ماذا كتب نعمان بعد خروجه من السجن في مصر؟

  

لطفي نعمان

لطفي نعمان يكتب حول: ماذا كتب الأستاذ أحمد محمد نعمان بعد خروجه من السجن في مصر؟


على هامش قمة الخرطوم الشهيرة آخر أغسطس 1967م بقمة اللاءات الثلاثة، بعد نكسة 5 حزيران 1967م، عقد بمنزل رئيس الوزراء السوداني محمد أحمد محجوب لقاء بين الملك السعودي فيصل بن عبدالعزيز والرئيس المصري جمال عبدالناصر تم فيه الاتفاق على حل المشكل اليمني، بالشكل الذي يُصفي الجو العربي بين الرياض والقاهرة ويحقق رغبتهما في حسم مشكلة اليمن، فاتفقا على تكوين لجنة ثلاثية تناط بها معالجة المشكلة.

على ضوء ذلك اختارت الرياض المغرب والقاهرة اختارت العراق ثم أوكل إلى مؤتمر وزراء الخارجية العرب في الخرطوم اختيار الدولة الثالثة، فكانت السودان. وتحددت مهمة اللجنة بوضع خطة لسحب قوات القاهرة من الجمهورية اليمنية ووقف مساعدات الرياض للملكيين.
وإذ هدفت اللجنة الثلاثية من تأليفها إلى “تمكين اليمنيين من التحالف والتآلف لتحقيق الاستقرار وتثبيت حقوق السيادة والاستقلال الكاملين”. فقد حرصت اللجنة على زيارة اليمن، لكنها جوبهت بمظاهرات شعبية منددة باللجنة، وللأمر مبرراته إذ لم يستشر الرئيس المشير عبدالله السلال في أمر الاتفاق بين الزعيمين العربيين، شأن كل اتفاق سابق بين الكبار العرب حول اليمن، فأصدر بياناً يندد باتفاق الخرطوم ونظم الاتحاد الشعبي الثوري مظاهرات التنديد والاستنكار يوم 3 أكتوبر 1967م والتي قُتل فيها عدد من ضباط الجيش العربي (المصري).. فلم يتمكن رئيس وأعضاء اللجنة الثلاثية العربية من إنجاز شيء في اليمن الجمهوري أو بحث مسألة عقد المؤتمر الوطني المرجو لحل المشكلة اليمنية.
ولما كان الزعماء الجمهوريون الكبار وقتها الأستاذ أحمد محمد نعمان والقاضي عبدالرحمن الإرياني والفريق حسن العمري محتجزين بالقاهرة، القاضي تحت الإقامة الجبرية والأستاذ والفريق في السجون الحربية، من 16 سبتمبر 1966م.. وعدد من الجمهوريين المنشقين وغير المنشقين ببيروت ودمشق، فقد التقت اللجنة الثلاثية بمن في الشام ببيروت، ثم سافرت إلى القاهرة خصيصاً لمقابلة الزعماء الجمهوريين، فكانت سبباً في إطلاق المعتقلين كافة، بعد مداولات مع الرئيس جمال عبدالناصر احتواها الجزاء الثاني من مذكرات الرئيس القاضي عبدالرحمن بن يحيى الإرياني، والسيد محمد أحمد محجوب في مذكراته “الديمقراطية في الميزان”.
كانت اللجنة ستلتقي بالزعماء المسجونين في الثامن والعشرين من سبتمبر إلا أن الموعد أرجئ، نتيجة إنكار الرئيس عبدالناصر لسجنهم عند حديثه مع محجوب أول مرة.. ثم آن الأوان المناسب، بعد تداعيات الموقف في صنعاء حسب تفسير القاضي الإرياني.
حرصت اللجنة الثلاثية على الاستنارة برأي الزعماء اليمنيين حول عقد المؤتمر الوطني للمصالحة الوطنية، والتساؤل عن ضمان نجاح هذا المؤتمر، فجاء الجواب على لسان الأستاذ النعمان حسبما يشرح في أول ما كتبه بالقلم بعد خروجه من السجن ووصوله المنزل عن بشائر الإفراج واللقاء باللجنة الثلاثية، مؤكداً أن اليمنيين بقبائلهم هم ضمان نجاح المؤتمر وانعقاده. وأن “على اليمنيين واجب مساعدة العرب وهو أن يساعدوا أنفسهم فقط ويساعدوا اللجنة التي وهبت نفسها لحل المشكلة الخارجية ونجحت فيها. وعلينا أن نكرس جهودنا لحل المشكلة الداخلية. وإلا فإلى الجحيم..”!
بعيداً عن ذلك الجحيم، ننعم بنص الأستاذ النعمان، موضحين بين الأقواس بعض الصفات والأسماء:
“بسم الله الرحمن الرحيم
أول ما كُتِبَ بالقلم
مساء الجمعة 6 أكتوبر 1967م (بعد الخروج من السجن الحربي)

في الساعة الثانية بعد ظهر الخميس 28 سبتمبر دُعيتُ مع الفريق (حسن العمري، رئيس الوزراء وعضو المجلس الجمهوري والقائد العام للقوات المسلحة قبل اعتقاله) فقط وطُلِبَ إلينا أن نلبس ملابسنا الرسمية ونحزم حقائبنا فإن مقابلة (…كلمة غير واضحة) تنتظرنا وبعد المقابلة نتوجه إلى بيوتنا. وقال مدير السجن (اللواء وحيد): ألف مبروك، والموعد الساعة الرابعة ولكن بعد ساعة من هذا التبليغ طُلِبَ منا أن نقطع الانتظار ونعود إلى الحال التي كنا عليها.
ومضى أسبوع وحتى أمس الجمعة 6 أكتوبر الساعة العاشرة صباحاً دُعيتُ أيضاً مع الفريق –وطبعاً إلى جانبنا ويقيم معنا الأخ أمين (الشيخ أمين عبدالواسع نعمان وزير الزراعة بحكومة العمري) وسعيد مرشد وهما موعودان بالخروج على إثرنا في التبليغ السابق يوم 28 سبتمبر.
وقالوا فقط نلبس ولا نحزم الحقائب بل لمقابلة فقط.. فثار الفريق وأقسم ألا يخرج إلا الخروج النهائي. وأخيراً أقنعناه أن يخرج وفي المقابلة يتحدث بما يريد؛ وخرجنا إلى قصر الطاهرة وكأننا على موعد مع الأخ القاضي (عبدالرحمن الإرياني) فقد دعوه يوم الخميس، ورفض المقابلة إلا بحضور المسجونين جميعاً. التقينا به في باب القصر قادماً من جهة الهرم وتعانقنا:
وكأن خليلاً في خِلال خليله تسرب أثناء العناق وغابا
ثم دخلنا القصر فاستقبلنا الأخ محجوب (محمد أحمد محجوب رئيس وزراء السودان) وأحمد بن سودة (سفير المغرب بلبنان) وخير الله (إسماعيل خير الله وزير خارجية العراق) والسكرتير محمد أمين. علماً أن بعض المصورين مع القائد زكريا نيل (محرر الشؤون العربية بصحيفة الأهرام المصرية) كانوا في الانتظار وحلف زكريا بأنه لا يعرف بأني في السجن. هكذا.
طلبت اللجنة منا أن نخلو بأنفسنا أولاً فخلونا لحظات لا ندري ما هو موضوع البحث إلا أن القاضي توقع أنهم سيطلبون الإجابة على الأسئلة التي نُشِرَت في أهرام الجمعة. وقررنا أن ما بدا بدينا عليه. وخرجنا بلهفة إلى اللجنة، وكان خير الله وأحمد بن سودة كصديقين أيام صعلكتهما وصعلكتي كما يبدو حيث ذكرني كل منهما بمواقف خاصة وعادت إلي الذاكرة. ومحجوب رددنا معه للمرة السابعة والسبعين:
إذا احتربت يوماً وسالت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها
ثم بدأ محجوب بتلاوة الاتفاقية وطلب الإجابة عن رأينا في حل المشكلة وكاد الجواب أن يتلخص فيما يلي:
منح اليمنيين على اختلافهم أسودهم، وأبيضهم، جنهم وإنسهم فرصة اللقاء ببعضهم ليتأكدوا أولاً من وجودهم وهل هم من البشر يسمعون ويعقلون ويمتحنون في رشدهم هل يؤنس فيهم الرشد أم لا يزالوا صبياناً لم يرتفعوا إلى مستوى الذين يفرضون عليهم الوصاية ويشهرون بهم في الدنيا أنهم صُمٌ بُكمٌ عُميٌ لا يعقلون. وهذا اللقاء يتحقق في المؤتمر الوطني.
س: هل تضمنون إمكانية عقد المؤتمر داخل اليمن وفي أي حماية؟
ج: نعم نضمن ذلك وفي حماية الذين يحمون مدعي حمايتهم وهم حراس السجن وحراس الحكومات المختلفة إنهم حاشد وبكيل.
س: هل يفي القبائل بالعهود والأحلاف؟
ج: هذه طبيعتهم الأصيلة وفطرتهم التي فطروا عليها وإذا كان هناك نقض في بعض الأحايين فمثلما يحدث من نقض الدول المتقدمة المتحضرة.
وأجمعنا رغم احتياطات وترددات من جانب مولانا وبعض شروط لم تجد قبولاً أجمعنا أن على اليمنيين واجب مساعدة العرب وهو أن يساعدوا أنفسهم فقط ويساعدوا اللجنة التي وهبت نفسها لحل المشكلة الخارجية ونجحت فيها. وعلينا أن نكرس جهودنا لحل المشكلة الداخلية. وإلا فإلى الجحيم والظروف كلها متغيرة اليوم والنفوس؛ وقد صنعت بنا الأحداث ما يحتم علينا أن نلتقي، ونلتقي كيمنيين.
وسُجِل هذا، وليس باللفظ ولكن بالمعنى فأنا أكتب بالمعنى الآن إذ لم يخرج الرد عن ذلك وعلمكم نفسية الخارج إلى الدنيا من المقابر.
وكررنا عليهم أننا جربنا مؤتمرات للقبائل ومن تجاربنا نطمئن على نجاح هذا المؤتمر لخلوه ممن يرغبون في فشله.
وإننا لنشكركم من كل جوارحنا على ما بذلتم من جهود وإن كنا نجهل معظمها لكننا متأكدون وقد شرح لنا السيد محمد أمين سكرتير اللجنة مواقفكم كلها.
وبعد الفراغ من الجلسة طلبنا منهم أن يسمحوا لنا بتطويل الجلسة وتناول الغداء حتى نأخذ قسطاً من الاستجمام وتذوق الحياة الدنيا. وأخيراً ودعونا الساعة الثالثة بعد الظهر. وعدنا إلى المقر الرئيسي عند أمين وسعيد مرشد بعد أن وعد السيد خير الله الذي كان له مقابلة الساعة السادسة مع الرئيس وعد بتركيز الحديث حول المعتقلين وأكدنا لهم أن الرئيس في عزلة مما جرى لنا وثقتنا به لا تُعد ولا تُحصى.
وفي الساعة السادسة والنصف جاء البشير الأخير وقالوا البسوا ملابسكم واحزموا أمتعتكم وألف ألف مبروك وصحبنا مندوب هو المقدم شعراوي رئيس الشؤون العربية في المباحث العامة، ووصل بنا إلى السيد اللواء حسن طلعت عبدالوهاب مدير المباحث العامة الذي أوصلنا إلى الصديق القديم الحميم شعراوي جمعة وزير الداخلية ثم اتصل تليفونيا بأخيه أبو الفتوح (أحمد كمال أبو الفتوح، محافظ مصري وكان رئيساً للبعثة العسكرية المصرية باليمن في الخمسينيات) لتبشيره فلم يجده وذهبنا إلى منازلنا أنا والعمري فقط على أمل أن يفرج عن البقية.
إذا تاب الإله على ابن عامر فبشر كل عاصي بالسلامة
ثم اتصل بنا تليفونياً الأخ أمين هويدي (وزير الحربية ورئيس المخابرات) مباركاً ومهنئاً واعداً بالزيارة.
انتهى”

ملحوظة: صورة الوثيقة مخطوطةً بخط الشيخ أحمد أمين نعمان موجودة بكتاب الشيخ سنان ابو لحوم “اليمن حقائق ووثائق عشتها الجزء الثاني”.

 

 

الأستاذ والقاضي والفريق

الأستاذ والقاضي والفريق

محمد أحمد النعمان ومحجوب

محمد أحمد النعمان ومحجوب (منتدى النعمان- نشوان نيوز)

 

ماذا كتب أحمد محمد نعمان بعد السجن في مصر

ماذا كتب أحمد محمد نعمان بعد السجن في مصر (منتدى النعمان – نشوان نيوز)

 

الصور من مقتنيات منتدى النعمان الثقافي للشباب.
يظهر فيها:
الأستاذ والقاضي والفريق.
الأستاذ ومحجوب.
الأستاذ والقاضي مع إسماعيل خير الله وأحمد بن سودة ومعهم د. عبدالرحمن البيضاني سفير اليمن ببيروت وقتها.