القاعدة والجيش اليمني: الحرب من طرف واحد!

  محمد العبسي

نجحت «القاعدة» في إلحاق أضرار كبيرة بالجيش اليمني. ومثل قاتل متسلسل (Serial Killer) يتبع سلوكاً محدداً ويترك علامةً مميزةً في مسرح كل جريمة، صارت هجمات «القاعدة» على مواقع الجيش تتكرر بالطريقة نفسها، وبأعداد المهاجمين وأساليب التمويه والمباغتة نفسها.

وعلى الرغم من تعدد المواقع العسكرية التي استهدفتها القاعدة خلال سنتين، واختلافها جغرافياً ولوجستياً، من حيث التحصين والعتاد، والملاك البشري، وسهولة أم صعوبة الوصول إلى كل منها… فالمتغير الوحيد بين عملية وأخرى من سلسلة هجمات القاعدة يكاد أن يكون زيادة او نقصان أعداد الضحايا.

وأما الضحايا، فلا تمجّد تضحياتهم من الدولة أو المجتمع، وتنسى سريعاً، ويتحولون إلى مجرد أرقام تلوكها وسائل الإعلام وترددها ببرود كأنما هم نشرة طقس جوية عن درجات الحرارة: مقتل 52 جندياً في شبوة، 20 في حضرموت، 91 صنعاء، 27 البيضاء.. وهكذا. وأقصى ردة فعل حكومية، إثر كل عملية إرهابية موجعة، هي تشكيل لجان تحقيق رئاسية. لكن قبل التوصل إلى نتائج التحقيق، تكون القاعدة قد وجهت ضربةً جديدة: أين ستكون الضربة التالية؟

[b]الآية المقلوبة[/b]

مر الجيش اليمني خلال المرحلة الانتقالية التي أعقبت انتفاضة 2011، بفترة عصيبة من الانقسام وصراع الأجنحة، وتلقي الضربات المتتالية. وقد أسهمت إستراتيجية هيكلة القوات المسلحة (2012)، من حيث لم ترد، في إضعاف عقيدة الجيش القتالية وتعميق الفرز السياسي داخله.

بالتزامن مع عملية الهيكلة، التي عاب كثيراً من قراراتها التعيينُ بناءً على الولاء والانضمام للثورة، بمعزل عن الكفاءة والأهليّة وحسن السمعة، يتعرض الجيش كمؤسسة لتحريض سياسي وإعلامي تتسامح معه السلطة الانتقالية والنخب السياسية المؤثرة إلى حد يثير الريبة. ففي الجنوب يُدْعى «جيش الاحتلال»، وفي صعدة وعمران يُدْعى «جيش الإخوان المسلمين»، وأثناء الثورة الشبابية ومعارك أرحب سمّي «جيش العائلة» من قبل الشباب وحزب الإصلاح الإسلامي، بينما يسمّيه تنظيم القاعدة «جيش عملاء أميركا وأعداء الأمة»!

وجد الجيش نفسه إذًا محل اتهام وتصفية حسابات، في حرب مفتوحة مع أكثر من طرف. وطوال العامين الماضين، بدا الجيش في وضعية دفاعية، عاجزاً عن توجيه ضربات استباقية بينما القاعدة في وضع هجومي، وكأن الوضع الطبيعي أن القاعدة تهاجم والجيش يصدّ. المتغير الطارئ الذي استجدّ هو إعلان الرئيس عبد ربه هادي، مطلع أيار/مايو 2014، الحرب الثانية على القاعدة وجماعة أنصار الشريعة بمحافظتَي أبين وشبوة، إثر بثّهما تسجيلاً مصوراً على موقع يوتيوب، يظهر سيطرتهما على مناطق جبلية شاسعة، وهو أثار هلعاً عالمياً.

كانت الحرب الأولى في آذار/مارس 2012، وهي انتهت بعد شهور بإعلان الحكومة القضاء على جماعة «أنصار الشريعة»، الاسم المحلي الآخر لـ«تنظيم القاعدة في جزيرة العرب»، وبسط سيطرتها على محافظة أبين وأجزاء من شبوة. لكن التنظيم الذي يتمتع بقدرة عالية على التكيّف والنشاط، في أوضاع أشد صعوبةً مما هي عليه في اليمن، سرعان ما استجمع قواه، مُستغلاً أخطاء الحكومة وعدم وفائها بوعودها، وانشغالها بقضايا المركز، والأزمات الاقتصادية الناجمة عن تفجير أبراج الكهرباء وأنابيب النفط، والحرب بين الحوثيين والسلفيين في الشمال، والمزاج الشعبي الساخط في الجنوب.. فشرع في استهداف واغتيال قيادات اللجان الشعبية والقبائل المساندة للسلطة في شبوة وأبين، إضافة إلى سلسلة اغتيالات لقادة أمنيين في صنعاء وحضرموت، ثم أعاد بالتدريج انتشاره وإحكام سيطرته على مناطق جبلية واسعة منتقلاً إلى الوضعية الهجومية.

[b]سمات المواجهات بين الجيش والقاعدة[/b]

الثابت طوال العامين الماضين، بين الحربين الأولى والثانية، أن تنظيم القاعدة في وضعية هجومية دائمة والجيش في وضعية دفاعية وكأنها حرب من طرف واحد! جميع المواجهات العسكرية حدّد موقعَها وساعةَ الصفر لها تنظيمُ القاعدة، فيما اقتصر دور الجيش على محاولة الصدّ وتقليل الخسائر، باستثناء عمليتين أمنيتين، الأولى في 21 شباط/ فبراير 2013 بحضرموت، والثانية في الاول من نيسان/أبريل 2014 بالحُديدة ، كان الجيش فيهما المُهاجِم لا المُهَاجَم.

رصد جميع المواجهات بين تنظيم القاعدة والجيش، بشكل منهجي وتتبعي، خلال الثمانية أشهر الماضية تؤكد صحة هذا الاستنتاج.

كما أن تقارب المدد الزمنية بين عملية وأخرى تظهر تفوقاً استخباراتياً للقاعدة في مقابل فشل الأجهزة الأمنية في معرفة ـ ثم منع ـ الهجمات قبل وقوعها رغم تقاربها الزمني:

– فتسعة أيام فقط تفصل بين مقتل 52 جندياً في شبوة جنوب اليمن (20 ايلول/سبتمبر 2013) وبين اقتحام قيادة المنطقة العسكرية الثانية بحضرموت. دامت المعارك ثلاثة أيام وقتل 30 إرهابياً حسب قول مصدر حكومي دون الإفصاح عن أعداد قتلى الجيش الذين زعمت القاعدة، في بيان منسوب لها، أنهم بالمئات.

– وصباح الثاني من تشرين الأول/أكتوبر 2013، نقلت كاميرات العالم ثلاثة مشاهد مختلفة من ثلاث مدن يمنية: في حضرموت، المعارك مستمرة داخل المنطقة العسكرية الثانية. في صنعاء صدرت أحكام إدانة بحق عناصر من القاعدة متهمين بقتل جنود. وفي شبوة قتل أربعة جنود في هجوم بمنطقة ميفعة. كل ذلك في يوم واحد.

– وقبل إعلان نتائج تحقيق الهجوم المروع بحضرموت، قتل بعد أسبوعين (18 تشرين الاول/ أكتوبر) ثمانية جنود في هجوم على اللواء 111 مشاة محافظة أبين، مسقط رأس الرئيس اليمني هادي.

– بعدها بـ17 يوماً، اقتحمت القاعدة مقر قيادة وزارة الدفاع بصنعاء (5 كانون الاول/ ديسمبر 2013) في أشنع هجوم، حصيلته 56 عسكرياً ومدنياً بينهم أطباء وممرضون وزوار ومرضى بمستشفى الدفاع (المعروف بـ«العُرْضِي»).

– لا تكاد هجمات القاعدة تأخذ حتى «إجازة شهر»، أو تفصل بين عملياتها فترات زمنية متباعدة. وقبل صدور أية ردة فعل حكومي، تمكنت بعد 11 يوماً (16 كانون الثاني/ يناير 2014) من اقتحام اللواء 139 بالبيضاء وقتلت 28 جندياً. وهو اللواء الذي نقلته وزارة الدفاع من محافظة مأرب إلى البيضاء قبل ستة أشهر ضمن عملية هيكلة الجيش. وهذه ليست المرة الأولى التي تتزامن عمليات نقل وإعادة توزيع المعسكرات والألوية التي تقوم بها وزارة الدفاع، ضمن الهيكلة، مع هجمات مسلحة!

– بعدها بأسابيع، نجحت القاعدة في اقتحام السجن المركزي، أكبر سجون البلاد وأمنعها، وسط العاصمة (13 شباط/ فبراير 2014) وهرّبت 29 سجيناً، 19 منهم مدانون بقضايا الإرهاب ومحاولة اغتيال الرئيس. ويُشاع أن بعضهم نقلوا إلى السجن المركزي حديثاً بعد افتعالهم شغباً في سجن الأمن السياسي قبلها بأربعة شهور. وقد اكتفت الحكومة وقتها بالإعلان عن إحباط هروب 300 سجين من سجن الأمن السياسي في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2013… وكأن الشغب في سجن الأمن السياسي خطوة تمهيدية لنقل أشخاص بعينهم إلى السجن المركزي تحضيراً لهروبهم. والفيلم الذي بثه تنظيم القاعدة عن عملية تهريب سجناء المركزي يظهر كيف أطلق حراس السجن النار على بعضهم البعض بسبب الارتباك وتعدد مصادر إطلاق النار.

– وبعد ثلاثة أيام من مقتل سبعة جنود في هجومين منفصلين على نقطة مراقبة في شبوة، ومركز شرطة في حضرموت، عيّن الرئيس اليمني وزيراً جديداً للداخلية (في 7 آذار/مارس)، استجابة لمطالب شعبية بإقالة وزيرَي الكهرباء والداخلية. بعدها بأسبوعين، شنت القاعدة هجوماً على نقطة عسكرية بحضرموت، وقتلت 20 جندياً ومعظمهم نيام، فأقال الوزير الجديد قائدَ القوات الخاصة ومدير الأمن (قوات الأمن المركزي الخاصة وهي تشكيل من الجيش تابع لوزارة الداخلية). وهذه المرة الأولى التي تصدر قرارات إقالة إثر هجوم إرهابي.

– لم تمض ثلاثة أيام على الإقالة حتى اغتيل ضابط بعبوة ناسفة في عدن (27 آذار/مارس 2014)، ثم تمكنت القاعدة في 2 نيسان/ أبريل من توجيه ضربة موجعة جديدة باقتحام مقر قيادة المنطقة العسكرية الرابعة وسط عدن. وبعد يومين على ذلك، قُتل ثمانية جنود في حضرموت. ومع نهاية الأسبوع، قَتل مسلحون، ليس مؤكداً انتماؤهم للقاعدة، يرتدون زي الشرطة، أربعة جنود بحضرموت، ونيسان/ ابريل هو الشهر الذي سجل أعلى نسبة هجمات.

المريب إعلان الحكومة، على لسان مسؤولين رفيعين، القبض على متورطين أحياء في هجومين مختلفين للقاعدة، ثم تراجعها. فبعد ساعات من إعلان القبض على اثنين من الإرهابيين في الهجوم على مقر المنطقة العسكرية الرابعة بعدن، تراجع موقع الجيش قائلاً إن «من ألقي القبض عليهما مجرد مواطنين لا علاقة لهما بالقاعدة». وعقب اقتحام مقر وزارة الدفاع ومستشفى العُرْضي أكد يحيى العراسي، السكرتير الصحافي للرئيس هادي «القبض على ستة من المخططين والمنفذين». وهو ما أكده أيضاً أمين العاصمة عبد القادر هلال في مداخلة تلفونية للقناة الحكومية. ثم تبخر فجأة هؤلاء المعتقلون الستة.

[b]النمط المتسلسل في هجمات القاعدة[/b]

بالمجمل، ثمة عمليات إرهابية «صغيرة» وشبه يومية تستهدف نقاطاً عسكرية، ودوريات شرطة، واغتيال ضباط، وهي تتخلل هذه العمليات «الكبيرة». ومذبحة 21 أيار/ مايو 2012، عندما فجر انتحاريان نفسيهما وسط مئات الجنود أثناء التحضير لعرض عسكري بذكرى الوحدة، استثنائية لجهة نمطها، إلا أنه في جميع العمليات سواها، يبدو فشل أجهزة الاستخبارات والأمن مضاعفاً لكون القاعدة نجحت في توجيه هجمات متتالية ذات نمط متسلسل، يُسهِّل توقّعها وتتبعها في أبرز سبع هجمات للتنظيم:

ثلاثة أمور أساسية تتكرّر على الدوام:

أولاً، يتم تفجير سيارة مفخخة.
ثانياً، يهجم انتحاريون مطلقين النار على حراسة الموقع.
ثالثاً، يتسلل «انغماسون» إلى مبان داخل المواقع ويتحصنون فيها، ويقاومون لأطول مدة.

كأنما هو مشهد واحد يُعاد تصويره أكثر من مرة: سيارة مفخخة (أو سيارتان) تصطدم بالبوابة، أو بحاجز حديدي أو بالسور الخارجي فتحدث انفجاراً مدمراً ومرعباً يليه الاختراق.

والثابت في الهجمات السبع هو التالي:

– التوقيت في ساعات الفجر إذا كان الهدف نقطة مراقبة في منطقة نائية ومعظم الجنود نيام. ونهاراً إذا كان الهدف منطقة عسكرية. هجوم واحد تمّ في السابعة مساء.

– أعداد المهاجمين تكون بين 7 إلى 12 انتحاريا كمتوسط باستثناء هجوم واحد كان فيه انتحاريان اثنان.

– ارتداء المهاجمين زيّاً عسكرياً ومرورهم من جميع نقاط المراقبة بسيارة مفخخة محملة بالأسلحة الخفيفة والمتوسطة وصواريخ «لو». وهذا يثير العديد من الأسئلة حول مدى عمق اختراق القاعدة للجيش، ما يعني امتلاكه عناصر مجنّدة في الجيش، ووجود سوق سوداء تتيح الحصول على بدلات عسكرية بسهولة. وقد أثارت بعض الإجراءات الحكومية المضادة سخرية الشارع اليمني كإعلان الداخلية (12 كانون الأول/ ديسمبر 2013) إغلاق جميع محال بيع الملابس العسكرية، ومنع بيعها البتة، وكأنها الوسيلة المثلى لمكافحة الإرهاب!

– وقوع ثلاثة مواقع من تلك التي رصدناها في مناطق نائية وبعيدة عن التجمعات السكنية، وهي أقل تحصيناً وأسهل اختراقاً (نقطة مراقبة/ مركز شرطة/ مقر لواء وكتيبة). وبالتالي فإن فرص التنظيم في شن هجمات ناجحة تبدو عالية.

– وبالعكس، فمواقع اربعة أخرى تقع في مدن (صنعاء – عدن – المكلا)، وهي مقار مناطق عسكرية تضم ألوية وكتائب وفروعا ومديريات أمن. ويتطلب الوصول إليها اجتياز نقاط مراقبة عدة، ومواجهة حراسات ومنشآت أكثر تحصيناً، وهو أمر يثير أكثر من علامة استفهام حول كفاءة خطة الانتشار الأمني داخل المدن. والأرجح أن سهولة وصول مقاتلي القاعدة إلى الأهداف تعود لكونهم يحملون هويات عسكرية (ويرتدون زياً عسكرياً)، بسبب عدم تطبيق نظام البصمة في الجيش والأمن عند تنفيذ إستراتيجية هيكلة القوات المسلحة في 2012.

– سقوط جنود يمنيين بنيران صديقة كما في هجوم 16 كانون الثاني/ يناير 2014عند إسعاف بعض الجرحى من جنود اللواء 139 بالبيضاء. أو ما زعمه عناصر القاعدة الفارون من السجن المركزي في تسجيل مصوّر، حيث روى أحدهم، بشيء من السخرية، كيف أطلق حراس السجن النار على بعضهم البعض من الارتباك وتعدد مصادر إطلاق النار.

[b]بعض الخلاصات[/b]

على الرغم من امتداح واشنطن إدارة الرئيس هادي وحربه ضد القاعدة، وعلى الرغم من حديث السلطة الانتقالية عن تحقيق انتصارات مبكرة في معارك أبين وشبوة، يبدو مستبعداً نجاحها في استئصال القاعدة ما لم يحافظ الجيش على وضعية هجومية، وما لم تترافق عملياته الحربية مع تنمية مستدامة في المناطق الريفية والجبلية الخارجة عن سيطرة الحكومة المركزية، حيث ينشط أعضاء القاعدة ويجدون تعاطفاً وحاضناً اجتماعياً وبيئة سخط تساعدهم على الاندماج مع المجتمعات المحلية المستاءة من أداء الحكومة وفسادها وتردّي الخدمات الأساسية. والشرط أن يتم ذلك بالتوازي مع انتهاج خيارات أمنية وعسكرية أكثر فاعلية وأقل إثارة للسخط المجتمعي، كتجنب هجمات الطائرات من دون طيار التي استفادت القاعدة من الأخطاء المصاحبة لها أيما استفادة، والعمل على تنويع التدابير الأمنية، كتشديد الرقابة على المنافذ البرية والبحرية خاصة، ومنع حمل السلاح في المدن بالجملة، وتطبيق نظام البصمة في الجيش والأمن بشكل تدريجي، وتحسين الخدمات والرعاية الاجتماعية في الأرياف، ومحاربة الجريمة المنظمة كاختطاف الأجانب التي تحولت مؤخراً إلى مورد تمويلي لتنظيم القاعدة، وتفعيل دور أجهزة المخابرات التي فشلت في الرصد المسبق لكل الهجمات، ثم فشلت بعد ذلك في تعقب واصطياد مرتكبي ومنسقي الهجمات.