تفخيخ الهوية الوطنية اليمنية بمشاريع التفكيك الطائفية (والجهوية)

  

سامي غالب يكتب: تفخيخ الهوية الوطنية اليمنية بمشاريع التفكيك الطائفية (والجهوية) يعني أخذ اليمن إلى فوضى الميليشيات


– في اليمن عدوان ل”الشرعية التوافقية” أحدهما في صنعاء والآخر في عدن
– ضرب “الهوية اليمنية” هو أكبر دعم ل”أنصار الله” و”انصار الشريعة” و”داعش”!
– اليمن لن يحكم بجماعة أقلوية، وهزم مشروع الحوثيين لا يكون بمشاريع تجعل من اليمنيين أقليات وأكثريات جهوية ومذهبية في محافظاتهم!

*

لمتحاذقون الذين يظنون أنهم قادرون على اقتناص “دولة” أو “دويلات” في أتون هذه الحرب المدمرة، يسلمون رقابهم ورقاب اليمنيين إلى جماعات أيديولوجية اسلاموية مسلحة.

في اليمن توجد هوية وطنية واحدة هي “الهوية اليمنية”.
وتوجد هويات فرعية (محلية) لا يوفر أي منها استغراقا في الانتماء (ذاتية وطنية) لليمنيين في مجال جغرافي عابر لأكثر من محافظة أو محافظتين. وفي أفضل الأحوال فإن أية عصبية ما قبل وطنية لن تكون أشد حضورا وجاذبية من مشروع “الحوثيين” الذي شهد طفرات في المحافظات اليمنية، شمال العاصمة صنعاء، انطلاقا من الإلحاح على احتكار تمثيل السكان من اتباع المذهب الزيدي في ظل رواج مشاريع فدرالية انعزالية تنبني على إدارة الظهر لهذه المحافظات لا على تفكيك مراكز النفوذ فيها وبسط سلطة الدولة عليها بدءا من صعدة.

اليمنيون مبلبلون في ظل فراغ قيادي على المستوى الوطني.

وعودة الرئيس هادي ونائبه بحاح إلى مدينة عدن لا يبدو انها تصنع الفارق. فالظاهر هو استمرار الانفلات الأمني وفوضى السلاح في اعرق المدن اليمنية وألصقها بالعصر. وفي الأثناء يستعرض “تنظيم الدولة” انجازاته الجهادية في مواجهة الحوثيين وعملاء اميركا في “ولاية عدن- أبين” عبر فيديوهات يبثها موقعه في مركز الخلافة الاسلامية (العراق).

وفي المكلا يواصل تنظيم القاعدة فرض سيطرته واصلا بنفوذه إلى مدن أخرى في محافظة حضرموت، فارضا نمطه الثقافي على السكان عبر أدواته الشرعية والأمنية والدعوية. وفي هذا السياق يتم تدمير بعض المزارات والقباب والأضرحة، بينما تتعمد “قوات التحالف” و”الشرعية” التعامي عن هذه التطورات بذريعة أن “القاعدة” و”داعش” ليس في قائمة الأولويات المستعجلة!

هذا هو الشهر السابع للحرب.
لا تلوح فرص حقيقية لاستعادة السلام في هذا البلد المنكوب بالجوع والمرض والجهل والحروب الدورية.
يواصل الحوثيون الطنطنة عن “الثورة” و”الوطن”.
يتابع المعلقون الذين يواظبون على الظهور في الفضائيات الخليجية، بالعقالات أو بالكرافتات، الرطانة عن الشرعية واستعادة الدولة والتقدم الوئيد ولكن المحسوب في محافظات عديدة.
وفي الأثناء تغط “الشرعية” في السبات الهني في قصور الرياض او في فندق “القصر” حيث تحاصرها ميليشيات طامحة او ناقمة بينما اليأس يتسرب إلى كل مكان في المدينة التي باتت مهددة بانفجارات جراء تباطؤ حضور الدولة وتنمر الميليشيات واستشراء ظاهرة الشحن المناطقي والقبلي.

***

هناك عنوان كبير للحرب في اليمن هو “الشرعية”.
لكن هذه الشرعية، من غير فعالية على الأرض (المحررة) وحيوية في الحركة على الأرض وجاذبية في الخطاب وايجابية في التعامل مع التحديات، مهددة بفقد “قوتها الشرائية” في سوق “المقايضات” الميليشياوية التي تتقدم الجماعات الايديولوجية الاسلامية للسيطرة عليه.

****

الشرعية في عدن تتذاكى سعيا وراء مكاسب صورية، واحيانا بالقفز على “البديهيات” المتعلقة ب”الشرعية” وب”الدولة” وب”الهوية” وب”الشعارات العلنية” للحرب التي تشنها دول التحالف باسم هذه الشرعية وبطلب منها.

اليمن لن يكون أوفر حظا من شقيقه العراقي حيث العالم مضطر إلى التدخل من أجل انقاذ بغداد من دولة “داعش”.

صحيح أن “الهوية اليمنية” أعرق وأشد رسوخا من أية هوية في المشرق والخليح العربي، لكن “الهوية” ليست مفهوما استاتيكيا (جامدا). والأكيد أن تجريف الهوية اليمنية باسم هويات فوق وطنية أو دون وطنية، لن يدر فوائدة في صالح مشاريع جهوية بل في صالح مشاريع ايديولوجية دينية متطرفة فهذه وحدها من بمقدوره توفير جوامع بديلة ضدا على الحوثيين الذين يتابعون بارتياح التطورات في حضرموت وعدن ولحج، وفي تعز حيث ترتفع رايات القاعدة في بعض أحياء المدينة.

***

المجتمع اليمني أكثر تعقيدا مما يتوهم العصبويون على اختلاف مذاهبهم ومناطقهم ومشاريعهم. والأكيد أن “الفاقد” من ضرب الهوية الوطنية لليمنيين هو ما يشكل عنصر الإمداد الأول لحواضن “الجماعات الايديولوجية” المتشددة في عدن وحضرموت وأبين ولحج وتعز، وربما في محافظات جديدة في الوسط وفي الشمال.
اليمن خلو من مشروع وطني جامع.
خلو من رجال دولة كبار.
ومن رجال التاريخ بما هم لاعبون مهرة.
أصوات التطرف والانعزالية في اليمن تتعالى.
إن لم يحل السلام ويستأنف المسار السياسي قريبا فقد ينحدر اليمن إلى حضيض الجماعات المسلحة، ونشهد عروضا مروعة من شاكلة ما تنتجه شركات انتاح داعش في العراق وسوريا.
اليمن في وضعية حرجة. والمشاريع المتصارعة هي مشاريع ماضوية، ايديولوجية وجهوية، تريد اعادة توزيع اليمنيين كأقليات وأكثريات في مدنهم ومحافظاتهم باسم فدرالية مستحيلة راهنا، او بوهم خطف دولة (الحوثيين) أو “اقتناص دولة” (الحراك) أو تفكيك دولة (هادي والمشترك).
عند هذا الحد يجب طرح السؤالين الآتيين:
– من هو الشرعي ومن هو غير الشرعي في اليمن؟
– ما هي الفروق بين سلوك جماعة الحوثيين في صنعاء، وسلوك جماعات المقاومة المؤيدة ل”الشرعية” في عدن والمدعومة من دول التحالف؟

***

الحوثيون يتحملون المسؤولية الأولى عن هذه الكارثة التي تجلت معالمها مع انقلابهم على “الشرعية التوافقية”.
الحوثيون هم العدو الأول ل”الشرعية التوافقية” في اليمن.
والثابت أن هذه “الشرعية التوافقية” التي تخوض دول التحالف العربي الحرب باسمها ومن أجل إعادتها إلى العاصمة صنعاء، هي “العدو الأول مكرر” ل”الشرعية التوافقية” في عدن!
هذه محنة اليمنيين في اللجظة الراهنة.
ولا يمكن تصور “الخلاص” منها إلا بإقناع “العدو الأول مكرر” بتغيير شامل في السلوك والخطاب والأولويات.

“العدو الأول” ميئوس منه!