تلك الدول في اليمن ، ولسنا بحاجة للتوسع في شرح العلاقة بين التبعية والاستبداد ، فمعلوم أنه كلما زادت التبعية للخارج تصاعد الاستبداد في الداخل حتى يصبح المواطن عبد العبد والأجنبي سيد السيد.
• من المآلات المحتملة التأثير سلباً على حقوق وحريات المواطنين، والمعارضين سلمياً للأداء السياسي الرسمي،

حيث يظل الاحتمال قائماً في اعتبار أنشطة الاحتجاج والمظاهرات والإعتصامات السلمية من قبيل ممارسة عرقلة عملية الانتقال السياسي، ولنضرب مثالاً على ذلك عزم الحكومة رفع الدعم عن المشتقات النفطية ففي الوقت الذي ستنظر له الحكومة كإصلاح اقتصادي شجع عليه قرار مجلس الأمن ، فإن المواطنين سينظرون إليه كسياسة إفقار لاسيما في ظل عدم اتخاذ الحكومة لأية إجراءات حقيقية لمواجهة الفساد الذي سيستشري في مختلف مرافق الدولة.

• من أهم مآلات وضع اليمن تحت الفصل السابع توفير غطاء شرعي دولي للعملية السياسية القائمة،

وللمرحلة القريبة القادمة والتي من المحتمل أن تشهد عملية إعادة هندسة اليمن هوية وأرضاً وإنساناً، حتى يسهل السيطرة عليها والتحكم بها استراتيجياً، وبما يخدم أجندة ومصالِح القِوى الإقليمية والدولية المُهيْمِنة.

• أن النص في القرار 2140 على أن الوضع في اليمن يهدد الأمن والسلم الدوليين في المنطقة ،قد يستخدم في أداة الاستراتيجيات الدولية المتصارعة على المناطق الحيوية في العالم ، فتحت ذريعة حماية الأمن والسلم الدوليين في منطقة الخليج والقرن الأفريقي، يصبح من المحتمل اتخاذ القرار مطية لأي قرار قادم من مجلس الأمن تستخدم بواسطته القوة العسكرية ضد اليمن وإقامة قواعد عسكرية برية وبحرية.
كما أن القرار يتيح للدول الكبرى التذرع بأمن واستقرار المنطقة والملاحة الدولية للسيطرة العسكرية المباشرة على مضيق باب المندب وخليج عدن وبسط سيطرتها عليهما حماية لنفوذها ولمصالحها في المنطقة والإقليم.

• من المآلات المتوقعة تسريع عملية هيكلة الجيش اليمني حسب مخرجات مؤتمر الحوار التي دعت إلى تقسيم الجيش والأمن وتركيبهما على أساس مناطقي،

بحيث يتم تقاسم مراكزه القيادية مناصفة بين ما يسمونه جنوب البلاد وشمال البلاد وبما يؤل إلى تحقيق التقاسم الكامل للجيش اليمني قيادة وأفراداً على أساس تشطيري جنوبي- شمالي، حيث نصت مخرجات مؤتمر الحوار على أن: ” يتم التمثيل في القوات المسلحة والأمن والمخابرات في المرحلة التأسيسية % 50 شمال و% 50 جنوب على مستوى المراتب القيادية في الجيش والأمن والمخابرات ما عدا ذلك % 50 سكان و% 50 جغرافيا. “.

• من المآلات أنه في حال إخفاق العقوبات فإن القرار يسمح باستخدام القوة العسكرية إن لم تفلح التدابير الاقتصادية والسياسية المقترحة، وسيلحق ذلك دمارا كبيراً بالشعب اليمني والقطاعات الحيوية والإنتاجية والخدمية، كالاقتصاد، والتعليم، والصحة، والأمن، وغيرها.

* من ورقة عمل قدمت في ندوة لمركز البحوث للدراسات السياسية والإستراتيجية

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية