التأثيرات البينية والإقليمية لثورات الربيع العربي

لم يكن يخطر ببال الشعوب التي قامت بثورات الربيع العربي بأن مألات تلك التحولات بعد ‏عقود من الاستبداد والحكم الشمولي والفساد أن تتداعى الأمور على النحو الذي آلت إليه ‏الأوضاع في تلك البلدان وتنزلق في الفوضى بل وبعضها على حافة الحرب الأهلية أو كادت، ‏مقرونا بغياب الدولة وظهور جملة من التناقضات، وكذا متزامنا كل ذلك مع اختلال لافت في ‏النظام الإقليمي برمته، وليس هناك حتى أي من تلك البلدان قد استقرت فيها الأحوال والتحول ‏ إلى ما كانت تصبو اليه النخب المعول عليها حمل مشاعل التغيير وتحقق طموحات تلك ‏الشعوب التي ترنوا للاستقرار وإرساء قواعد وأسس أنظمة تترجم طموحات من شاركوا في ‏تلك الثورات التي بدأت بعضها عفوية ورد فعل لما وصلت اليه الاحوال والحلم بالعيش تحت ‏ظل دول مدنية تحتكم لمؤسسات دستورية قولا وعملا .‏

وكذا لم يكن أحدا يتوقع تداعيات ذلك خارج حدود تلك البلدان بل ويتعداه إلى الجوار ‏الإقليمي العربي، فالأوضاع إجمالا قد انزلقت وتداعت بصورة مخيفة فعلا وبوتيرة متسارعة ‏نحو مزيدا من التفكك والانقسام الاجتماعي والاستقطاب المذهبي والسياسي بصورة لم يسبق ‏لها مثيل، ويعزى ذلك بداهة لأسباب موضوعية وذاتيه وظروف كل من تلك الدول، فالتحول ‏الذي شهدته مصر بعد حراك لم يدم طويلا أسفر لحكومة من ما سمى بتيار الإسلام السياسي ‏الذي لم يصمد بدوره أكثر من عام وهو الأمر نفسه في بلدان عربية التي شهدت مخاضا ‏وارتدادات لتلك الثورة ابتداء من تونس وانتهاء باليمن، ففي ليبيا على سبيل المثال لا تزال ‏تراوح بين تطلعات وطموحات إرساء أسس دولة نظام وقانون وبين واقع مؤلم ودولة مهدده ‏بالتقسيم والفدرالية التي قد تقسم الشرق الليبي بغربه، ويدخل في ذلك تنامي النزعات الجهوية ‏والقومية، تماما كما حصل ويحصل في اليمن التي اتجه اهتمام بعض النخب المتحاورة لما ‏يقارب العام إلى تطلعات فدرالية تغذيها نزعات جهوية في خضم تنامي النزاعات المذهبية من ‏جهة وبين الإسلاميين وخصومهم من جهة أخرى، كل ذلك في سياق انقسام سياسي واستقطاب ‏بين مراكز القوى المتحكمة في المشهد السياسي اليمني سابقا ولاحقا، إذ من المفارقات إنها في ‏الأغلب نفسها التي تحكمت بتفاصيل الحياة السياسية لعقود المتحالفة بالأمس المختلفة ‏والمتناحرة اليوم . في حين لم يكن هذا المشهد في كل بلدان ما عرف بالربيع العربي وهو ما ‏ميز الربيع العربي في نسخته اليمنية.‏

واللافت أن ما جرى في كل بلد من بلدان الثورات كان له تداعيات وتأثير حتمي على دول ‏مجاورة بل وعلى موازين القوى التي تبدلت بسقوط نظام ومجى آخر، فتغير النظام في ليبيا ‏كان له تأثيرات أمنية في بلدان الجوار عربية أو افريقية، وسقوط مبارك في مصر مثلا كان ‏بمثابة نكسة وخسارة إستراتيجية لإسرائيل وفي المقابل فأن سقوط الإخوان كان دليل فشل ‏سياسة تركيا في المنطقة التي زعمت منذ سنوات بأن خطتها في السياسة الخارجية هي (صفر ‏مشاكل) ولكن لم يحدث ذلك قط على ارض الواقع فعلاقتها توترت مع دول الجوار العراق ‏وسوريا، بل وإيران، رغم ‏

محاولتها ترميم ما أفسده الدهر مع تلك البلدان ولاسيما إيران، بل ان المشاكل لحقت قادة ‏تركيا في عقر دارهم بإثارة حفيظة الأقلية العلوية فيها ضد حكومة اوردغان، كما أن الثورة ‏المتعثرة في سوريا قد ألقت بظلالها على الوضع في لبنان برمته امنيا وسياسيا واقتصاديا ‏فلبنان الأكثر تأثرا من دول الإقليم بما يحدث في جارتها سوريا وهي في تداخل اقتصادي ‏وتأثير سياسي وفي النسيج الاجتماعي منذ نشأته، بل انه رزح نحو ثلاثون عاما ببقاء الجيش ‏السوري في أراضيه بما يقارب نصف مدة عمر هذا البلد منذ استقلاله . ومن هنا فليس ‏مستغربا في المقولة التي تقول عندما تصاب سوريا بالزكام تعطس لبنان، وهاهي حمى ‏الصراع في جارتها سوريا تنقل النيران الملتهبة اليها و يزيد من هموم وانقسامات البيت ‏اللبناني بصورة لم يسبق لها مثيل، لقد اتسم تاريخ لبنان الحديث في العقود الأخيرة بسمة التأثر ‏المتبادل بما يجرى في دول الإقليم، لدرجة اعتباره ساحة لتصفية الحسابات والصراع بين قوى ‏إقليمية، ومما ساعد على ذلك لاشك بنيته الاجتماعية المتكونة من كيانات سياسية وطوائف ‏مختلفة، فكان يعاني من تلك الإشكالات حتى قبل اندلاع الثورة السورية مطلع العام 2011 م، ‏ولكن من جهة أخرى يعتبر البعض ضعف لبنان عامل ميزة في بعض الاحيان بل قوة له، ‏حيث قيل أن قوة لبنان في ضعفها تماما مثل سويسرا التي نهجت الاسلوب الحيادي في علاقتها ‏الدولية، وهو خيار منطقي في خضم الصراعات الدولية .‏

صحيح ان لبنان عرف في بعض مراحله كنموذج للتعايش السلمي بين مكوناته، وكانت ‏سوريا تعتبر شوكة الميزان لفرض تلك الحالة السلمية، إلا انه بعد الأزمة أصبحت قبضة ‏سوريا ضعيفة ليس على لبنان بل على أمنها القومي نفسها فلم تستطيع ضبط الحدود مع ‏جيرانها في الشرق والغرب على حد سواء، وتشير التطورات بأن حلفاء سوريا في لبنان لن ‏يسمحون بقلب المعادلة، لان السيد نصر الله نفسه يعتبرها معركة مصير، وهي الرؤية ‏الإيرانية أيضا ومن ورائهما روسيا، فسقوط الأسد يُعتبر نصرا لإسرائيل لاشك، وما بقائه ‏بسكوت ورضى غربي واسرئيلي سواء تكتيك مرحلي فقط لضمان إبادة كافة الأسلحة ‏الكيماوية التي تشكل خطرا على امن إسرائيل اضافة لاعتبارات إستراتيجية أخرى في نظر ‏الغرب واسرائيل على حد سواء . فالمسائلة فقط مسالة وقت تماما كما سمحت أمريكا والغرب ‏بقاء صدام لسنوات بعد خروجه من الكويت .‏

أنها لعبة الأمم ودول الشام والعراق هي قلب صراع تلك الأمم ومحورها، لقد كان للتداعيات ‏الأزمة السورية والأزمة السورية لم تأثر فقط على لبنان ديموغرافيا بحيث شكل السوريين ‏ربع السكان فيها، كما ان الأردن هو الآخر قد تجرع صعوبات مماثله بنزوح أكثر من نصف ‏مليون مهاجر وأثر على الاقتصاد الأردني القليل الموارد أصلا . وهو الأمر نفسه في العراق ‏الذي اثر وتأثر بجواره، فغدت الحدود بين البلدين (سوريا والعراق ) ساحة للمقاتلين مما ‏يسمون بداعش (أي دولة العراق والشام الإسلامية ) فالإسلاميين في كلا البلدين يرسمان ‏ملامح المشهد السياسي في كلا البلدين، فهناك تنظيمات متشابهة ومتداخلة وبعضها متنافرة، ‏بالنظر للاعتبارات المذهبية والقومية بين البلدين، وأصبحت الحدود الشبه صحراوية بين كل ‏من العراق وسوريا مرتعا للإرهاب المتبادل بين جماعات مسلحة تختلف مع حكومتي بغداد ‏ودمشق، وكما هي تركيا عنصر مشترك في مشاكل العراق وسوريا فأن إيران هي الأخرى ‏أكثر تأثيرا في أزمتي هذين البلدين وبصورة حادة يتعلق بمصير إستراتيجيتها في المنطقة ‏عموما ولاسيما لبنان التي تعتبر سوريا بوابة للتأثير الإيراني فيما يتعلق الأمر بالقضية ‏الفلسطينية، بل ان إيران تتفوق على تركيا في مراكز النفوذ في بؤر أخرى في المنطقة ‏كالبحرين واليمن، منافسة في ذلك دول الإقليم السعودية وتركيا تحديدا!‏

وأجمالا فكل تلك الفوضى الارتدادية في بلدان الثورات التي عاقت وصول حكومة مركزية ‏قوية في تلك الدول يعزى لجملة تناقضات ومداخلات وتقاطعات في النظام الاقليمي العربي ‏برمته، لعل اهمها تداعيات إحداث الصيف الماضي في مصر والاطاحة بحكومة الإخوان في ‏مصر والتي أثرت لاشك في عدد من سياسة بلدان عربية وأقليمية، ولو بنسب متفاوتة فعلى ‏سبيل المثال حركة النهضة في تونس تراجعت عن تصلبها وتشددها بقبول الآخر ضمن ‏خارطة الأحزاب في تونس فتوسعت الترويكا لتقبل أطراف أخرى في صناعة القرار ويعزى ‏ذلك لطبيعة الأحزاب الإسلامية في المغرب العربي عموما التي تميزت بالمرونة بالنظر ‏لمشاربها الثقافية العقلانية وتأثرها بالغرب فالغنوشي على سبيل المثال قضي ردحا من الزمن ‏في بريطانيا، ناهيك على عدم وجود استقطاب مذهبي في بلدان المغرب كما هو سائد في ‏المشرق العربي.‏

كم ان من ضمن تداعيات تلك الثورات هي ضعف الدولة المركزية وعدم تمكنها من ‏السيطرة والضبط للحدود الجغرافيا، فسلاح الميليشيات القبلية في ليبيا انتشر لخارج أراضيها ‏في دول الجوار كمصر وتونس والجزائر ومالي، وهو الأمر نفسه في العراق ومنذ أكثر من ‏عقد من الزمن بعد سقوط بغداد المدوي انتشر السلاح بين ميليشيات مذهبية إلى خارج حدودها ‏أيضا وتحديدا إلى سوريا التي تشهد صراعا دمويا منذ أكثر من ثلاث سنوات. واليمن هي ‏الأخرى لم تخرج عن هذه القاعدة فاستمرار التعثر السياسي والفوضى قد يقود لانتشار السلاح ‏خارج حدودها البحرية كانت أو البرية وسواء دول القرن الإفريقي أو في جيران اليمن من ‏البلدان العربية.‏

انها الفوضى الخلاقة التي بشرت وتنبأت بها الإدارة الأمريكية منذ سنوات وهاهي غدت ‏أمراً واقعا لامناص منه، وهو الأمر الذي يؤكد فرضية المؤامرة لتطويع مسار تلك الثورات ‏على النحو الذي آلت اليه، بصيغة أو بأخرى على دول المنطقة من قوى إقليمية ودولية.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية