معاً إلى “التشيّع الوطني”

طفت على السطح اليمني (وبعض الأسطح العربية أيضاً) حالات تشيّع ضيقة، تؤكد حالة “فقر (وعي وطني)” يتسيد المشهد، مما جعل البلد نهباً لأطماع الطامعين وتربص المتربصين بأمن المنطقة ككل.

أياً كان انتماء المتربصين ومذهبهم ومصلحتهم ومخططهم تجاه اليمن بشكل خاص أو المنطقة بشكل عام، فإنهم يجدون في “فقراء الوعي الوطني” مرتعاً خصباً لمشاريعهم أكانت سياسية أم اجتماعية. ويضاعف من قدراتهم على التمدد والتوسع الإخلال بما يبرم من اتفاقات وعهود داخلية تهدف إلى التسوية والتهدئة الشاملة.

الأدهى من ذلك تضخيم “حَبة” من الخلافات الشخصية لتصبح “قُبة” يتشيع لها الرأي العام (…)، بينما الرأي العام منشغل بخويصة نفسه اتباعاً للنهج النبوي الكريم: “إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوىً متبعاً، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك”.

يزيدُ الطين بلّة، هذا الانشغالُ ب”خويصة النفس”، وانحسارُ الاهتمام بالشأن العام الداخلي الذي غاص فيه الخارجُ إلى حد عميق، قافزاً من منصة المصالح المشتركة!

ويشترك كل الخارج وبعض أهل الداخل، في الحرص على استقرار وأمن اليمن كونه لا يتجزأ من أمن المنطقة والعالم. لكن من رَهَنَ نفسه لخويصةِ النفس أو تشيَّعَ لمصلحةٍ ضيقة، يفتقد هذا الحرص المشترك.

قد يزيدُ الأمرَ تعقيداً شيوعُ “التشيع الضيق” لدى كل الأطراف السياسية، بسبب غياب المشروع الوطني، وبالأحرى الثقافة الوطنية، لا الدعاية السياسية، التي يتطلبها اصطفاف المواطنين وراء القيادة السياسية ممثلةً بالرئيس عبد ربه منصور هادي، لتنفيذ “المُنقّى والمُصفّى” من مخرجات الحوار الوطني، واستكمال ما تبقى من الآلية التنفيذية للمبادرة الخليجية.

هذا الوطن بمواطنيه جميعاً، وبغضِّ النظر عما يعتمل، وصار يعتمل في نفوس بعضهم تجاه بعضهم الآخر، يحتاج إلى “تشيّع وطني” يتشبع بثقافة وطنية تعالج حالة “أنيميا الوعي” أو “فقر الوعي”، وتُثري المعارف بمتغيرات وتحولات وتقلبات التاريخ المسكون بالصراع، ومن ثمّ متطلبات الوضع الراهن.

“تشيع وطني” منفتح على الجميع. لا يتجاهل المصلحة المشتركة بين اليمن وجيرانه وأشقائه وأصدقائه. ويساهم في تحقيق التعايش بين اليمنيين دونما استثناء أو إقصاء.

“تشيع وطني” به يستشعر بنو أبين ظمأ تعز، ويتوجع بنو صعدة لما يصيب الضالع، ويهتم ابن المهرة بما يقع في حجة، وينشغل أهل ذمار بهموم مدينة عدن، ويقف بنو الجوف إلى جانب الحديدة، وتهتز وجاهات شبوة لما في إب، ويعتني ذوو لحج بما في المحويت، ويختلط أهالي حضرموت مع صنعاء، ويكترث بسقطرى أبناءُ عمران، ويحرص أهل البيضاء على ريمة، فلا ينعزل أحدٌ من أبناء اليمن الواحد أو “الاتحادي” عن باقي أهليه اليمانين.

“تشيعٌ وطني” لا يعادي أحداً. بل يحتوي كل ذي فكرٍ ورأي، وجهدٍ مخلص لبناء اليمن الجديد. عسكرياً كان أو مدنياً أو قبلياً.

غير مصنف