القصة الكاملة للجبهة القومية.. انسلاخ كان ثمنه بحرا من الدماء والدموع

  بقلم: زيد محمد حسين الفرح

القصة الكاملة للجبهة القومية.. انسلاخ كان ثمنه بحرا من الدماء والدموع


في السطور والصفحات التالية تقرأون قصة من بين القصص الأكثر تأثيراً في اليمن طوال العقود الماضية، وتريد تكرار نفسها بصورة تبدو مغايرة، ينشرها نشوان نيوز بقلم الباحث والمؤرخ الأستاذ: زيد محمد حسين الفرح

«الذين لا يذكرون الماضي عليهم أن يجربوه مرة اخرى»

قصة الانسلاخ الذي كانت نتيجته بحراً من الدماء والدموع مسافته 22 سنة شمسيه! و التحول من «تنظيم موحد» إلى «تنظيم جبهوي» أي استبدال (الوحدة الاندماجية) إلى (فيدرالية) كما قد يقول البعض حالياً أو من باب تعريف الجوهر المقصود!..

البداية:
في أواسط وأواخر عام 1965م تنادت الشخصيات والقوى الوحدوية الوطنية والقومية إلى ضرورة الدمج الوحدوي وتحقيق (الوحدة الوطنية) بين قوى العمل الوطني المتصاعد لتحرير الجنوب بعد ان أصبح موضوع استقلال الجنوب من الاستعمار البريطاني قاب قوسين أو أدنى، وأصبح تشكيل كيان سياسي وطني واحد يمثل القوى الوطنية في الجنوب قضية حيويه داخلياً وقومياً وحتى عالمياً بعد صدور قرار الأمم المتحدة لصالح استقلال الجنوب في نوفمبر 1965م.. ولكن قضية التوحيد واهميتها كانت تنبعث من الواقع الداخلي المتمثل آنذاك في وجود قوتين أساسيتين في ساحة العمل الوطني في الجنوب – بصفة خاطه – واليمن بصفة عامة.. أو تيارين بتعبير أدق.. وهما:-

أولاً :- التيار الوطني الثوري
وهو التيار الذي كان يمثله ويتزعمه المشير عبد الله السلال رئيس الجمهورية في الشمال كما تمثله وتتزعمه – في الجنوب – (الجبهة القومية لتحرير جنوب اليمن المحتل) – وهذا التيار هو الذي كان يؤيده الزعيم العربي جمال عبد الناصر وتسانده مصر عبد الناصر من خلال وجود القوات العربية المصرية لمناصرة ثورة اليمن.

وكان هذا التيار الثوري وعبد الناصر يؤمن بان النضال المسلح هو طريق تحرير الجنوب من الاستعمار، لذلك تشكلت الجبهة القومية في صنعاء أواخر عام 63م- برعاية السلال وتأييد عبد الناصر.. وكان قد رافق تشكيل الجبهة اتصالات بالقوى الاساسية الأخرى في عدن وخاصة (حزب الشعب الاشتراكي الذي كان يسيطر على المؤتمر العمالي وهو القوة الوطنية والجماهيرية الرئيسية في عدن آنذاك، وكان لحزب الشعب مكتب في صنعاء وعلاقات واسعة) وقد رفض حزب الشعب الدخول في الجبهة واسلوب النضال المسلح وأعلن ان النضال السياسي السلمي هو طريق استقلال الجنوب..

لذلك تشكلت الجبهة القومية من عدة تنظيمات ابرزها حركة القوميين العرب ومن شخصيات مستقل، وتم تكوين قيادة الجبهة من 12 شخصا برئاسة الاستاذ قحطان الشعبي الذي كان مستشار السلال ووزير شئون الجنوب في حكومة الجمهورية العربية اليمنية ولذلك بصفة اساسية، اصبح قحطان رئيس قيادة الجبهة اما اعضاء القيادة فكان ستة منهم من الشخصيات المستقلة والقبلية، و5 من التنظيمات وبالذات حركة القوميين العرب التي كان قحطان ينتمي اليها.. وكان من ابرزهم المناضل علي السلامي.

وكانت الجبهة القومية التي توسعت قواعدها وتشكيلاتها في عدن وفي الريف هي التي قادت وخاضت النضال المسلح من 14/ اكتوبر / 63م إلى أواسط واوخر عام 65م..

ثانياً :- التيار الوطني المعتدل
وهو التيار الذي كان يمثله حزب الشعب الاشتراكي ومعه المؤتمر العالي في عدن، وبعض التنظيمات الصغيرة مثل الرابطة والعديد من الشخصيات الوطنية التي كان من أبرزها الأستاذ عبد القوي مكاوي وقد تولى رئاسة حكومة عدن المحلية (في إطار الاستعمار البريطاني) ولكن السلطات الاستعمارية اتهمته بموالاة الجبهة القومية والنضال المسلح وعبدالناصر وحين تصاعد النضال والعمل الفدائي في عدن قام الاستعمار بإلغاء حكومة عدن وإقالة مكاوي.. أما حزب الشعب ومعه المؤتمر العمالي فكان من ابرز قادته الأستاذ عبد الله الأصنج والأستاذ محمد سالم باسندوة، وكان ينتهج النضال السياسي السلمي وله وزن خارجي ودولي بارز كما كان يلقى تأييداً من حزب العمال البريطاني..

أما في شمال اليمن فكانت تؤيد وتمثل هذا التيار الوطني المعتدل شخصيات جمهوريه واسعة من بعض المسئولين والقادة والمشائخ وحزب البعث وهي الشخصيات والقوى الجمهورية التي كانت تناوئ السلال – ثم مصر عبد الناصر – بشكل أو بآخر، وقد وصل احتمال الصدام بينها وبين السلال إلى الذروة في أوائل عام 1965م وكان من ابرز رموز هذا التيار الأستاذ أحمد النعمان والقاضي عبد الرحمن الإرياني والزبيري وكذلك الأستاذ محسن العيني وشخصيات ومشائخ اتجاه البعث وبعض الشخصيات والمشائخ المستقلين.. وتفاديا للصدام الخطير في ابريل 1965م أقنع عبد الناصر الرئيس السلال بإقالة حكومة العمري وتشكيل حكومة برئاسة النعمان، وبالفعل قام النعمان بتشكيل حكومته في 21/4/1965م وألغى من الحكومة منصب وزير شئون الجنوب (قحطان الشعبي) كتعبير عن سياسة واتجاه هذا التيار المؤيد لحزب الشعب والمؤتمر العمالي في عدن والمعارض في ذات الوقت للجبهة القومية التي تمثل تيار السلال وعبد الناصر..

وفي ظل حكومة النعمان انعقد في تعز – في مطلع مايو65م – مؤتمراٌ ضم ممثلي حزب الشعب والمؤتمر العمالي وممثلين عن الرابطة وبعض الشخصيات الوطنية والسلاطينية وغيرها، وتم في ذلك المؤتمر تشكيل تنظيم واحد باسم (منظمة التحرير).. وأرسل حزب الشعب ممثلين له حضروا مؤتمر خمر الذي انعقد في أواسط مايو65م برعاية حكومة النعمان، ولكن مع وجود التيار الوطني الثوري ورئاسة السلال للجمهورية، لذلك لم يعلن مؤتمر خمر تأييده لحزب الشعب، وأصدر في بيانه وقراراته فقرة حيا فيها «نضال الجنوب اليمني للتحرر من الاستعمار، وأهاب بالمنظمات والقوى الوطنية لتوحيد كلمتها وصفوفها»..

وفيما تواصلت خطوات حكومة النعمان والتيار الذي يمثله، انعقد بمدينة تعز في يونيو 1965م المؤتمر الاول للجبهة القومية والذي اقر (الميثاق الوطني للجبهة القومية) حيث أكد الميثاق على خط الثورة اليمنية وعبد الناصر وعلى النضال للدفاع عن الجمهورية في الشمال والنضال المسلح لتحرير الجنوب، وجاء في قرارات المؤتمر «اعتبار منظمة التحرير غير ثورية يجب تصفيتها» بينما اصدرت السلطات البريطانية في عدن – خلال يونيو 65 – قانون الطوارئ واعلنت ان «الجبهة القومية منظمة إرهابية» نشاطها وتأييدها محظور، كما قامت بحملة اعتقالات وتزفير245 شمالياٌ من عدن..

واتضح في اوخر يونيو 65م ان بعض رموز تيار النعمان يقوم باتصالات مريبة بالسعودية وبالاستعمار في عدن فاستعاد التيار الوطني الثوري بزعامة السلال زمام الموقف وتم إقالة حكومة النعمان ثم تشكيل الحكومة برئاسة السلال (6 يوليو65م) ثم أعيد تشكيلها برئاسة العمري (18يوليو) ثم إصدار (وثيقة العمل الوطني).. وشهدت عدن ومناطق الجنوب تصعيداً كبيراً للنضال السياسي والمسلح ضد الاستعمار بلغ ذروته أثناء انعقاد مؤتمر لندن الدستوري بشأن الجنوب في أغسطس 65م والذي مثل الجنوب فيه ممثلون عن حزب الشعب والمؤتمر العالي وحكومة عدن والرابطة وبعض السلاطين، وكانت صنعاء والقاهرة والجبهة القومية ضد ذلك المؤتمر وشنت عليه هجوماً إعلامياً، ولكن ذلك المؤتمر انفجر من الداخل، حيث أصر مكاوي والأصنج وغيرهما على الاستقلال الكامل وتصفية القاعدة العسكرية في عدن، وانتهى المؤتمر بالفشل، فلما عاد الوفد إلى عدن واتحدت مطالب التيار المعتدل والتيار الثوري أعلن الانجليز إلغاء حكومة ودستور عدن وإقالة عبد القوي مكاوي ووضع عدن تحت إدارة وزارة المستعمرات البريطانية مباشرة وذلك في 1965م.. وفي تلك الأجواء ازدادت شعبية مكاوي،كما أعلنت منظمة التحرير التي هي في الأساس حزب الشعب أنها ستنتهج النضال المسلح – فانسحب منها الرابطة – وانضم مكاوي والعديد من المستقلين البارزين إلى المنظمة لان الجبهة القومية كانت منغلقة لا تقبل احد..

وفي هذا الصدد يذكر الأستاذ عبدالرحمن خبارة «ان انفراد الجبهة القومية بالعمل المسلح وعدم وجود رحابة صدر لقبول الآخرين أدى بهؤلاء الآخرين إلى تكوين منظمة مسلحة موازية» [مقابله صحفيه]..

ومما زاد من ثقل هذه المنظمة انها شملت واستقطبت التيار الوطني المعتدل الذي كانت زعاماته معرفة ومشهورة داخلياٌ وعربياٌ ودولياٌ أمثال الأستاذ عبد الله الأصنج والأستاذ محمد سالم باسندوة وهما ابرز قادة حزب الشعب والمؤتمر العمالي ثم كان انضمام الأستاذ عبد القوي مكاوي – المستقل – قد أعطى المنظمة وزناً اكبر لأنه كان رئيسا لحكومة عدن وكان قيام بريطانيا بإقالته وإلغاء حكومته قد جعله رمزاً وطنياً وعربياً وعالميا..

وهكذا فانه أواخر عام 1965م بات التيار الوطني المعتدل قوة واسعة ومنظمه وذات تأثير وثقل ملحوظ داخليا وعربياً.. وبات احتمال الصدام بينها وبين الجبهة القومية من الاحتمالات الواردة التي يمكن أن يغذيها الاستعمار..غير ان الأهم من ذلك أن أي واحد منهما لم يعد ممكناً أن يدعى تمثيل الشعب والعمل الوطني في الجنوب مما يعطى بريطانيا مبررات للتحايل على قرار الأمم المتحدة الذي صدر في نوفمبر 1965م لصالح استقلال الجنوب وقد أخذت بريطانيا تحاول تشكيل حكومة عميلة..

ومن ناحية أخرى كانت تطورات الوضع في الشمال تستلزم وحدة الصف الوطني والتيارين في الجنوب.. فقد أدى تفاقم الصراع على السلطة في الصف الجمهوري السياسي إلى انشقاق فرقة من التيار المعتدل وذهابها إلى السعودية في أغسطس 65م تنادي بدولة اسلامية وتهاجم عبد الناصر والمصريين والسلال وتزعم أن الشعب لا يريد الجمهورية.. وقد أدى ذلك إلى تلاحم الصف الجمهوري الثوري بزعامة السلال والصف الجمهوري المعتدل الذي كان الإريانى والنعمان والأحمر من رموزه للحفاظ على الجمهورية وهو ما تجسد في مؤتمر حرض للسلام (نوفمبر 1965م)..وكذلك ونتيجة للعديد من الاعتبارات التي اسلفناها كان لابد من توحيد التيارين والقوتين الوطنيتين في الجنوب حيث تنامت الدعوة إلى الدمج والوحدة بينهما.

ثالثاً :- وحدة الدمج الوطنية
في ديسمبر 1965م بدأت اتصالات ولقاءات سرية وعلنية لتحقيق الوحدة والدمج الوطني بين التيارين والقوتين التي كانت الجبهة القومية احداهما وكان الشخص الرئيسي الأول في الجبهة القومية باليمن قد اصبح المناضل علي السلامي منذ مسير قحطان الشعبي إلى القاهرة حيث كان قحطان هو الزعيم الأول ولكن وجوده في القاهرة وعدم ترحيبه بفكرة الوحدة الوطنية والدمج ادى إلى ان تتم المشاورات في الدخل حيث كان المناضل السلامي هو الشخص الرئيسي في الجبهة القومية بينما مثل حزب الشعب والمؤتمر العمالي أو منظمة التحرير الأستاذ عبد الله الاصنج كما شارك في المشاورات عدد من قادة الجبهة القومية والتيار الآخر.. وقد أيدت حكومة الجمهورية برئاسة السلال ومصر عبد الناصر موضوع الوحدة الوطنية والدمج تأييداً كاملاً، كذلك فان التيار الوطني الممثل بحزب الشعب والمؤتمر العمالي والمنظمة ومكاوي قد استجاب وأيد موضوع الوحدة الوطنية عن قناعه وبسبب تأييد وتبني عبد الناصر لموضوع الوحدة الوطنية حيث كان عبد الناصر محل تقدير الجميع وبمثابة زعيم الجميع..

اما الجبهة القومية فكانت هي في الواقع تمثل تيار عبد الناصر والثورة منذ عام 63م وكانت مصر عبد الناصر هي التي تدعم وتناصر الجبهة ومناضليها بالسلاح والتدريب والمال والإمكانيات كما هو معروف إلى تلك الفترة بأواخر عام 1965م حيث باتت الوحدة الوطنية ضرورة نضالية وطنية وقومية.. فاستجاب اغلب قادة وقواعد الجبهة القومية للوحدة الوطنية.. يقول المناضل عبد الفتاح اسماعيل “ان الموقف من الوحدة الوطنية في ذلك الوقت كان يمثل ثلاثة اتجاهات – في الجبهة القومية – الاتجاه الاول يمثله انصار الوحدة دون قيد أو شرط – على السلامي – طه مقبل – سالم زين. الاتجاه الثاني رفض الوحدة بشكل مطلق يمثله قحطان الشعبى وفيصل عبد اللطيف. الاتجاه الثالث تمثله القاعدة الواسعة من مناضلي الجبهة القومية الذين يؤمنون بالوحدة الوطنية، وضرورة توحيد كل فصائل العمل الوطني بشرط ان لا يشمل التوحيد العناصر المعروفة بعمالتها للسلطة الاستعمارية”. [الكفاح المسلح – سعيد الجناحي ] *وهكذا فان الموقف من وحدة الدمج الوطنية في الجنوب كان تأييد الاغلبية للوحدة الوطنية لانها كانت تمثل بالفعل مطلبا نضالياً مسنوداً من حكومة الجمهورية في الشمال ومن مصر عبد الناصر والدول العربية..

وكلام عبد الفتاح اسماعيل شاهد لا تخطئ دلالته على ان الانفصاليين الذين سموا الوحدة (دمجاً قسرياً من المخابرات المصرية) كما تزعم كتابات بعض عناصر الجبهة القومية الثانية والحزب الاشتراكي – فيما بعد – انما يزيفون حقائق التاريخ.. فالحقيقة ان الامور سارت على النحو التالي :-

أولاً :- كان تيار أنصار الوحدة الوطنية (بدون قيد أو شرط) هو التيار الغالب الذين يتكون من كل التيار الوطني المعتدل الذي انضوى في منظمة التحرير والاتجاه الرئيسي الأول في الجبهة القومية بزعامة السلامي وطه مقبل وسالم الزين، ومعهم قواعد واسعة من مناضلي وفدائي الجبهة القومية..

وحرصاً على تفويت أي محاولات استعماريه لإفشال التوحيد، تم إجراء المشاورات التوحيدية بين قيادة الفريقين حيث تكللت المباحثات بالنجاح وتم في أوائل يناير 1966م اعلان الوحدة الاندماجية بين الجبهة القومية ومنظمة التحرير وكافة فصائل العمل الوطني في إطار تنظيمي وحدوي جديد باسم “جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل”، واختيار الاستاذ عبد القوي مكاوي أميناً عاماً للجبهة، وقد وقع البيان عن الجبهة القومية المناضل على السلامي، واذاعت البيان إذاعة صنعاء ثم القاهرة وصوت العرب كما تناقلت النبأ وكالات الأنباء العربية والعالمية..

ثانياً :- كان الاتجاه الثاني المعارض للوحدة في الجبهة القومية هو اتجاه بعض قيادة عناصر حركة القوميين العرب التي كان لها المركز القيادي في الجبهة القومية، وقد اتخذ هذ الاتجاه الرفض المطلق وهو موقف قحطان الشعبي الذي رغم وطنيته ونضاله المعروف فان فقدانه للمركز والمنصب الأول ربما كان عاملاً رئيسياً في موقفه، وكذلك فيصل عبد اللطيف الشعبي الذي كان هو الرجل الأول في حركة القوميين العرب وربما كان يطمح إلى ان تتولى الحركة وحدها الحكم.. ولكن المعارضة التي واجهتها الحركة باسم الجبهة القومية استندت على ان قادة الجبهة القومية الذين وافقوا على وحدة الدمج لم يناقشوا ذلك في الأطر التنظيمية للجبهة القومية، وان التنظيم الوحدوي الجديد (جبهة التحرير) قد ضم في قيادته اثنين من السلاطين هما احمد عبد الله الفضلي وجعبل بن حسين العوذلي ولا يمكن ان تشمل الوحدة السلاطين حتى لو انضموا إلى الصف الوطني كما هو الحال بالنسبة للفضلي والعوذلي.. وكان هذا الاتجاه الثاني المعارض يشمل في البداية عدد من قادة الجبهة القومية والحركة أبرزهم عبد الفتاح اسماعيل،وسيف الضالعي وبقية القيادات المعروفة أو كما قال عبد الفتاح اسماعيل في النص السابق عن الاتجاه الثالث “القاعدة الواسعة من مناضلي الجبهة القومية الذين يؤمنون بالوحدة الوطنية، بشرط ان لا يشمل التوحيد عملاء السلطة الاستعمارية» وربما كان هناك شيء آخر أساسي في هذا الموقف وهو حصة الجبهة والحركة في القيادة وبالتالي في الحكم.. فاستمرت الاتصالات والمشاورات التي رعتها القاهرة إلى أن تم في مارس 1966م الاتفاق على هذه المسائل وغيرها في القاهرة وإعلان « تشكيل مجلس قيادة جبهة التحرير» من 12 عضواً 6 منهم من الجبهة القومية و6 من منظمة التحرير والمستقلين..

مجلس قيادة جبهة التحرير
وقد تم تشكيل واعلان المجلس القيادي لجبهة التحرير برئاسة الامين العام عبد القوي مكاوي [مستقل] وعضوية ثلاثة من حزب الشعب والمؤتمر العالي وهم عبد الله الاصنج ومحمد سالم باسندوة وعبد الله على عبيد وستة من الجبهة القومية وهم على احمد السلامي،عبد الفتاح اسماعيل،طه مقبل،سيف الضالعي،عبد الله المجعلي،سالم زين بالاضافة إلى السلطان احمد الفضلي والسلطان العوذلي، إلا أن عدم مصداقيتهما وضغط التيار الوطني الثوري أدى إلى فصلهما في نهاية مارس1966م..

ربعاً :- الوحدة الوطنية.. وافتعال الازمات
كانت الوحدة الوطنية التي تمثلت في قيام (جبهة تحرير جنوب اليمن المحتل)في يناير 1966م نقطة تحول هامة في نضال الثورة اليمنية لتحرير الجنوب من الاستعمار.. فقد أدى توحيد الصف الوطني إلى تصعيد النضال المسلح والسياسي بشكل كبير كما ضاعفت مصر عبد الناصر دعمها للنضال المسلح بالتدريب والأسلحة والمال وكافة الامكانيات.. واعلنت الجامعة العربية اعترافها بجبهة التحرير كممثل شرعي ووحيد للشعب في جنوب اليمن وكذلك فعلت العديد من الهيئات الاقليمية والعالمية،كما ارتفع صوت جبهة التحرير من منبر الامم المتحدة.. واعلنت بريطانيا (في فبراير) استعدادها للانسحاب من الجنوب بعد سنتين،وربما يعود ذلك إلى رغبتها في كسب الوقت،ولكنها أخذت تعمل بجدية إلى تحويل (اتحاد الجنوب العربي) وهو الكيان السلاطيني الذي صنعته بريطانيا إلى دولة تقوم بالتفاوض معها وتسليمها الحكم كما أخذت في تقوية (جيش اتحاد الجنوب) لحماية مشروعها والمشاركة في حماية الوجود البريطاني ضد النضال المسلح والعمل الفدائي الذي اخذ يتصاعد بشكل كبير في ظل (جبهة التحرير).. ولكن جبهة التحرير اصبحت من الناحية الواقعية الداخلية والعربية والدولية هي ممثل الشعب،واصبح موضوع الاستقلال شبه محسوم بفضل الوحدة الوطنية التي تمثلت في (جبهة التحرير) والتي كان واضحاً انها بتحقيق الاستقلال للجنوب ستحقق الوحدة الوطنية الأوسع مع الشمال.. لذلك كان عبد الناصر والسلال واضحان في البيان المشترك الذي نص على انهما «يؤكد أن حق الشعب اليمني شماله المتحرر وجنوبه المحتل في الحرية والوحدة».

ولابد من التنبيه هنا إلى انه منذ الوحدة الوطنية التي مثل قيام جبهة التحرير في يناير 1966م انتهى كيان الجبهة القومية التي أصبحت جزءاً أساسيا من جبهة التحرير وكانت نصف قيادة جبهة التحرير من الجبهة القومية منذ البداية كما أسلفنا ثم في مايو ويونيو 1966م حيث يبدو أن القيادة اصبحت من 8 اشخاص..منهم عبد القوي مكاوي الامين العام و4 من الجبهة القومية هم : على السلامي،عبد الفتاح اسماعيل سيف الضالعي،عبدالله المجعلي و3 مما كان يسمى حزب الشعب ومنظمة التحرير وهم : محمد سالم باسندوه،عبد الله الاصنج،عبد الله على عبيد..غير ان اجتماع الاسكندرية في اغسطس 63 يدل على استمرار طه مقبل وسالم زين في القيادة مما يعني ان 6 من الاعضاء كانوا من الجبهة القومية..

ولكن بعض عناصر حركة القوميين العرب كانت تعمل على توجيه فريق من الجبهة القومية باتجاه آخر حيث عقدوا مؤتمراً في جبله اب [في 11يونيو 66م] – وهو بمثابة مؤتمر سري – وقرروا فيه «الحفاظ على البنية التنظيمية للجبهة القومية وإعادتها مع الاستمرار في جبة التحرير كمظهر للوحدة الوطنية ولكسب الوقت وضمان تأييد الجمهورية العربية المتحدة» كما قاموا بتشكيل قياده عامه للجبهة القومية – وهي قيادة غير علنية – كان من أعضائها : سالم ربيع على،عبد الفتاح اسماعيل، على سالم البيض، فيصل العطاس،ومحمد على هيثم الذي كان حريصاً على استمرار الوحدة وجبهة التحرير..

وفي أواخر يونيو 1966م افتعلت قيادة ذلك الفريق من الجبهة القومية ازمة بسبب اعلان باسندوة عن عقد المجلس الوطني لجبهة التحرير وان المجلس سيشكل من 30 عضواً،فقام ذلك الفريق من الجبهة القومية بإصدار بيانات تنديدية وتعبئة القواعد المتبقية والملتزمة لها ورفعوا برقيات إلى الرئيس عبد الناصر «أن الوحدة الوطنية تتعرض للخطر» وبسبب تلك الأزمة المفتعلة انعقد اجتماع في الاسكندرية (8/اغسطس/63م) لقيادة جبهة التحرير التي كان 6 من أعضائها من الجبهة القومية – كما أسلفنا – ومنهم عبد الفتاح اسماعيل وسيف الضالعي وكان مطلب فريقهما هو تحويل من « تنظيم موحد » إلى «تنظيم جبهوي» أي استبدال (الوحدة الاندماجية) إلى (فيدرالية) كما قد يقول البعض حالياً أو من باب تعريف الجوهر المقصود !..

وقد اقر اجتماع الإسكندرية بياناً سياسياً يؤكد « أن جبهة التحرير هي الممثلة الوحيدة لشعب جنوب اليمن المحتل.. الخ».. ولكن شهر سبتمبر 1966م شهد اجتماعاً لحركة القوميين العرب وفريق الجبهة القومية لمناقشة الموضوع وكانت نية غالبية المجتمعين هي الانسلاخ من جبهة التحرير ولكنهم لم يتوصلوا إلى قرار حاسم وربما كانوا يخافون ما سيترتب على ذلك من ردود فعل عنيفة داخليا وعربيا… ولكن الشهور التالية شهدت تعبئة واسعة ضد جبهة التحرير وعملية تكتيل واستقطاب في إطار الجبهة القومية مع التظاهر بالاستمرار في جبهة التحرير التي تمثل الوحدة الوطنية حيث استمر ذلك إلى ديسمبر 1966م وكان يتخلل تلك الفترات حديث عن أزمة سياسية!

خامساً: الانسلاخ
في 3 ديسمبر 1966م انتهى اجتماع استمر عدة ايام يسميه المشاركون «المؤتمر الثالث للجبهة القومية» وقد ناقش المؤتمر المذكور ما يسمى (الأزمة) وكان الاتجاه الغالب هو ان اساس الأزمة هو «عجز جبهة التحرير في تحقيق الوحدة الوطنية».. وبالتالي فان الانسلاخ هو الحل، وكان البعض – ومنهم محمد على هيثم – يعارضون الانسلاخ، ولكن غالبية المجتمعين في ذلك المؤتمر الذي انعقد بمنطقة حمر – قعطبة – كانوا مع الانسلاخ.. حيث يذكر الأخ سعيد الجناحي في موضوعه المنشور بصحيفة الوحدة «خرج المؤتمر بقرارين أساسيين: الأول:- إعلان انسلاخ الجبهة القومية عن جبهة التحرير ومزاولة نشاطها بصورة مستقلة، الثاني :- استعداد الجبهة القومية لتحقيق الوحدة الوطنية على اسس ثورية وسليمة.. وكان القرار الثاني لإرضاء المعارضين في نفس فريق الجبهة القومية الذي حضر المؤتمر.. أما جوهر ما تم فهو الانسلاخ الذي تضمنه القرار الأول الذي رافقه اعلان وتشكيل قيادة للجبهة القومية بحيث تعود الجبهة القومية للعمل والميدان كما كانت قبل الدمج في جبهة التحرير وهو ما اتضح منذ بدايات يناير 1967م..

ويبرر الأخ سعيد الجناحي ما حدث بقوله «تعود أسباب الانسلاخ إلى أن الدمج كان بصورة قسرية. وان الدمج افرز سلبيات اثر على الوحدة الوطنية. وان الانسجام كان منعدماً بين اطراف العمل الوطني» والواقع ان مقولة الدمج القسري تتنافى مع الحقائق التاريخية سالفة الايراد، أما السلبيات وانعدام الانسجام فان ذلك الفريق من الجبهة القومية يتحمل المسؤولية الرئيسية فيها.. لذلك نرى ان الاسباب الحقيقية للانسلاخ تعود إلى رغبة حركة القوميين العرب وذلك الفريق من الجبهة القومية في الانفراد بالحكم واعتقاده بان ذلك من حق الجبهة القومية وقد اتضح فيما بعد ان تلك الرغبة كانت تخفي رغبات متعددة داخلية.. كذلك فان الذين اتخذوا قرار الانسلاخ كانوا يظنون أن الطريق مفروش بالورود وان ما أقدموا عليه سيكون محل ترحيب كافة الذين كانوا في الجبهة القومية قبل الدمج وان التيار الوطني الثوري بزعامة السلال رئيس الجمهورية في الشمال سيؤيد الجبهة وان مصر عبد الناصر ستكون معها ولن تكون ضدها..

ولكن ردود الفعل كانت مختلفة فقد أصدرت جبهة التحرير والتنظيم الشعبي للقوى الثورية – الذي كانت اغلب قواعده في الجبهة القومية قبل الدمج – عدة بيانات أدانت الانسلاخ واتهمت المنسلخين بأنهم فلول الحزبية والمفلسين والمخربين ضد الثورة وانهم عناصر تعيش نهاية مطامعها.. وأعلنت جبهة التحرير أن المنسحبين جماعة حزبيه لا يمثلون الجبهة القومية كما أكد ذلك عدد من قادة الجبهة القومية امثال على السلامي والمناضل عبد الله المجعلي وغيرهم من القادة الذين استمروا في جبهة التحرير..

كذلك ادى الانسلاخ إلى توقيف دعم الشمال ومصر عبد الناصر للذين استمروا باسم الجبهة القومية.. وشهدت الشهور التالية من عام 1967م ظهور الجبهة القومية بشكل مضاد لما كانت تؤمن به من افكار وللتيار الذي كان عبد الناصر رمزاً له.. ووقعت بعض الصدامات الخفيفة بين جبهة التحرير والجبهة القومية ولكن النضال استمر متصاعداً ضد الاستعمار في عدن وكان التنظيم الشعبي لجبهة التحرير ومعه الجماهير قد أحال البقاء الاستعماري إلى جحيم وبالذات في عدن حيث أخذت السلطات البريطانية تقوم بتسفير عائلات أفراد القوات البريطانية من عدن إلى بلادها..وقامت بريطانيا في 20 مايو 1967م بتعيين السير [همفري تريفليان] مندوبا سامياً جديداً في عدن بدلا عن (ريتشارد ترنبول) حيث يقول همفرى تريفليان في مذكراته «وصلت إلى عدن في 20 مايو وقد تحددت مهمتي في إجلاء القوات البريطانية منها بسلام..» ويقول «اقتصرت مهمتنا على محاولة ربط عقد الحبل ثم سحب انفسنا من الحلبة بدون كارثة ».. ولم يوضح تريفليان المقصود بمحاولة ربط عقدة الحبل !..

وخلال الفترة من يونيو ويوليو 1967م إلى نوفمبر 1967م انضم جيش الاتحاد الجنوبي – الذي صنعته بريطانيا – إلى الجبهة القومية وكان ذلك عاملاً مهماً ومبرراً لتقوم بريطانيا بتسليم الحكم في الجنوب للجبهة القومية – التي أصبحت مضادة لتيار عبد الناصر ولاتجاه عبد الناصر – بينما كان عبد الناصر يبذل جهوداً لتحقيق الوئام بين جبهة التحرير والجبهة القومية والحيلولة دون حرب دمويه بين الوطنيين، ولكن الجبهة القومية ومعها الجيش الاتحادي خاضت حرباً دامية في نوفمبر 1967 ضد جبهة التحرير والتنظيم الشعبي..وتسلمت الجبهة القومية الحكم والاستقلال في 30 نوفمبر 1967 ولكن فوق بحر من دماء الوطنيين المناضلين الذين كانوا زملاء وأبطال النضال..

سادساً:- ثمن الانسلاخ
واعتقد ان الجبهة القومية لو عرفت ان ثمن الانسلاخ هو ذلك البحر من الدماء الوطنية لما أقدمت على ذلك.. ولكن أصبح من المستحيل في 30 نوفمبر 67م النظر إلى الماضي..فقد أصبحت الجبهة القومية تحكم الجنوب اليمني المستقل وأصبح قحطان الشعبي رئيس جمهورية وابتعد كابوس الوحدة مع الشمال.. لقد كان أساس الانسلاخ والحرب الدموية والتصفية ضد جبهة التحرير والتنظيم الشعبي هو عدم قبول اشتراك الآخرين في الحكم ولكن تلك الرغبة التي تجمعت تحت لواء الجبهة القومية كانت تخفي داخلها رغبات واتجاهات أحادية وحزبية وشللية اندفعت في التعبير عن نفسها من خلال محاولات الانقلاب والتصفيات عام 68 وعام69م حيث تم تصفية وهروب العشرات والمئات ثم قحطان الشعبي وانصاره.. واستمر نهر الدماء والدموع في عهد سالم ربيع علي.. وانسلخت الجبهة القومية من فكرها العربي القومي ومن محيطها العربي واعتنقت الفكر الماركسي حتى يوفر لها الكرملين المساندة الضرورية للاستمرار ولكن نهر الدماء والدموع لم يتوقف بل ازداد تدفقاً إلى أن بلغ ذروته في مجزرة يناير 1986م.. وكان يمكن ان يستمر ويعصف ببقية الحزب والشعب لولا الأجواء التي هيأت لانتهاء المأساة بتحقيق الوحدة اليمنية وقيام الجمهورية اليمنية في 22مايو1990م..

إننا نعيش هذه الأيام بقايا آخر أزمة سياسية..وقد تبين ان بعض اطراف الحوار تقوم بترديد وتزويج أفكار تتشابه مع الأقوال التي مهدت للانسلاخ في ديسمبر 1966م وكانت نتيجتها بحراً من الدماء والدموع استمر 22 سنة شمسيه من 1967م إلى 1989 ميلادية.. لذلك أقول إن التاريخ دروس وعبر.. وتقول حكمة مشهورة «إن الذين لا يذكرون الماضي عليهم أن يجربوه مرة أخرى»..

*قدمت بمنتدى المؤرخ محمد حسين الفرح
* خاص نشوان نيوز