بين رجلين وبلدين وحربين مقدستين!

  

من صنعاء صدرت التوجيهات بشن الحرب ضد جماعة الحوثيين في صعدة، 6 مرات خلال العقد الماضي.

من صعدة أصدر قائد الجماعة توجيهاته بشن الحرب على المحافظات التي ما تزال غير خاضعة لسيطرته.

تراجيديا يمنية.
بعد اجتياح ميليشوي للشمال انطلاقا من صعدة، والتوسع غربا باتجاه تهامة وجنوبا باتجاه ذمار وإب، “الضحية” يشن الحرب على مناطق اليمن الوسطى والحنوبية والشرقية بالتحالف مع “الجلاد”.
الحرب على الإرهاب مسؤولية سلطة شرعية لا جماعة من اليمنيين تتحرك خارج أي غطاء وطني ضدا على مناطق تزعم انها تحتضن القاعدة.
هذه حرب ملعونة لن يكون اليمن بعدها “يمن”. بل طوائف وامارات إسلامية، وطوابير خامسة تشتغل لعواصم الاقليم والغرب.
في خطاب عبدالملك الحوثي اليوم تذكرت الرئيس الاميركي الأسبق جورج بوش الإبن.
في 2001 اعتبر بوش الإبن الحرب على الإرهاب _ طبقا لمفهومه الضيق _ مهمة مقدسة. وهو أشار لاحقا إلى أنها حرب دينية (صليبية) ضد تنظيم القاعدة وحلفائه. كان المعنى ينصرف إلى المسلمين وإلى افغانستان حيث تسيطر حركة “طالبان” وإلى “العراق” البلد العربي الذي صار متهما بالتعامل مع قياديين من القاعدة. لاحقا ظهر زيف الادعاء الاميركي، ولكن بعد تدمير العراق وتسريح الجيش والبيروقراطية وتفكيك البنى العصرية للدولة والمجتمع لصالح ميليشيات شيعية وسنية.
بوش الإبن تحدث في خطابه بعد احداث 11 سبتمبر 2001 عن محور الشر. وهو اعتبر العراق وكوريا الشمالية وإيران اضلاع هذا المحور_ المثلث.
بوش الإبن توعد الدول التي ترعى الإرهاب أو تأوي ارهابيين بالحرب، معيدا الحياة إلى مبدأ واشنطن في عقدي الخمسينات والستينات في التعامل مع دول عدم الانحياز، ف”من ليس معنا فهو ضدنا”!
بوش الإبن شن حربين على افغانستان والعراق، ونفذ عمليات سرية واسعة، ودشن حروب الطائرات بدون طيار خارج الشرعية الدولية، واعتمد قانون الأدلة السرية في التعامل مع المشتبه بهم في اميركا، وساق أسرى حروبه إلى معتقل خارج الحدود (جوانتانامو) لتجريدهم من أية حماية قانونية، ومعاملتهم ككائنات غير ادمية، توضع في أقفاص لدراستها تصديقا للصورة المجازية التي قدمها ادوارد سعيد لتبيان البعد العنصري لدى مؤسسات استشراقية غربية خلال القرنين ال19 وال20.
بوش الإبن تفرد ببساطته في مقاربة القضايا المعقدة في العالم انطلاقا من “خيرية” مفعمة بالإيمان عن الأشرار الذين “يكرهوننا”. لم يجهد كثيرا في التحليل، ولم يتحسب قط للعواقب. احتل دولتين واعلن انتهاء الحرب على الإرهاب، ممهدا الطرقات لجماعات مسلحة أكثر جذرية ومحلية من القاعدة.
بوش الإبن كان غاضبا وناقما وجامحا حتى أنه لم يستطع صبرا مع حلفاء مترددين او متشككين، وهو شن حربه على العراق خارج الشرعية الدولية.

***
عبدالملك الحوثي اعتبر الحرب التي يشنها على الإرهاب حربا دينية، فهو لم يستند مطلقا خلال ساعة تقريبا من التعبئة على أي نص دستوري أو قانوني يمني.
تحدث عن “قوى الشر” التي تستهدف “اليمن”!
انتقد “الحلفاء”. وعبر عن ضيقه من التسويف في “موفنبيك”. واعلم الجميع أنه ذاهب إلى “المهمة المقدسة” بدونهم.
حرص على عدم ترك مجال للشك في ما يعنيه بحربه. فهو أكد ان المناطق التي لا تتصدى للإرهاب سيتم اجتياحها. [الحرب على الإرهاب مهمة سلطة شرعية ومؤسسات خاضعة لأوامرها وليست مهمة أهلية على أية حال].

لم يظهر أي اكتراث للشرعية. حتى اتفاق السلم والشراكة الذي جرى التوقيع عليه في 21 سبتمبر الماضي، لم يعد يعنيه. صار للرجل قانونه الخاص الذي يتحرك تحت مظلته، وهو “الإعلان الدستوري”.

ماذا أيضا؟
عبدالملك الحوثي قال صراحة اليوم إن من ليس معه (في الاعلان الدستوري واجتياح المناطق) فهو ضده. حتى أولئك الذين تملقوا جماعته طيلة الشهرين الماضيين (منذ 21 يناير) لم يعرهم أي اهتمام. بل إنهم مدانون بالتسويف والمراوحة. [شخصيا لا أجد ما يزعجني في قوله، فحوار موفنبيك كان اساسا مهزلة حزبية يرعاها بنعمر] لا شيء عدا أن بوش الابن دمر دولتين عدوتين بحسب زعمه. بينما المقامرة الحوثية لن تدمر أية دولة سوى “الجمهورية اليمنية”.

***
اليمن في خطر عظيم. وإذا تابع أبطال “الحوار الموفنبيكي” الهرولة فإن حربا غير مسبوقة في تاريخ اليمن، القريب والحديث والوسيط، ستغرس “الشرور” في كل بقعة من أرض اليمن.

***
جماعة “أنصار الله” في حرب!
هناك قائد مستعلٍ كليّ القدرة.
وهناك جنود يطيعونه.
لذلك لن يظهر أي صوت مختلف أو متمايز داخل الجماعة وفي المجلس السياسي الذي لا يعدو كونه واجهة علنية تنفذ التعليمات، تماما كما اللجنة الثورية واللجنة الأمنية.
لا يوجد صوت مختلف أو حتى متمايز او ذو نبرة مختلفة.
هذا مؤشر خطير، ومثير للقلق.
ويحتاج قراءة أعمق لجماعة تقارب قضايا مجتمعها باسم “الله” و”الشعب”، وتشن الحروب في كل اتجاه.