احد اخطر اسرار دعم أمريكا لإيران

اذا رفعت ذقن المعمم فسترى عبارة “صنع في أمريكا”
أشرف بهلوي شقيقة شاه إيران

رغم انكشاف جوهر العلاقات الستراتيجية الأمريكية – الإيرانية فان البعض مازال يتخبط في تصورها واقعا في اخطاء قاتلة تهدد قضيتنا المركزية وهي، في ضوء تحديات القرن الحادي والعشرين، حماية الهوية القومية، وتاليا الوجود القومي، لكافة الاقطار العربية وفي مقدمتها فلسطين المحتلة.

لقد كتبنا عن (خط الحياة) الذي بدونه لن ينجح المشروع المشترك (الأمريكي – الإيراني – الاسرائيلي) وهو اقامة امبراطورية فارسية تتبرقع باسم الاسلام، ومع ذلك فيبدو ان الحاجة ماسة لتوضيح الابعاد الاخرى الاخطر من اشعال الفتن وحصول التقسيم والتي تتعمد أمريكا اخفاءها.

فما هي تلك الاخطار الابعد؟ ثمة بعد ديني – سوبر ستراتيجي يتمثل في انهاء التوازن التقليدي داخل الاسلام بين جناحية الرئيسين المذهب السني والمذهب الشيعي، وانشاء توازن جديد لصالح إيران والتشيع الصفوي، لم يعد سرا ان أمريكا تدعمه رسميا ومباشرا خصوصا في عهد اوباما الذي لم يتردد في (نصح الحكام العرب) بقبول الواقع الحالي المتمثل في الدعم الأمريكي للمشروع القومي الفارسي المتبرقع بالاسلام الشيعي الصفوي.

ما هو التوزان المطلوب؟ ولماذا يطلب بهذه الحدة والاستمرارية منذ مطلع الثمانينيات؟
1- من المعروف ان الاسلام يتكون من اغلبية سنية (90%) مع اقلية شيعية (10%) وبقي هذا الحال حتى وصول خميني للحكم في عام 1979، وبقي هذا التوازن قائما لمدة 1400 عاما على هذه القاعدة رغم كل الجهود الفارسية لتغييرها في مختلف الحقب من عهد الخلفاء الراشدين إلى عهد الشاه محمد رضا بهلوي، ورغم كل الدعم الغربي الممثل في بريطانيا حينما كانت عظمى وتحتل إيران والعراق ومناطق اخرى لهدف تغيير ذلك التوازن.

واكتشف الغرب خصوصا أمريكا وبريطانيا ان السبب في حصانة ذلك التوازن وفشل خطط تغييره هو ان من حاول تغييره كان اما طائفيا متطرفا لا يستطيع التأثير في الطرف الاخر مثل ملالي إيران أو انه قومي النزعة مثل الشاه، لذلك كان لابد من تغيير ادوات تنفيذ خطة انهاء التوازن لضمان النجاح.

2- عندما تبنت أمريكا في النصف الثاني من السبعينيات خطة بريجنسكي القائمة على دعم التطرف الديني في كافة الاديان وليس في الاسلام وحده كان هدفها الستراتيجي المباشر هو تحويل موقف الغرب بقيادة أمريكا من الدفاع المتهالك بسبب قوة جاذبية الشيوعية والاشتراكية وهزيمة ا لايديولوجيا الرأسمالية إلى الهجوم بقوة ساحقة.

فطبقا لزبجنيو بريجنسكي في كتابه (بين عصرين) فان الرأسمالية تواجه هزيمة ايديولوجية وفكرية كبيرة جدا ورأى ان الحل الوحيد هو احياء ما سماه ب (الاصوليات الدينية) ودفعها للصدام مع الشيوعية والاشتراكية وحركات التحرر عندها سوف تهزم الشيوعية والاشتراكية بقوة الاصوليات الدينية وتوفر للرأسمالية الأمريكية فرصا ستراتيجية كبرى لاعادة تنظيم العالم تحت قيادتها.

وبناء على هذه الضرورة الستراتيجية تبنت الستراتيجية الأمريكية الجديدة منذ عهد كارتر خطة دعم الاصوليات الدينية ليس حبا بالدين وانما كرها بالشيوعية وحركات التحرر ورغبة في حماية المصالح الستراتيجية للاستعمار الغربي.

3- وبالفعل فان اطلاق وتعاظم الاصوليات الدينية (الاسلامية واليهودية والمسيحية والهندوسية) في العالم كله منذ الثمانينيات ادى إلى تحقيق اهم الخطوات التمهيدية للسيطرة على العالم وهي ازالة العقبة الشيوعية، واشغال واستنزاف وشرذمة حركات التحرر في الاقطار العربية – خصوصا في فلسطين والعراق وفرض خط الاستسلام للصهيونية في فلسطين وغزو العراق واسقاط النظام الوطني فيه – وذلك هو الهدف السوبر ستراتيجي لأمريكا والصهيونية بسبب النفط واسرائيل.

لقد تحقق في نهاية السبعينيات اخطر انقلاب ستراتيجي في التاريخ الحديث وهو الانتقال من مرحلة الصراع بين الشيوعية والرأسمالية إلى الصراعات الدينية والطائفية والحضارية، وكان ذلك الانقلاب الممهد الطبيعي لصعود التطرفين الطائفيين الشيعي والسني، فمنذ وصل خميني للحكم في إيران وبرز في نفس الفترة من اطلقت عليهم تسمية (المجاهدون الافغان) في افغانستان اصبح الصراع دينيا (ضد الصليبية) واليهود بشكل خاص لان من ظن من المسلمين بان انتصار الاسلام مرهون بدحر بقية الديانات وليس عبر التعايش السلمي بينها رحب بالتوجهات الخمينية والسنية المتطرفة المعادية للمسيحيين واليهود.

وما ان صار الصراع دينيا بدعم من الجهة الاخرى المكملة وهي المسيحية الصهيونية وهزمت ستراتيجية محاربة الاستعمار والاستغلال الرأسمالي التي سادت القرن العشرين، حتى بدأت المرحلة التالية وهي تمزيق الامم والشعوب الاسلامية خصوصا الشعب العربي بفتن طائفية عمياء تحرق الاخضر واليابس كان بطلاها الاساسيان هما التطرف الشيعي والتطرف السني وتنفيذ خطة قلنا بعد وصول خميني للحكم مباشرة انها خطة صهيونية أمريكية تتطابق مع الحلم الفارسي الاهم وهي خطة تغيير التوازن الطائفي، لذلك فان السؤال المنطقي هو : ما هي هذه الخطة؟

انها ليست سوى خطة نشر التشيع الصفوي بكافة الطرق لاجل انهاء التوازن التقليدي ليصبح التشيع اكثر من التسنن أو مساو له عدديا. والغرب والصهيونية كانا يدعمان ذلك ليس حبا بالتشيع وانما رغبة في تمزيق العالم الاسلامي كله خصوصا تقسيم الاقطار العربية وانهاء الوجود القومي العربي عبر حروب طائفية مهلكة ستفرض نفسها على الطرفين، فأحدهما موعود بدعم تزايد عدده والثاني يحاول المحافظة على عدده، وتلك هي خير بذرة للحروب الطائفية المتواصلة!

4- لم يكد خميني الذي عرف هدف اللعبة الصهيوغربية وطرب له يستقر في الحكم حتى شرع بشن حربا هي الاشد تطرفا ضد القومية العربية! كان شعاره هو محاربة الشيطان الاكبر (أمريكا) والشيطان الاصغر (اسرائيل) لكن فعله الواقعي كان محاربة القومية العربية وتدمير اخر معاقلها في العراق.

تصورت اغلبية كبيرة من العرب ان خميني جاء فعلا لنصرة فلسطين ومحاربة الشيطان الاكبر والشيطان الاصغر، لكنها اكتشفت خصوصا بعد غزو العراق بان نظام الملالي في إيران هو العدو الاشد خطر على الامة العربية كلها.

والسبب هو ليس فقط تعاون نظام الملالي مع أمريكا واسرائيل ضد الامة العربية كلها بل نجاحه في تحقيق تقدم ملموس في زعزعة التوازن التقليدي داخل العالم الاسلامي من خلال تسخير كافة قدرات إيران المالية والبشرية للتبشير بالتشيع الصفوي مستغلا الفقر والامية وفساد الانظمة العربية وتبعيتها للغرب وتواطؤها مع اسرائيل لتحقيق تقدم طائفي في الاقطار العربية وبناء ميليشيات خطيرة جدا مسلحة بطريقة فعالة، وما حزب الله والحوثيين واحزاب الدعوة في الاقطار العربية خصوصا في العراق والبحرين الا امثلة على هذه الميليشيات التابعة لإيران! وهكذا فان فلسفة ان اليد الواحدة لا تصفق لانه يحتاج ليدين تحققت ببروز تطرف سني طائفي يقابل التطرف الشيعي الطائفي وليصبح التصفيق الحاد للطائفية وليس للوطنية والقومية، وتلك هي اكبر نكبات العرب واكبر انتصارات الفرس والصهيونية والاستعمار الغربي.

ماهي اهداف هذا التغيير الواقعية؟
اولا الاهداف الإيرانية : لإيران اهداف متنوعة تستطيع تحقيقها اذا تغيرت نسبة التوازن في العالم الاسلامي فكلما زاد عدد داعمي إيران في العالم الاسلامي كلما زادت فرص تحقيق الاهداف القومية الفارسية، اهم اهداف إيران ما يلي :

اقامة امبراطورية فارسية حلمت بها النخب الفارسية منذ تحطيم امبراطورية فارس بالفتح الاسلامي، وقد قالها اكثر من زعيم إيراني من بينهم هاشمي رفسنجاني: لماذا من حق العرب والترك اقامة امبراطوريات باسم الاسلام ولا يحق للفرس ذلك؟
تحقيق اهم هدف جيوبولتيكي قديم لفارس وهو حيازة ما ينقص إيران من مياه واراض زراعية بالسيطرة على العراق وغيره، فهي لا تملك سوى 15% ارضا صالحة للزراعة من مساحتها الكبيرة وهذه المساحة الصغيرة مقارنة بالسكان لايمكن استغلالها كلها لوجود نقص حاد في المياه، لذلك فان فارس عبر التاريخ كانت تغزو العراق كلما واجهت القحط والجوع الجماعي لان العراق فيه مياه كثيرة وارضه صالحة للزاراعة.
الانتقام من العرب لتحطيمهم امبراطورية فارس.

ثانيا الاهداف الأمريكية : تستبطن ستراتجية اشعال الحروب الدينية والطائفية اهداف متنوعة تريد أمريكا الوصول اليها من ابرزها ما يلي :

تفتيت الامم كافة تدريجيا على اسس ما قبل الامة والدولة الوطنية لتسهيل السيطرة عليها، والامة العربية هي اول من يجب ان يتفتت عن طريق فتن طائفية وعرقية وحضارية لان أمريكا وصلت مرحلة شيخوخة نظامها الرأسمالي الذي اصبح عاجزا عن توفير احتياجات امبراطورية قامت على النهب اصلا، ولكي تتواصل هيمنتها على العالم يجب ان تبقى مسيطرة على موارد الامم وزيادة السيطرة بازدياد خطورة ازمتها البنيوية، وما لم تشرذم الامم لن تستطيع أمريكا لا السيطرة عليها ولا استغلال مواردها ومن ثم سوف تموت.

القضاء على حركات التحرر وهي التهديد المتبقي لها بعد زوال الاتحاد السوفيتي، فبقوة الفتن الطائفية وحروب الاديان تستطيع أمريكا فرض نمط يخدمها من الصراعات ويبعدها عن شبح الانهيار.

وجود اسلام سني بمواجهة اسلام شيعي صفوي يضمن التدمير التدريجي لمركز القوة الاسلامية التقليدية عبر صراعات اسلامية – اسلامية (بين دول) وسنية – شيعية (بين بشر) تحول العالم الاسلامي من عالم ينتمي لدين واحد إلى معسكرين متقاتلين لا سبيل إلى التوفيق بينهما ولا يتوقف الصراع الا بزوال احدهما!

وبما ان هذا التوفيق في ظل حروب طائفية دموية مستحيل فان الحرب بين المسلمين سوف تكون ابدية إلى ان تدمر كل المسلمين وبالاخص العرب تدميرا شاملا، وتحولهم بنظر العالم إلى (محاربين لا يحبون السلام والاستقرار تحركهم احقاد وثأرات لا تنسجم مع حالة العالم ومصالحه)، وبذلك ينشأ توافق عالمي على ان القضاء على الاسلام هو الحل الوحيد لانقاذ العالم من (شروره)، وبما ان ذلك يعني القضاء على الدول العربية والهوية العربية وليس الانظمة فقط فان المتضرر الاكبر هو الانسان العربي في كل مكان.

ان حروب العالم الاسلامي الدائمة سوف تفرض التفكير الرجعي الغارق في الاوهام في كل العالم، فبقوة الاساطير التوراتية حول الارميجادون وعودة المسيح، ومن ثم المهدي المنتظر على اعتبار الاخيرة نسخة واضحة من الاولى، وفي بيئة الخراب والهلاك الشاملين يبقى الامل في الانقاذ هو الاسطورة والحلم. وبايصال العالم لهذه الحالة يجمد التفكير العلمي والواقعي وتسقط المفاهيم التحررية والضوابط القانونية والحقيقية وتحل محلها مفاهيم القوة الخاضعة لحوافز اسطورية من المستحيل دحضها في تلك البيئة المهلكة.

ثالثا اهداف الصهيونية وكيانها في فلسطين المحتلة : لاسرائيل اهداف خطيرة من وراء دعم التطرف الاسلامي بجناحيه السني والشيعي لانه يحقق اهم اهدافها الستراتيجية ومنها :

1- اقناع العالم بان الصراعات في الشرق الاوسط دينية طائفية عرقية وليست حقوقية ولذلك فان العالم سوف ينقسم على اساس ديني وليس حقوقي عند تحديد موقفه من الصراع بين العرب والكيان الصهيوني، وتلك هي الفرصة التاريخية لاسرائيل لتحقيق كامل اهدافها مادام الحق القانوني الفلسطيني والعربي العام قد اخفي تحت غطاء ديني زائف.

2- دعم الهدف الصهيوني الكبير وهو الاعتراف بأسرائيل كدولة يهودية على اعتبار ان كافة الاطراف الاسلامية وغير الاسلامية تعمل باسم الدين وتحارب تحت رايته وبهدف اقامة دول أو امارات دينية (الاسلامويون مثلا اعلنوا قيام دولتهم في العراق وسوريا وليبيا حتى قبل توفير الحد الادنى من مقومات اية دولة وشرعوا في تنفيذ الحدود بما في ذلك قطع الرؤوس)! أو انها اقامتها فعلا (إيران، العراق،السودان، ليبيا، مصر، تونس،اليمن…الخ) فلماذا ينكر على اسرائيل نفس الحق؟

3- اقناع العالم بان الاسلام بذاته عدواني وسيلته الحرب والعنف وليس القدوة الحسنة والاقناع كما هو في حقيقته وان المسلمين بطبعهم عدوانيون ولا يفهمون معنى السلم والوسائل السلمية وتسيطر عليهم الوحشية وشرب الدماء وعشق الموت! ان ما يجري الان باسم الاسلام من وحشية في القتل وديكتاتورية مطلقة في التعامل تجسيد عملي لهذا الهدف الاسرائيلي الجوهري، وعندما يقتنع العالم بهذه الدعاية فانه يصبح جاهزا لتقبل ابادة المسلمين جماعيا أو اضطهادهم بلا رحمة وبلا نجدة أو دعم أو تعاطف حتى على اسس انسانية.

4- تخلص اسرائيل من اخطر تهديد لها وهو تهديد الاقطار العربية عبر زج الشعب العربي في حروب داخلية فيما بين ابناءه، وهو ما نراه الان في العراق وسوريا وليبيا واليمن والبحرين ومصر وتونس ولبنان والسودان، اضافة لحروب مع المسلمين من غير العرب وابرزها حروب الفرس ضد العرب، فتتحطم قوى العرب وتجعلهم عاجزين حتى عن حماية انفسهم.

5- بعد تفتيت وتقسيم الاقطار العربية يصبح الحلم الصهيوني (ارضك يا اسرائيل من الفرات إلى النيل) ممكن التحقيق لزوال اي قوة عربية.
ما لم ننظر إلى كوارثنا التي اتخذت شكلا تأمريا علنيا اكثر خطورة مما سبق منذ عام 2011 على انها نتاج المخطط الصهيوأمريكي المتطابق مع المخطط الفارسي التقليدي فاننا لن ننجو من كوارث قادمة اكبر لن تبقي مخلوقا منا ولا حجرا عاليا لنا. نقطة البداية الصحيحة هي الاقتناع التام بان (الربيع العربي) ليس سوى ربيع بني صهيون المصحوب بتوأمه الجيني : ربيع بني فارس. الصراع الحالي الذي تفرضه إيران بدعم أمريكي صهيوني واضحين ورسميين لتغيير نسب العالم الاسلامي هو حجر الزاوية الذي تقوم عليه الخطط الصهيوأمريكية الان. ولكن هل الجواب الطائفية المضادة؟ كلا ان الحل الوحيد الضامن لنصر الامة العربية وخروجها من هذه الكوارث هو العودة للرابطة الوطنية في كل قطر واعتبارها الرابطة الام والاساسية، وللرابطة القومية العربية على المستوى العربي واعتبارها الهوية الوحيدة لكافة العرب.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية