دول الخليج والتحدي اليمني

دول الخليج والتحدي اليمني

اليمن ظل عصياً عبر التاريخ على المستعمرين القادمين من الخارج فلم تفلح الدولة العثمانية في احتلال اليمن واكتفت بريطانيا بالساحل الجنوبي ولم تحاول السيطرة على الشمال كما غرق آخرون في مستنقعه وخرجوا منه مفلسين والسبب الرئيسي لذلك هو أن الوضع الطوبوغرافي لليمن صعب جداً حيث التضاريس الصعبة والتركيبة السكانية المعقدة ناهيك عن انتشار امتلاك السلاح.

لذلك لجأت القوى الخارجية المتمثلة في إيران ومن يقف معها وخلفها هذه الأيام إلى الحوثيين باعتبارهم حصان طروادة الذي سوف يمكنهم من التغلغل والتحكم باليمن أرضاً وشعباً لأن ولاءهم للإيرانيين وليس لليمن. أي إن اليمن سوف يصبح مستعمرة فارسية يحكمها الحوثيون بالنيابة عن طهران. وذلك على الرغم من أن تعداد الحوثيين في أحسن الأحوال لا يتعدى (10%) من سكان اليمن الأبي الذين لن يرضوا بمثل هذه المهانة والذل . فالحوثيون اليوم يقدمون طقوس الولاء والطاعة لأسيادهم في طهران ولهذا السبب لم يعد فهم المشهد يحتاج إلى كثير عناء بعد أن افصح الحوثيون عن توجهاتهم التي استعملوا من أجل تحقيقها أساليب المكر والخداع والتقية والمد والجزر. في الحقيقة الوضع اليمني أصبح شائكاً لأن اللاعبين في ساحته كثر ولأن الوضع تحول إلى فوضى وفلت وفي الفوضى والفلت تتقدم الغوغاء على العقلاء في تسيير أمور الدولة ودائما في مثل هذا الوضع يوكل الأمر لغير أهله إمعانا في إحداث مزيد من الفوضى وعدم الاستقرار لأنهما السبيل الأنجح لسيطرة الأقلية على الاكثرية من خلال تعمدها القضاء على القيادات المخلصة وتصفيتها من خلال الاغتيالات وهذا بالضبط ما يحدث على أرض الواقع هناك.

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهالهم سادوا

نعم اللاعبون في اليمن كثر فالثعابين الداخلية تتكاثر والداعمون من الخارج في تزايد ولعل أهم اللاعبين من الداخل يتمثل في:

الحوثيين والرئيس السابق علي عبدالله صالح والمرتزقة وكل من له مصلحة أو طموح يسعى إلى تحقيقه. أما اللاعبون من الخارج فإن إيران ونظام الأسد وحزب الله يأتون في المقدمة، أما أمريكا وإسرائيل وممثل الأمم المتحدة جمال بن عمر وغيرهم من القوى فإنهم يدعمون من خلف الكواليس من خلال التمييع وإخفاء الحقائق وكسب الوقت. اما اللاعب الجديد فيتمثل في روسيا التي أرسلت وسوف ترسل العتاد العسكري بصورة مسستعجلة بما في ذلك الطائرات التي سلمتها للحوثيين وذلك بالتعاون مع إيران التي تكفلت بإرسال الطيارين والمدربين والمستشارين وغيرهم إلى هناك.

اما المتضرر والمستهدفون من ذلك الحراك المشبوه فيشمل كلا من الشعب اليمني المغلوب على أمره ثم دول الخليج العربي بصورة عامة والمملكة بصورة خاصة لأن تمكين الحوثيين في اليمن يخدم التوجهات الإيرانية في تحقيق نظرية “أم القرى” التي تعبر عن أحلامهم التوسعية، وفي نفس الوقت تخدم أمريكا وإسرائيل في تحقيق رسم خريطة الشرق الاوسط الجديد التي تقوم على انقاض الدول القائمة حالياً. نعم إيران تمكنت إلى حد ما من السيطرة على مفاصل اتخاذ القرار السياسي والأمني في العراق وسورية ولبنان والآن يبذلون الجهود لتصبح صنعاء رابع عاصمة عربية يدخلونها. والمتضررون لا زالوا يستنكرون ويشجبون ويؤملون الحل من غير القادرين عليه (فاقد الشيء لا يعطيه).

إن التفاهم الأمريكي الإيراني توطد منذ تعاون إيران مع أمريكا وتسهيلها تمكين أمريكا من احتلال كل من أفغانستان ثم العراق وهذا التعاون كان له ثمن منظور يتمثل في أن أمريكا أطلقت يد إيران في

العراق بحيث أصبحت المتحكم في كل قراراته وهذا بالطبع كان مصدر نكبة العراق وتحويله إلى مستنقع للموت والدمار من خلال إحياء وتجذير الاختلافات الطائفية والعرقية والدينية هناك.

التغاضي عن التدخل الإيراني في سورية وذلك من خلال عدم دعم المعارضة السورية ليس هذا وحسب بل ثم خلق مليشيات تحارب الجيش الحر وتساعد النظام مثل داعش من جهة وتنظيم النصرة من جهة أخرى وغيرهما كما تم استخدام إرهاب داعش كذريعة لتصفية أهل السنة في العراق وسورية تمهيداً لخلق الهلال الشيعي الممتد من إيران إلى لبنان.

غض الطرف عن دور إيران في التقدم الحوثي في اليمن، فالحوثيون لا يقلون إرهاباً وتطرفاً عن أية حركة إرهابية أخرى ومع ذلك يتم الدخول معهم بمحادثات ويغض الطرف عن حراكهم فلو كان كل هذا الحراك بدون موافقة أمريكا لنزل الجيش الأمريكي والإسرائيلي والجيوش الأوروبية بقضها وقضيضها لمنع الحوثيين من السيطرة على اليمن وبالتالي على مضيق باب المندب الذي يعتبر اهم مضيق في العالم . حيث ان 75% من التجارة العالمية بين الشرق والغرب تمر من خلاله. اما سكوتهم فيثير العشرات من علامات الاستفهام.

إن من ينشد الحل في اليمن من خلال الاطراف التي تدير دراما الصراع هناك يشبه من يلاحق سراباً في قيعة وذلك لأن اولئك اللاعبين يتبادلون الادوار في الليل والاتهامات في النهار ويظل المتضرر حيران لا يدري في اي اتجاه يسير ومن يصدق ومن يكذب فهو كالكرة التي تتقاذفها الايدي، أما ميوعة المواقف وعدم الحسم فإن خير من يمارسها كل من المبعوث الأممي جمال بن عمر والرئيس هادي وذلك لانهما أثبتا عدم فعاليتهما من خلال مواقفهما المترددة مما مكن الحوثيين من الاستيلاء على مدينة عمران ثم صنعاء بكل يسر وسهولة واليوم ربما يقومان بالدور نفسه في عدن لذلك فإن المراهنة على قيادات لها انتماءات سابقة وربما اتفاقات والتزامات مع الاطراف الباغية تعتبر خاسرة لان مثل هؤلاء لا يتمتعون بالحزم ويتسمون بالتردد وميعة المواقف وهذا لايعني المطالبة بالتخلي عن التعاون معهم ولكن يجب ان يتم البحث عن بدائل اكثر قدرة على قيادة الشعب اليمني بعيدة كل البعد عن الاطراف التي تتلاعب في مصير اليمن لمصالح فردية اوتصفية حسابات شخصية أو خدمة لأجندة اجنبية وهذا لا يتأتى الا من خلال تفكير من خارج الصندوق يتبني مبادرات نوعية ينتج عنها بزوغ فجر جديد لقيادات يمنية قادرة ومخلصة.

إن الحراك الحوثي في اليمن بدون شك له مهمتان إحداهما عاجلة والاخرى آجلة أما العاجلة فتتمثل في السيطرة على اليمن بكل مقوماته وإخضاعه للنفوذ الفارسي والمتحالفين معهم، أما الآجلة فهي تشكيل رأس حربة للتدخل في دول الخليج بصورة عامة والمملكة بصورة خاصة وذلك تنفيذاً للنظرية الإيرانية “الطريق إلى ام القرى”ولتحقيق ذلك فهم يسعون بكل ما اتوا من قوة لخلق المبررات وحشد المؤيدين لهم من مرتزقة وغيرهم من اجل تصدير ونشر اجندتهم. ولذلك فان دول الخليج مندوبة إلى الحذر مما يحاك لها من مؤامرات يتمثل بعض منها في تشكيل كماشة تحيط بهم من الشمال والشرق والجنوب وجرهم إلى التدخل في اليمن بصورة مباشرة لاغراقهم فيه فهو مستنقع لن ينجو من يخوض فيه لذلك فإن البديل امام دول مجلس التعاون يتمثل في العمل على الدعم المادي واللوجستي لكل حراك ايجابي مناوئ للانقلابيين ويحفظ حقوق الشعب اليمني ويحجم الحوثيين ويردعهم عن غيهم.

إن اي تدخل مباشر في اليمن سوف يفتح الباب على مصراعيه لدخول كل من له تصفية حسابات مع دول الخليج وكل مرتزق وافاك وذلك مثل إيران وحزب الله واسرائيل ومن يقف خلفهم لدعم الصراع وتأجيجه وذلك من اجل استنزاف قدرات دول الخليج تمهيداً لانهاكها ووقف حراكها تمهيداً لاحداث قلاقل بها اسوة بالعراق وسوريا وليبيا واليمن.

نعم ان هزيمة الحوثيين لن تتم الا على يد الشعب اليمني نفسه وذلك من خلال قطع دابر الحية بعقر دارها اي هزيمتهم في صعدة وليس في صنعاء. ذلك ان تدمير الوكر سوف يقضي على كل ما ينتج منه من تمددات. بالاضافة إلى ان ذلك يؤدي إلى عدم وجود ملاذ امن لهم ناهيك عن ان ذلك يؤدي إلى قطع طرق الامداد اللوجستي والمادي والسبب ان صعدة هي مخزنهم ومأواهم ونقطة قوتهم وتجمعهم وهذا بالطبع لا يمكن ان يتم الا من خلال دعم قدرة القوات اليمنية المناوئة لهم وحشد الشعب اليمني خلف قواته ومقاوميه على ذلك اما استخدام الطيران لضرب الحوثيين فانه لن يقدم أو يؤخر ذلك ان انهم في صعدة قد اتبعوا الاسلوب الإيراني المستمد من التجربة الكورية والفيتنامية في التحصين حيث اقاموا بنيتهم التحتية تحت الارض وهذه تحميهم من الهجمات الجوية لذلك فان وجود قوة يمنية قادرة على هزيمتهم على الارض هي السبيل الامثل لدحر الحوثيين وحلفائهم.

نعم مرة اخرى إن التدخل المباشر في اليمن بمثابة انتحار ولهذا علينا أن ندع الأطراف الأخرى الداعمة للحوثيين تغرق فيه وأما دول الخليج فإن عليها الوقوف إلى جانب الشعب اليمني مادياً ومعنوياً حتى يستطيع تحرير نفسه من تلك الهجمة الحوثية الاستعمارية المؤدلجة والمدعومة من قبل إيران ومن يقف خلفها.

إن الذي يحدث في اليمن لا يعدو ان يكون محاولة لخلق كماشة تحيط بدول الخليج من أجل إعادة رسم خريطة الجزيرة العربية وإلحاقها بالفوضى الخلاقة (المدمرة) كجزء من خريطة الشرق الاوسط الجديد (المقسم والمدمر) وهذا بحول الله وقوته ابعد ما يكون عن مبتغاهم لعدة اسباب اهمها وعي كل من الحكومات والشعوب الخليجية وتضامنها وإدراكها للألعاب الاستعمارية ومحاولة جرها لمستنقع الفتن.

حمانا الله من تخطيط الاشرار ونزوات الفجار. والله المستعان.

غير مصنف