حملة الجيش اليمني: رسالة اتهام للأحزاب

شهدت الأسابيع الماضية أول حملة عسكرية جادة ضد تجمعات تنظيم القاعدة في اليمن، الذي كان يتحصن في مناطق شديدة الوعورة بجنوب شرقي البلاد. وبعيدا عن تعقيدات العمليات العسكرية التي نجهل تفاصيلها، فإن ما حدث، وما زال، في ساحات القتال المفتوحة يثبت أن الجيش اليمني قادر – إذا ما توافرت له إرادة سياسية غير مترددة منحه إياها الرئيس هادي دون تردد ولا وجل – على أن يخوض غمار حرب حقيقية بأقل الإمكانات، وكم يصبح المشهد محزنا عند المقارنة بين أداء الآلة العسكرية اليمنية تحت قيادة محترفة تدين بالولاء للوطن، وتعتمد على قرار سياسي واضح، وأداء فاضح السوء في الجانب المدني، ولعل الفارق بينهما أن قيادة وأفراد القوات المسلحة لا ينتمون إلى أحزاب ينظر أغلبها إلى الوطن كغنيمة يتقاسمونها ويوزعون حصيلتها بينهم.

أعترف بأني أنظر بريبة إلى الأحزاب اليمنية خصوصا والعربية عموما، ولربما كان ذلك بتأثير من نفور والدي الأستاذ أحمد محمد النعمان منها إلى الحد الذي كان يرى فيها، بعد تجربة سياسية امتدت أكثر من سبعين سنة، أنها عامل فرقة داخل الأوطان، وكانت تجربة حزب البعث، بشقيه السوري والعراقي، الأكثر قسوة في نظرته إليها، وجاء اغتيال صديقه صلاح البيطار في باريس ليدفن في نفسه آخر نظرة إيجابية تجاهها.

قبل أسابيع قليلة، تبادلت رسائل مع صديق حزبي يمني حول مقال سابق لي تناولت فيه انتهازية الأحزاب وإقصاءها الآخر الذي لا يسير في ركاب خطابها السياسي، ودعوت الرئيس هادي إلى وضع حد لانفرادها بالحياة السياسية وفرض وصايتها على الوطن دون أن تكون معبرة عن الرغبات الحقيقية للمواطنين ولا حتى منتخبة بطريقة نزيهة لتمثيلهم، وسخر صديقي مما توصلت إليه وإن كنت حقا أعتبر الأحزاب شريكة في صنع السوء القائم وإدارته.. لم أشأ الدخول في جدال، لكني سأبين وجهة نظري ولا أعتبرها كل الصواب.

تاريخيا، أقدم الأحزاب اليمنية هو حزب «الأحرار اليمنيين» الذي أسسه النعمان والزبيري في 1944 بعدن وكان أول حزب سياسي يمني، ولكنه انتهى باعتقال الأول وهروب الثاني إلى باكستان بعد فشل محاولة الانقلاب على الإمام يحيى في فبراير (شباط) 1948. وفي عام 1951، تأسس «رابطة أبناء الجنوب العربي» الذي تزعمه الراحلون الكبار محمد علي الجفري، وشيخان الحبشي، والسلطان علي عبد الكريم. وبمرور الزمان وحتى اليوم، لم يستطع الحزب بفعل عوامل عدة، منها سياسة الحزب الواحد في الجنوب ثم حصار السلطة في الشمال لنموه، وصار أشبه ما يكون بالنادي الخاص التي تنحصر أغلب قياداته في مناطق جغرافية محدودة رغم محاولاته الكثيرة في الانتشار.. وفي الخمسينات، تشكلت «جبهة التحرير» بزعامة الأستاذين عبد الله الأصنج ومحمد باسندوة، وانتهى دورهما الحزبي بخروج الجيش البريطاني من عدن في نوفمبر (تشرين الثاني) 1967 حين تمكنت الجبهة القومية من الاتفاق مع لندن لتسلم الحكم، وكانت نواتها حركة القوميين العرب وانضم إليهم لاحقا البعثيون واليساريون عموما، ثم تحولت إلى «الحزب الاشتراكي اليمني»، الذي حكم الجنوب حتى عام 1990، كما نعرفه اليوم مع تغير مساراته وتوجهاته بعد مراحل التصفيات الداخلية بين الرفاق… كما وجدت على الساحة أحزاب ناصرية وأخرى بعثية، منحتها أدواتها الإعلامية وتمويلاتها الخارجية حجما لا يتناسب مع ضجيجها ولا ينعكس على وجودها الشعبي الحقيقي، واستطاعت السلطات المتعاقبة استخدامها ومنحها أدوارا تضفي شرعية على تفردها بالسلطة دون أن ينعكس ذلك على تأثير حقيقي على السياسات والأفعال التي تمارسها. ولا يمكن إغفال حركة الإخوان المسلمين التي ساهم قادتها في التخطيط لانقلاب 48 الفاشل، ثم تحولت إلى حزب «التجمع اليمني للإصلاح».

العامل المشترك بين كل هذه الأحزاب، عدا «الرابطة» و«الأحرار» اليمنيين، هو اعتمادها حاملا فكريا وماديا غير يمني، ولعبت امتداداتها الخارجية وارتباطاتها الفكرية الدور الأبرز في تصرفاتها إلى أن سقطت الأنظمة الممولة والداعمة والحامية.. ينطبق هذا على من مارس الحكم أو من لعب دور الكومبارس.

عمد الرئيس السابق علي عبد الله صالح وأعمدة حكمه إلى ما صار معروفا في القاموس السياسي اليمني: «تفريخ الأحزاب» واستنساخ الكثير منها تحت أسماء مشابهة لاسم الحزب الأصلي، وخاصة تلك التي حاول بعض قادتها التمرد على خطوط اللعبة السياسية التي وضعها طيلة فترات حكمه. والواقع أن حزبين فقط استعصيا عليه: «الحزب الاشتراكي اليمني» بفضل أمينه العام السابق علي صالح عباد (مقبل)، ولكن إغواء السلطة مكن صالح من اقتحام الأسوار الداخلية وجذب عدد من شخصياته بتأثير المال وصار عدد منهم قياديين في «المؤتمر الشعبي» الذي انفرد بالحكم في الشمال حتى عام 2012، والثاني هو «التجمع اليمني للإصلاح»، إذ كان رديفا لحكم لصالح، الذي تمكن أيضا من استقطاب الكثير من قياداته وإغوائها والتغاضي عن سلوكها الشخصي وفسادها، لكنهم عادوا وانقلبوا عليه خلال ثورة الشباب وتمكنوا من العودة إلى دفء السلطة… ما تبقى من الأحزاب ذات الامتداد الفكري الخارجي لا تستطيع مجتمعة أن تحدث تأثيرا على الأرض، بل إن عددا من قادتها صاروا يتمسحون بالحكم الجديد ويعملون معه في وظائف اعتبارية تضفي عليهم قداسة رسمية، ولكنها تقلل من قيمتهم المعنوية، إذ ينظر إليهم الناس كباحثين عن امتيازات شخصية هزيلة مقارنة مع خسارتهم السياسية.

إن الحديث المبالغ عن دور الأحزاب تنفيه تماما مظاهر البذخ الذي يعيشه بعض قياداتهم وكيف أضحت أسيرة لأضواء الإعلام والسيارات المدرعة، وهذه هي العينة التي نراها على السطح للقيادات الحزبية التي تكلست على رأس أحزابها، بينما صراخها وعويلها عن التغيير يصم آذان العامة ليل نهار.

صحيح أن الرئيس السابق صالح استغل السلطة للاستقواء على الجميع، ولكنه أيضا، ولا يمكن لأحد إنكار ذلك، مارس صنيع معاوية ونجح في ذلك مع الكثيرين، ويصبح المشهد مثيرا للشفقة حين ينقلب هؤلاء ويحولون عقارب موجة الولاء إلى حيث وجه المانح الجديد، وكم هو مدهش الاستماع إليهم وهم يقدمون النصائح كما كانوا يفعلون مع السلف.

ليس في متواليات الأحزاب العربية وجه مضيء يحفز الشباب على الانخراط فيها، فإما أنها منهكة تبحث عن رمق العيش، وإما «مفرخة» تبحث عن راع جديد، ولما كان هذا هو الحال فلا غرابة أن تصبح الآيديولوجيات المتطرفة متسيدة للمشهد، بينما أعضاء المكاتب السياسية واللجان المركزية هائمون على وجوههم بحثا عن جدار يتمسحون بأعتابه ويهتفون باسمه زاعقين (بالروح بالدم).

غير مصنف