حكم الإمامة في اليمن: خصائص عامة

  

عادل الأحمدي

عادل الأحمدي يكتب حول حكم الإمامة في اليمن: خصائص عامة


تشابهت دويلات تيار الإمامة الجارودية في جميع نسخاتها تشابهاً بلغ حدود التكرار سواء من حيث خطوات النشأة أو من حيث ملامح الإدارة والحكم، وعلى ذلك يمكننا استخلاص ملامح عامة للدويلات الإمامية تدعمها الأحداث والحقائق على النحو التالي:

ليست ذات نزعة وطنية:

لا تحافظ على وحدة الوطن شعبياً أو جغرافياً ولا تجنبه التقزم ولا تسعى لاستعادة المبتور منه ولا تبالي بتشطيره. فكلما تقلص حجم الرقعة في نظر الأئمة كلما كان ذلك أدعى في نظرهم، للاطمئنان.

تمزيق المجتمع:

أسوأ ما فعلته الإمامة في حياة اليمنيين أنها مزقت شملهم، وأوجدت بينهم العداوة والبغضاء والحقد والتنافر، لكي يظلوا حطباً لبقائها، منشغلين بأحقادهم عن معالي الأمور، وتائهين عن تحقيق الذات وتأهيلها للإسهام المرجو منهم في بناء البشرية.

يقول المفكر اليمني محمد أحمد نعمان: “لقد كان ضياع مفهوم الوطنية وعدم الاقتناع الواعي بأن اليمن جميعاً مجال الحياة لكل أبنائه، هو الدافع لإشراك السماء في صراعات الأرض وجعلها وكأنها هي المحرك لهذه النوازع”. (النعمان: الفكر والموقف.. إعداد لطفي النعمان).

ويزيد نعمان: “لقد وجه الإمام يحيى قبائل الشمال التي حاربت تحت قيادته ضد الأتراك، وجه هذه القبائل نحو الجنوب وتهامة بدعوى المحافظة على الراية المحمدية في بلاد (كفار التأويل) و(إخوان النصارى) ليسلم هو نفسه من شر القبائل الشمالية (…) وللإنصاف؛ فإن الإمام يحيى لم يشأ بهذه الوسيلة أن يكرم الشماليين أو أنه تصرف هذا التصرف تحت دوافع الحب والحرص على مصالحهم، والرغبة في رد جميلهم لأنهم جاءوا به إلى العرش.. وإنما أراد أن يضرب جناحاً بجناح، وأن يصرف أنظار اليمنيين أنفسهم عما تعانيه مناطقهم من تخلف يستوجب بذل جهود كبيرة للخروج بها من حالة الجمود إلى حالة الإنتاج والتحرك.

ولم يقف به الأمر عند هذا الحد، بل إنه أثار بين قبائل الشمال نفسها المشاكل العديدة، سواء بين القبيلة وجارتها، أو بين أجنحة القبيلة ذاتها.. وطبيعي أنه لم يخلق أسباب الخلاف من العدم؛ فالمجتمع القبلي بطبيعته حافل ببعضها، ولم يحسم إشكالا على الإطلاق، وقد كانت المحاكم الشرعية أداة هامة من أدواته التي استخدم بها تعقيد المشاكل، حتى لتظل بعض القضايا ثلاثين عاما يستصفي خلالها القضاة أموال الفريقين ويضعف أصحاب القضايا خلال المنازعات ويفتقرون ويتشردون ولاتزال القضية معلقة”.

(تفاصيل أخرى عن تمزيق المجتمع طبقيا وأساليب الإمامة في زرع الخسة وبذر نوازع الغدر بين أبناء المجتمع، في تناولة لاحقة بإذن الله).

ليست ذات رؤية حضارية:

لا تسعى إلى القيام بدور حضاري يسهم في خدمة البشرية ورفاهها بل تتسم بطابع قروي أسري منطوٍ على نفسه متقوقع في إطاره يعمد إلى إسقاط الهوية الحضارية لعموم الشعب فداء لهوية مذهبية وثنية عنصرية تؤصل حقها في العرش. ثم تعزل هذا الشعب عن التفاعل مع جواره أو محيطه الإقليمي والدولي مكرسةً لديه نظرة شائهة عن تفسخ الأقطار والشعوب العربية في الخارج، ومرسخةً أن التفاعل مع الآخرين تهديد للدين والهوية وإباحة لخيرات البلد.. وفي ذلك يقول الشهيد الزبيري:

وقال لها: مصرُ أم الفجور
تسيل الخمورُ بأبوابها

وبغدادُ عاصمةُ الملحدين
ومكة نهبٌ لسُلابها

وما الأرض إلا لنا وحدنا
ولكنهم غالطونا بها

وهي حينما تضطر للتفاعل مع المحيط الدولي فإنها تقدم عليه بشكل متخلّف يكرس إزاء الشعب نظرة الازدراء والدونية. الأمر الذي أثر سلباً على تصور الفرد لذاته وانسحاق شعوره بالكينونة ومقدرته على المجاراة والتميز. وهو ما حطّم وجدانه وحطّم اعتداده، ودمّر نسيج العزة والصدق المفترض وجودهما في تعامله مع نفسه والآخرين. وتَدَعَّمَ هذا الشعور بأميّة حضارية في مدارك وعيه؛ إذ لا يعرف شيئاً عن حضارته القديمة ولا يرى أيّ ملمح من ملامح تجسدها ولا يستطيع الاهتداء إلى جوانب ضعفه وظروف تفوقه.

سعيُ الإمامة إلى سحق الذات اليمنية وردم تراثها الحضاري يأتي تحت لافتات عدة. منها، على سبيل المثال، ما ذكره حسين بدرالدين الحوثي الذي يسخر من الأعمدة الموجودة في مأرب ويرى أن قيام اليمنيين بمحاولة قراءة تاريخ حضاراتهم القديمة إنما هو مزلق إلى إثبات أحقية اليهود في ملك اليمن باعتبار أن جزءاً من التبابعة الحميريين كانوا يعتنقون اليهودية. ويستدل كذلك بقصة سليمان عليه السلام مع الملكة بلقيس.

أما فيما يتعلق بالدور الحضاري لليمن، نجد أن الزبيري لا يرى أية مكانة حضارية لليمن إلا في ظل ارتباطها العضوي بالعروبة، ومتى ما تخلّى اليمنيون عن دورهم العروبي يصابون بالضعف وتصاب العروبة بالهوان.. يقول الشهيد الزبيري:

كانوا، بأعصابِ العروبةِ ثورةً
تُمْحَى الملوكُ بها وتُرْمى الهامُ

وهمُ الأُلى البانونَ عرشَ أميّةٍ
نهضَ الوليد بهم، وعزَّ هِشامُ

كانوا زماماً للخِلافةِ، مُزّقَتْ
أوصاله، فَتَمَزَّقَ الإسلامُ

قحطانُ، أصلُ العربِ، منذ تهاونوا
بحياتها، عاشوا وهُمْ أيْتَامُ

لهُم الجبالُ الراسياتُ، وأنفسٌ
مثلً الجبالِ الراسياتِ عِظَامُ

ليست ذات منحى تنموي:

دولة قحطية؛ فلا هي ترعى وطناً وتبنيه، ولا هي تتركه في حال سبيله ليجد جواً من الاستقرار يمكن أن تزدهر فيه تجارته أو يتطور فيه عمرانه. بل على العكس يجيء الأئمة ليهدموا ما كان قائماً. إذ كان الأتراك العثمانيون قد أرسوا قواعد معينة في مجال الإدارة تلقاها عنهم بعض رجالات صنعاء، لكن الإمام يحيى استغنى عن ذلك كله وأتى ببعض الفقهاء من “شهارة” ليُسيِّروا أمور دولة. وزاد أن ألغى دار المعلمين وحوّل دار الصنائع الذي بناه العثمانيون إلى سجن. عقليات ضحلة يتفننون فقط في مزاحمة الناس “حتى على الحطب والبيض والبسباس”.

كما أن الدولة الإمامية لا تتمتع بموهبة اقتصادية تنمي معها اقتصاد الدولة ويعود ذلك بالنفع على حياة المواطنين، لكن الحاصل هو أن الأئمة في حال إفلاس الدولة قد يعمدون إلى اغتيال الأغنياء أو مصادرة أملاك الوزراء، وكذا نهب المساجد ومصادرة الوقف.

وأحياناً يعيدون صك العملة بما يبطل العملة المتداولة بين الناس فيفقر الغني بين ليلة وضحاها. كما ورد في كتاب “ابن الأمير وعصره”، (وكما هو حاصل الآن مع الحوثية ألغت التعامل بالعملة الجديدة).

على أن أفظع ما وصلت إليه العقلية الإمامية في هذا الجانب هو هذه الفتوى التي أصدرها الإمام المتوكل على الله بعد أن كان العثمانيون قد انسحبوا من اليمن بعد دخولهم للمرة الأولى ضمن امتداد الخلافة العثمانية، وبانسحابهم خلصت اليمن للأئمة القاسميين، “وامتد نفوذ الإمام المتوكل على الله اسماعيل بن القاسم إلى يافع وعدن ولحج وأبين وحضرموت، فوجه إليها جيوشاً طاغية لا ترحم ولا تبقي ولا تذر بقيادة ابني أخيه محمد وأحمد، وكانت هذه الجيوش تحتاج إلى إعداد وميزانيات ضخمة، فما كان من الإمام المتوكل على الله، إلا أن توكل على الله وأصدر حكماً شرعياً يحل المعضلة، يتلخص هذا الحكم في:

1 – تتحول، بموجبه، أرض اليمن من أرض عشرية تعطي الزكاة، إلى أرض “كفرية” تقدم الخراج.. بحجة أن اليمن انتزعت من الأتراك وأنهم كانوا يملكون هذه الأرض.. وبما أن الأتراك كفار (بنظره)، فما أخذ منهم غلبةً ينطبق عليه ما ينطبق على أرض “خيبر”.

2 – أن الجيوش التي تغِير على أرض (اليمنيين) المسلمين الآمنين جيوش مجاهدة في سبيل الله.

3 – كل ما يفرضه الإمام على الناس عامة، أو على بعضهم، حقٌّ مستحق، ودينٌ لازم يقدم طوعاً أو يؤخذ كرهاً.

4 – أن يتحكم الإمام في أموال الناس، وما يملكون من أرض وتجارة وحيوان تحكم السيد في عبده أو “ضربة السيد على عبده” كما هو في نص الحكم الصادر.

5 – الجهاد لا يقتصر على جهاد الكفار والبغاة ولكنه يمتد إلى جهاد المنافقين، وهم في نظر الإمام الذين لا يمتثلون لأحكام الشرع إلا كرها وخوفاً من صولة الإمام بجنده أو ببعض جنده”. (ابن الأمير وعصره).

ولا ننسى أن نشير هنا إلى أن الإمام المتوكل على الله –صاحب الفتوى– هو أيضاً صاحب مؤلفات أشهرها “إرشاد السامع في جواز أخذ مال الشوافع”.

وقد اقتدى الأئمة من بعد المتوكل به، بل وأصبحت فتواه ومؤلفه هي سند الأئمة لكل أعمال السلب والنهب التي مارسوها والحقوق التي صنعوها، والجنايات التي ارتكبوها.. حتى علق على ذلك أحد الشعراء:

قالوا إمامهم إسماعيل عالمهمْ
أفتاهمُ بمقال فيه برهانُ
يقول إن جنود الترك كافرة
دانت لهم من جميع القطر بلدانُ
وبعدهم قد ملكناها بقوّتنا
صارت إلينا حلالاً بعد ما بانوا
وكل شخص من الزُّراع عاملنا
على الذي بيديه أينما كانوا
إبليس سوّل هذا والنفوس دعتْ
إليه رغبتها فيها لها شانُ

(وهو ذات الأسلوب تستخدمه الحوثية اليوم في تكفير الشعب واستحلال دمائه وممتلكاته).

ليست ذات بعد إنساني:

دموية تسعى إلى تصفية المناوئين بشتى وسائل الإبادة، غاشمة لا تقبل الالتماس، ولا تعفو عند المقدرة..

علاوةً على ذلك فإن أسلوب الإمامة في قمع معارضيها، لايقف عند حدود قمع واغتيال رموز المقاومة؛ بل يتعداه إلى استئصال شأفة هذه الرموز، وملاحقة أبنائها واحفادها وإهانتهم وإفقارهم، والحيلولة دون توفُّر مناخ يمكن معه أن يتفتَّح ذهن أو يتنوَّر عقل. الأمر الذي أوصل الشعب إلى الحالة التي يصفها الزبيري بقوله:

ماذا دهى قحطانَ، في لحظاتِهم
بُؤسٌ، وفي كلماتِهِم آلامُ

جهْلٌ وأمراضُ وظلمٌ فادحُ
ومخافةٌ، ومجاعةٌ، وإمامُ

وتتأتى مثل هذه الدموية بسبب انعدام الشعور بالشرعية أولاً، وانعدام الشعور الوطني ثانياً، وهشاشة البناء النفسي للدولة والحاكم، وكذا السجل الأسود والخوف من الانتقام والثأر؛ ومن ثم تفضي هذه الدموية إلى تكرار نفسها بلا ارعواء.

لاهوتية الخطاب:

حيث الحاكم بأمر الله، ظلُّ الله في الأرض، ومستودع علمه وعصمته وإلهامه وتأييده. بيده الإنس والجن وإليه الأمور… يهاتفه المولى في خلواه، ويجيئُه النبي، صلى الله عليه وسلم، في منامه، وتخبره الجن بخطط العصاة!

“عندما تمطر السماء يقال للشعب هذه بركات الإمام، وعندما تمحل يقال للشعب هذه دعوة من الإمام ضد العصاة المتمردين… الزكاة لا تعطى إلا للإمام وبعض الصلوات لا تؤدّى إلا بوجود الإمام ثم يجيء الرخاء فيكون بفضل الإمام”. (ابن الأمير وعصره).

تبلغ حدة هذا الخطاب اللاهوتي إلى تصوير من يحاول الانقلاب على حكم هؤلاء، وكأنه ينقلب على الدين.. فحينما خرج علي بن عبدالله بن علي المؤيدي على القاسم ودعا لنفسه بالإمامة وهو من آل البيت، رد عليه القاسم بقوله:

إن كنتَ تبغي هدم دين محمدٍ
فأنا المريد أقيمه بدعائمِ

أو كنت تخبط في غيابة باطلٍ
فأنا المزيل ظلامها بعزائمِ

لولا اشتغالي بالحروب وأهلها
لوجدتَ نفسك لقمةً للّاقمِ

ليست ذات طابع مبدئي:

بدأت بالهادوية ثم الجارودية والآن الجعفرية الإثني عشرية، والتي تفضي إلى مبايعة المهدي المنتظر على “كتاب داود” كما سنرى لاحقاً.. والإشكال هنا لا يكمن في التبدل إذ “الثابت الوحيد في السياسة –كما يقال- هو مبدأ التغيُّر” لكن الإشكال في أن التغيُّر لدى الإمامة يحدث تحت نفس الشعار الأول؛ حيث تستبدل الإمامة كل الألبسة التالية على أنها هي الزيدية. وقد فند المؤرخ إسماعيل بن علي الأكوع وجود زيدية في اليمن من أساسه!

ليست ذات طابع قيمي:

دورات الحكم الإمامية إضافة لما سبق، ليست ذات طابع قيمي بحيث تحكمها مواثيق واضحة سواءٌ في التعامل مع الخصوم أو أثناء التعامل مع المؤيدين والأنصار. فالثابت الأبرز في سياسة الأئمة هو النكث؛ إذ حتى مؤيّدوها لا يلحقهم تطور في معيشتهم ولا تحسُّنٌ في أحوالهم مُحيلةً إياهم إلى مجموعة أوغاد سيئي الحظ؛ لا أنهم كانوا ضمن المناضلين والثوار، ولا أنهم سَلِموا ألفاظ التهكم واتهامهم بالطمع و”الموغادة واستغلال طيبة الإمام”! وفي ذلك يقول الزبيري:

نُسدي له أموالَنا ونفوسنا
ويَرى بأنّا خائنونَ لئامُ

نبْني له عرشاً يَسودُ فيبتَني
سِجْناً، نُهانُ بظلِّهِ ونُضامُ

تحنو الرؤوس له خشوعاً ظُلَّعاً
وتَنوءُ من أصفادِهِ الأقدامُ

كَمْ سبّحَتْهُ أَلْسنٌ، فَتَجرَّعَتْ
منهُ، مذاقَ الموتِ وهو زُؤامُ

كَم من أبٍ وَاسى الإمامَ بروحِهِ
ماتَتْ جِياعاً بعدَه الأيتامُ

يمتصّ ثَرْوةَ شَعبِهِ ويُميتُه
جوعاً، ليَسْمَن آلُهُ الأعلامُ

لا يُكتب لها الاستقرار:

وذلك بسبب التنازع على السلطة بين الأسرة الحاكمة من جهة، وبينها وبين بقية الأسر الهاشمية من جهة ثانية، وبينها والشعب المحروم من تقرير مصيره والمسوم بكافة أنواع التفرقة والمحارشة والدونية وألوان المعاناة في الجانب المعيشي من جهة ثالثة.

____
. من كتاب “الزهر والحجر” بتصرف يسير.
. مركز نشوان الحميري للدراسات والإعلام 2006.
. الحواشي والمراجع مفصلة في نسخة الكتاب.