دعم هادي.. الخليج يبتلع الطعم في اليمن ويوسع الكارثة ‏

دفعت مغادرة عبدربه منصور هادي صنعاء وإعلان عودته لممارسة السلطة من ‏عدن، الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي إلى التمسك ودعم قشة شرعية هادي في مقابل ‏سلطة الأمر الواقع التي يمثلها الحوثي في صنعاء. ‏

دول الخليج وفي مقدمتها المملكة العربية السعودية تعتقد أن بقاء شرعية ‏هادي مهم يمكن دعمها واعتبارها كغطاء لمحاصرة الحوثي، وإن لم يكن هادي الخيار ‏الأفضل، إلا أنه يمكن الاستفادة من بقائه لرفض خطوات الحوثي. ‏

هذه السياسة وإن بدت الأمر الممكن الاستفادة منه بالحد الأدنى، إلا أن هناك أموراً مهمة ‏يجب التنبيه إليها، حتى لا يقع الدور الخليجي في فخ يوسع الأزمة ويعمقها في اليمن. وهذه ‏الملاحظات يمكن إجمالها فيما يلي: ‏
‏- إن الرئيس هادي الذي فشل في الدفاع عن صنعاء وحماية الدولة فيها، لن يعيد أي دولة ولن ‏يحفظها من عدن، بقدر ما يؤسس عاصمة جديدة لسلطة انفصالية ستتخذ من مقاومة الحوثي ‏والتأكيد على التمسك بالوحدة، غطاءً مرحلياً، إلى أن تنتهي من بعض الترتيبات. وبتقسيم ‏اليمن لن تنشأ دولة جديدة في الجنوب في مقابل دولة في الشمال، بل ستدخل البلاد فخاً من ‏الصراع، إلى اللادولة والتقسيم، وهو بالتأكيد لن يخدم استقرار وأمن الخليج. ‏
إن أزمة تقسيم اليمن خطر أكبر من وجود الحوثي وسيطرته على صنعاء، لأن اليمن أكبر ‏من أن يبتلعه الحوثي أو أي طرف. ويمكن في ظل يمن موحد أن يفشل الحوثي في وقت ‏قياسي. ‏

– معادلة وجود هادي في السلطة هي من جعلت الحوثي يتصدر المشهد ويسيطر على صنعاء، ‏لأن هادي يمثل أجندة دولية، لا تُخفى على دول الخليج التي تعلم أن الفوضى في اليمن ما هي ‏إلا جزء من فوضى تحتاج المنطقة. وبسبب سياسات هادي فقد وُجدت أطراف دعمت الحوثي. ‏
اليمن ليس في عدن، وما يسمى “الشمال” حسب تصنيفات التقسيم، هو أكثر من 20 مليون ‏يمني خطط هادي ومن يدعمه خارجياً لإغراقه بالحرب الأهلية عن طريق استدراج ودعم ‏الحوثي إلى صنعاء وتسليمه الدولة بغية بدء صراع بطابع مذهبي وسياسي ومناطقي في ‏العاصمة. ليتسنى تقسيم البلاد وجرها رسمياً إلى مربع الفوضى. ‏

– انقلب هادي على اليمنيين والمبادرة الخليجية التي تنص على الحفاظ على وحدة البلاد، وبدأ ‏تقسيم اليمن أولاً كشمال وجنوب، ثم ما يسمى “أقاليم”، تُمنح الحكم الذاتي. ويمكن لأي دولة ‏خليجية أن تدقق في هذا المشروع، وكيف أنه لم يكن إلا خطة إنهاء الدولة ونقل اليمن إلى ‏فوضى وصراع مناطقي مركب. ‏

‏- ألغى هادي المواطنة المتساوية بين اليمنيين وجعل – حسب مقررات مؤتمر الحوار – ‏الوظائف العليا بالمناصفة بين “جنوب” و”شمال”. مع أن سكان ما يسمى “جنوب” حدود 6 ‏ملايين وسكان ما يُسمى “شمال” نحو 20 مليون. ولم يكن هادي أو المشروع الذي مثله، ‏يهدف لإنصاف “جنوب” وإنما إشعال الفتنة بين اليمنيين والعبث بمفاهيم وأسس الدولة، التي ‏تنص على المواطنة المتساوية وعلى الوظائف حسب الكفاءة وغير ذلك من المعايير. ‏

كان مشروع هادي يقود حتماً إلى انهيار الدولة، لأن من المستحيل إعادة تأسيس اليمن على ‏نظام يتركب من عدد من الدويلات والأنظمة المسماة “أقاليم” ولا تمتلك أية مقومات أو ‏مؤسسات بقدر ما هي افتراضات تُثني اليمنيين عن بناء الدولة وتتجه بهم إلى صراعات ‏محلية. ‏

‏- مثل هادي أو الجهات الدولية التي يمثلها، غطاءً لسياسات مدمرة للجيش وغطاء ‏للميليشيات، وبدأ منذ العام 2012 بافتعال معارك جنوباً كان يسحب الجيش إليها ثم يجعله ‏تحت مطارق الجماعات الإرهابية. وأصبح معتاداً أن يتعرض الجنود والضباط لهجمات ‏تخريبية في كل أسبوع، دون أن تتحرك قيادة الدولة لوضع حد لها. وعلى العكس من ذلك فقد ‏مثل غطاء للميليشيات، فشمالاً طلب من الجيش “الحياد” ووضع ظهره مكشوفاً. ويمكن النظر ‏إلى موقفه في عمران، حين احتفل يوم تم تشييع قائد اللواء 310 مدرع، حميد القشيبي، ‏وتوجه إلى عمران معتبراً أنها عادت إلى “الدولة”. ‏

‏**‏
لم يكن هناك من حل في اليمن يوقف سير البلاد إلى الانهيار، إلا إسقاط هادي، لأنه غطاء ‏لتوسع الميليشيات وقيد يمنع الجيش والأمن من فرض الأمن يستخدم الفصل السابع للتقوي ‏على الداخل. ‏

ويخطئ من يصدق أن الجيش لم يكن يوالي هادي، بل كان الجيش والدولة كلها بيدها حتى ‏سقوط عمران، أثمرت سياساته انهيار ثقة الكثير من العسكريين ومع ذلك عاد نفوذ الرئيس ‏السابق. ‏

استغل هادي (أو المشروع الدولي الذي يمثله) الانقسام الحاد والتناحر بين الطرفين الرئيسين ‏في البلاد، وهما صالح ومعارضوه. ‏

تعامل كل طرف بطريقته الخاصة تجاه سياسات هادي، إذ التزمت قوى اللقاء المشترك، ‏وتحديداً الإصلاح ومن يحسب عليه، سياسة دعم “هادي” في كل الأحوال. ورغم كل الأخطاء، ‏حتى لا يعترفوا بفشل مشروعهم عام 2011 ويتيحوا المجال لصالح. ‏

وفي المقابل، استثمر صالح سياسات هادي وتعامل بحرفية لاستعادة نفوذه وتصفية حساباته. ‏ولم يكن إيصال الحوثي أو دعمه مشروعاً لصالح كما يردد البعض، بل إن دوره جاء كطرف ‏ثالث ركب “الموجة”. وكان ملخص رأيه، هو أن وقف الانهيار لن يتم إلا بإسقاط هادي الذي ‏أصبح يمثل مشروعاً مدمراً في كل الأحوال. ‏

وعلى الرغم من أن العصا الدولية استخدمها هادي ضد صالح وخصومه السياسيين على حد ‏سواء، إلا أنه كان من الصعب التقريب بينهما.‏

‏**‏
إجمالاً. لا يمثل هادي الشرعية المقابلة للحوثيين ولا يمثل الدولة اليمنية بل كان الغطاء ‏الأمثل للخراب، ويحمل مشروعاً مدمراً عنوانه “دولة اتحادية في اليمن” وترجمته إنهاء الدولة ‏اليمنية وانتقال اليمنيين إلى اللادولة، لأنه لا توجد دول ستتحد، كما تنشأ في العادة الدولة ‏الاتحادية، وكل ما هو موجود هو مشروع إنهاء الدولة وملامحها والتأسيس لصراع داخلي ‏يمني يُراد أن يكون طويل الأمد، يضع اليمن رسمياً في حفرة على غرار الدول العربية ‏المنكوبة.‏

‏**‏
يمكن مراجعة تصريحات هادي وخطواته في عدن منذ مغادرته، للتأكد من أنه ينشئ عاصمة ‏ولا يستخدم الشرعية سوى غطاء ولا يقف ضد الحوثيين. ‏

كيف لرئيس سلم عاصمة الدولة وغادر أن يتم الاعتماد عليه، وهو الذي سلمها، وتآمر على ‏البلد. على أنه لن يبني أي دولة انفصالية في عدن، بل يؤسس لفوضى يتبعها “داعش” وما إلى ‏ذلك من حالة خارج السيطرة. ‏

‏**‏
دعم هادي لا يضر الحوثي، حتى مع افتراض تم إسقاط الحوثي بهذه الطريقة التي تعتمد على ‏النعرات المناطقية، فإن المشكلة في اليمن ستكون أعمق وأوسع. ‏
كان وسيظل إبعاد هادي من واجهة الرجل الأول، هو الطريق الصحيح لوقف التدهور ‏وإفشال مشروع صوملة وعرقنة اليمن. ‏
مشروع هادي باختصار هو “الانفصال”، واليمنيون خارج نقاط دائرة هادي هم أكثر من ‏عشرين مليون مواطن يسيمهم “شمال”. ‏

‏**‏
ما لم يتم الحفاظ على اليمن الموحد الذي تأسس عام 1990. فإن اليمن مهدد بأن يكون جرحاً ‏عربياً كبيراً جديداً. ولتنظر دول الخليج ماذا بعد سقوط الكيان الوطني في العراق، وكيف أنه ‏يصعب التحكم، بعد السكوت عن انتهاء دولة. ‏
الحوثي الذي تقول الدول الخليجية إن سيطرته تهدد أمنها، يمكن أن تنتهي سيطرته وتنتهي ‏مع وجود عوامل الرفض الكثيرة. غير أن التورط بتقسيم اليمن هو تدشين يمن خارج ‏السيطرة، يتحول إلى عدة مراكز عملياتية للفوضى والجماعات المسلحة التي تنطلق لاستهداف ‏دول المنطقة. ‏

‏**‏
يتورط الخليج بدعم رئيس لا يمثل اليمنيين ولا يدافع عن دولتهم بل يمثل الوصاية الدولية ‏المشجعة للميليشيات والمستهدفة لدول المنطقة. وهذا التورط يصبح أخطر. ‏
إن دعم هادي هو عملية غدر واسعة النطاق تسلم مستقبل 26 مليون يمني مسلم إلى الدمار والتقسيم ‏والشتات والفتن الطائفية والمناطقية. ‏

‏**‏
لقد كان رئيساً في صنعاء، واسمه القائد الأعلى للقوات للمسلحة ورئيس الدولة، كان يمكن ‏بسهولة أن يستقيل إذا لم يكن قادراً على إدارة البلاد والحفاظ على أمنه. لكنه ممثل “المؤامرة” ‏وغطاء تنفيذها. وكان إسقاطه الحل الوحيد لإيقاف الانهيار، لأنه حتى بدون وجود حوثي كان ‏يقود البلد إلى حيث لادولة. ‏

‏**‏
إعادة هادي من عدن لن تعيد أي دولة وإذا سببت حصاراً وإرباكاً للحوثي، فهي كذلك تضر ‏بالبلد. وليس على الخليج تجريب المجرب. ويجب التأكيد على أن اليمن ليس سنة وشيعة، وأن ‏هذا التقسيم ليس ناجحاً حتى بنسبة 10%. ‏
هادي لا يمثل الشرعية الدستورية فهو أول من انقلب على الدستور اليمني والمبادرة ‏الخليجية، بل يمثل مشروع تمزيق اليمن وجره إلى اللادولة. وخروجه من صنعاء هو إكمال ‏لمخططه بتمزيق اليمن. ‏

‏**‏
الإفراج عن هادي كان “طُعماً” للخليج ليتمسك بـ”قشة” ويدعم الطرف الخطأ في اليمن، بينما ‏يترك اليمن الكبير فريسة للطائفية والصراع. ‏
هادي مشروع انفصالي ودعمه عملية غدر كبرى باليمنيين لا تؤمن الخليج، بل تمهد لفوضى ‏لن تقتصر على اليمن. ‏

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية