الحوثية والخمس .. الجريمة الإمامية الكبرى (2)

  

توفيق السامعي

توفيق السامعي يكتب: الحوثية والخمس .. الجريمة الإمامية الكبرى (2)


بعد مضي الصدر الأول للإسلام والجيل الذي رباه النبي صلى الله عليه وسلم وبدأ التعصب الهاشمي وبدء الفتنة في زمن التابعين أو تمردات بني هاشم على الدول الإسلامية باعتبار أنفسهم قرابة رسول الله كنوع من خديعة الناس بهذا النسب واستعطافهم إياهم، هنا بدأت التنظيرات وتأويلات النصوص وبدء صناعة الأيديولوجية الإمامية الشيعية حتى استكملها الهادي الرسي الطبري الذي فرضها في اليمن بقوة الإرهاب والحديد والنار، ولو راجعتم فكره وفتاواه ورسائله وتشريعاته لعرفتم ذلك عياناً بياناً، وحينما كون نفسه ومذهبه وشبه دولته في صعدة تنكر لأهله ورفض حتى إعطاءهم من الأموال التي كان يأخذها على اليمنيين باسم الأعشار والغنائم والزكوات والخمس وغيرها.
ومما دلس به الهادي وكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم -كما أئمته من قبله- أحاديث تنسب للرسول -صلى الله عليه وسلم- زرواً وبهتاناً لتثبيت ملكه وإمامته والكذب بها على الناس، وهي لا تدخل عقل عاقل، وتتنافر كلية مع وصاياه -صلى الله عليه وسلم- ونهجه في كثير من التشريعات والأعمال التي عملها الرسول، فقال الهادي: “وقوله صلى الله عليه وسلم: عليكم بأهل بيتي فإنهم لن يدخلوكم في باب ضلالة، ولن يخرجوكم من باب هداية، وقوله -صلى الله عليه وسلم: أهل بيتي أئمة الهدى فقدموهم ولا تقدموا عليهم، وأمِّروهم ولا تؤمروا عليهم، وتعلموا منهم ولا تُعَلِّموهم فإنهم أعلم منكم. وقوله صلى الله عليه وسلم: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركب فيها نجا ومن تخلف عنها هوى”، كما جاء في سيرته.
قبل أن يكون الهادي زعيماً وإماماً لقومه عليهم خرج يودعه عمه في بلاد الرس وقال له لو فتح الله عليك بالجهاد والأموال فلا تنس أهلك وعشيرتك أن يكون لهم نصيب مما تغنم فهم في حاجدة ماسة للنفقة، ولما صار إماماً وجرت الأموال في يديه من النهب والسلب بمسميات مختلفة تنكر لهم وقال: أخاطر بنفسي ومن معي وأجهد وأتعب في كل ذلك ثم أعطيهم إياها فلماذا لا يفعلون كما أفعل ويعتمدون على أنفسهم حتى وصل الكلام لعمه الذي كان يعتبر زعيم الطالبيين كلهم فقال إني قد وهنت ولا أقوى على الجهاد والطلب…إلخ.
وقد تذمر منهم وكذب عليهم حينما رد عليهم برسالة من الشعر قال فيها،
وهو يبرر عدم صلته قومه في بلاد الرس بالأموال:
بني العم إني في بلاد ضريرة قليل وداها شرها متتابع
وليس بها مال يقوم ببعضها وساكنها عريان غرثان جائع
المهم أنهم حينما يتمكنون يتنكرون لأقاربهم ولم تعد لهم نفقة عليهم ولا خمس لهم عادل يوزعونه عليهم، وهكذا كان الأئمة في كل زمان ومكان، أما حينما يكونوا قوة على غيرهم فهم يطالبون بما يسمونه حقهم في الخمس، وهو الكذبة الكبرى في هذا الفقه المغلوط.
الآيات واضحات في غنائم القتال فقط بينما هؤلاء الأئمة صاروا يطلبون الخمس في كل شيء لتكديس الثروة رديفة السلطة في أيديولوجيتهم.
ولو افترضنا جدلاً أننا ذهبنا وراء مقولتهم وأفكارهم وأيديولوجيتهم فإن الخمس المذكور هو لله وللرسول، يقسم نصفين أي نصف الخمس للطرفين الله والرسول، فما لله ينفق في سبيل الله في كل شيء، وما للرسول أنفقه على نفسه وأهله في حياته وحياة أهله فقط وأهله هم زوجاته وبناته وحين ينتهي ذلك الجيل ينتهي كل شيء مخصوص في هذا الجانب.

إذاً من أين جاءت قضية الخمس:
من يراجع الفكر الزيدي الهادوي والشيعي عموماً فهم يعتمدون على تأويل النصوص تأويلاً يتوافق مع أهوائهم وما يرمون إليه من مطامع لتأسيس إماميتهم وأيديولوجيتهم. واعتمدوا في تأسيس هذه الأيديولوجية على داعمتين أساسيتين؛ الأولى: الولاية، وحشدوا لها كل النصوص بتأويل مغلوط وحشر مقصود سواء كانت صريحة أو غير صريحة ومعظمها غير صريحة بطبيعة الحال، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يمنح أصحابه وخاصة الأوائل منهم أوسمة ودعماً معنوياً من الأقوال والأفعال التي تجبر بخاطرهم، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة بن الجراح ومعاذ بن جبل وحسان بن ثابت وسعد بن معاذ وسعد بن عبادة وخالد بن الوليد وغيرهم؛ فكل واحد قال فيه أقوالاً كثيرة، فأبي بكر على سبيل المثال قال فيه أقوالا كثرة جداً تفوق ما قاله عن علي وغيره فقال: “لو جاء إيمان الأمة في كفة وإيمان أبي بكر في كفة لرجحت كفة أبي بكر”، وقال عن عمر: “لو كان من نبي بعدي لهذه الأمة لكان عمر”، وقال عن عثمان: “ما ضر ما فعل عثمان بعد اليوم”، وقال عن علي: “أترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي”، وقال عن أبي عبيدة: “إنه أمين هذه الأمة”، وقال عن معاذ بن جبل: “أعلم الناس بالحلال والحرام معاذ بن جبل”..وقال عن خالد بن الوليد: “إنه سيف الله المسلول”..وهكذا، إلا أن الإماميين تعصبوا لعلي بن أبي طالب واخترعوا له الكثير من الأحاديث ورووا له الكثير من الوقائع التي لا تدخل عقلاً ولا تصلح منطقاً وجعلوا الولاية فيه وفي أولاده.
أما الدعامة الثانية فهي قضية الخمس والأعشار كجانب اقتصادي يستعينون بها على إقامة دولتهم الإمامية، ومثلما حشدوا كل النصوص الباطلة وأولوها في قضية الولاية أيضاً حشدوا مثل هذه النصوص في جباية الأموال كالخمس والهبات والصدقات والأعشار، وفسروها أنهم المقصودون بأولي القربى من الرسول صلى الله عليه وسلم كما أوردنا في الآيات السابقات.
كان الهادي الرسي هو باذر هذه السنة السيئة في قصة الخمس وقبضها بقوة السيف والحديد والنار من اليمنيين حتى الفقراء منهم الذين لا يجدون إلا قوت أولادهم، والبيتان الشعريتان السابقتان في رسالته لعمه توضح هذا الأمر إلا أنه جمع الأموال الطائلة، واتخذت أفعاله ديناً وتشريعاً من بعده لأبنائه وأحفاده وكل أدعياء الإمامة حتى استحدث المتأخرون أبواباً ومصارف متعددة لنهب أموال اليمنيين وخاصة في عهد المتوكل إسماعيل والمهديين من بعده المهدي الأول أحمد بن الحسن بن القاسم، والمهدي الثاني إبنه المهدي أحمد بن محمد بن الحسن خاصة على أهل اليمن الأسفل والزكوات المضاعفة بغض النظر هل يوجد رخاء ومحصول أم لا، ومن ذلك ما فرضه من أنواع الإتاوات والزكوات، ولعلَّ أبرز مثال على زيادة الضرائب وبمسميات مختلفة ما ذكره يحيى بن الحسين في أحداث سنة (1085ه‍/1674م) بأن الضرائب المفروضة على اليمن الأسفل من غير الزكاة، وزكاة الفطر قد تضاعفت منها: «مطلبة التتن لمن شربه أو لم يشربه، مطلبة الصلاة لمن صلى أو لم يصل، ومنها مطلبة الرباح، ومنها مطلبة البارود والرصاص، ومنها مطلبة سفرة الوالي، ومنها مطلبة دار الضرب، ومنها ضيفة العيدين والمعونة … ولم يكن في اليمن الأعلى من هذه المطالب، إلاَّ مطلبة ضيفة العيدين والمعونة».
وهذا ما فعله كافة الأئمة من بعدهم وصولاً إلى عبدالملك الحوثي بالأمس وسن قانون الخمس على اليمنيين في كل شيء.
حتى في وقت الجمهورية وحكم علي عبدالله صالح لليمن وقبل الانقلاب الحوثي كانت بعض مناطق شمال الشمال في صعدة وعمرة والمحويت وحجة تسلم زكواتها للإمامة الخفية في صعدة سواءً لمجد الدين المؤيدي قبل ظهور الحركة الحوثية أو حتى أثناء دعوتها السرية، فقد أنبأني بعض الأصدقاء من المحويت أن وادي الأهجر الخصيب تسلم زكواته وأعشاره لبدر الدين الحوثي منذ بداية التسعينات، وكان كلامه ذاك عام 2000م قبل الحروب الحوثية ولم أكن أصدقه حتى ظهر للعيان كل شيء على حقيقته؛ بمعنى أن هذه الأعشار من الزكوات كانت مساعداً رئيسياً في تمويل الحركة إلى جانب الدعم والتمويل الإيراني.
حينما بدأ الحوثيون تكوين حركتهم المسلحة والبدء بالتمرد على الدولة صاحب ذلك التمرد حركة تنسيب كبيرة للهاشمية السياسية بحثاً عن النصرة وتقوية الحركة حتى من غير الأسر المحسوبة على الهاشمية المهم كثرة الأنصار والسواد حتى تسنى لهم تنفيذ الانقلاب على الدولة في 21 سبتمبر 2014 واستطاعوا الدخول إلى كل قرية عبر هذا التنسيب وعبر استخدام تحالفهم مع صالح وحزب المؤتمر الشعبي العام الذي يتواجد في كل قرية في اليمن.
في اعتقادي أن الحوثيين سيقومون بعد سن هذا القانون العنصري بعملية فرز جديدة وتنقيح سلالتهم من هؤلاء الدخلاء الذين تم تنسيبهم للحركة بعد أن ركبوا على ظهورهم في تنفيذ الانقلاب ولن يقبلوا أن يقاسموهم هذه الأموال التي سنوا لها القوانين وربما يبقون على بعض الامتيازات كرواتب شخصية فقط حتى لا يصطدمون بهم بشكل نهائي.
المهم أن الفهم المغلوط للنصوص وتأويلاتها لم تكن حكراً على الإماميين فقد جاراهم بعض أهل السنة الذين انخدعوا بهؤلاء الأئمة وقد كانت زلات بعضهم قاتلة وداعمة للأيديولوجيا الإمامية وخاصة أولئك الذين عاشوا مغلوبين على أمرهم تحت حكم الإمامة بعد القرن العاشر الهجري في اليمن وما عانوه من اضطهاد الأئمة لهم.
نحن بحاجة ماسة لتنقيح تراثنا الفقهي والتشريعي والتفسيري في ظل فهم جديد يعتمد الدلائل العقلية والنقلية والمادية حتى لا يتسلل منه الإماميون المتعصبون أو المتطرفون المتزمتون في كل فكر ولون.

عناوين ذات صلة: