القردعي ورحلة الثورة على الكهنوت

  

د. محمد أبوبكر شوبان يكتب: القردعي ورحلة الثورة على الكهنوت


الإنسان ابن بيئته، يتخلّق بأخلاقها، ويختلط دمه بترابها، لكنه قد يتمرد عليها وعلى أقرب الناس إليه، وهو الطريق الذي انتهجه الشيخ الشاعر علي ناصر مسعد القردعي، المولود على أرض سبأ، وتحديدًا حريب، إحدى مديريات محافظة مأرب في العام 1885م، وكانت قبل ثورة سبتمبر 1962م شأنها شأن بقية المناطق اليمنية التي عانت التجهيل الإمامي والانغلاق الشديد، وصار الجهل والتخلف سمة من سمات اليمنيين في كلِّ مناحي الحياة، ونتيجة لتلك الظروف لم يتلقَّ القردعي تعليمًا نظاميًّا، لكنه نشأ مبغضًا الظلم والظالمين، ونُصّب شيخًا لمشايخ قبائل مراد عام 1925م، وبلغ الخلاف ذروته مع الإمام يحيى حميد الدين حين أقدم الأخير على اعتقال ستين جمّالًا من قبيلة مراد، وزجّ بهم في السجن، وأرسل إلى الشيخ القردعي طالبًا منه الحضور إلى صنعاء، وما إن وصل حتى أودعه السجن بتهمة الخيانة، وأرسل عساكره إلى حريب للقيام بمزيد من التنكيل، وما إن طرقت الأخبار زنزانته حتى أقضت مضجعه وحاول الهرب، فكسرت رجله أثناء المحاولة، فطلب من الإمام إخراجه لكن الإمام ردَّ: “لن تخرج إلا لخزيمة”، وخزيمة إحدى مقابر صنعاء. استطاع الشيخ تمرير رسالة إلى أخيه أحمد القردعي طالبًا منه قتل الكحلاني، فتوجه أحمد القردعي بقوة قبلية من مراد وقتل الكحلاني، ولما علم الإمام أرسل جيشًا من القبائل نحو مراد، فأسرت 120 من شيوخها، وأرسلتهم إلى رداع. زاد ذلك من غضب الشيخ القردعي، فطلب من رفيقه في السجن علي الحُميقاني مساعدته، وتمكّن من تمرير رسالة إلى الخارج يطلب فيها أدوات تساعده على الهرب من السجن. تسلم القردعي الأدوات، وانتظر فترة دخول السجانين زنزانته، فضرب الحارس، واستلب مفاتيحه، وتسلق سور السجن هو ورفيقه علي الحميقاني، وتوجها نحو مديرية خولان، وبقيا مختبئين فيها لمدة ثلاثة أيام حتى استطاعوا الخروج نحو بيحان -إحدى مديريات محافظة شبوة اليمنية الخاضعة آنذاك للسلطات البريطانية- وبعد أن يئس الإمام من ثني القردعي عن توجهه المعادي للظلم والكهنوت، حاول جاهداً استمالته بالمال والجاه، فعيّن له راتبًا، وعفا عنه، ومن ثم أمره بمهاجمة بيحان المحتلة من قبل بريطانيا آنذاك بحجة تحريرها، وكان ذلك بهدف التخلّص منه، ولم يكن أمام القردعي سوى التوجّه نحو شبوة، أو العودة إلى السجن، فتوجّه بقوة قبلية صغيرة لم تكن ندا للإنجليز، وألقي القبض عليه، وأمروه بالتراجع، إلا أن القردعي أراد أن يضعف موقف الإمام أمام القبائل والإنجليز فشرط عليهم مقابل تراجعه أن يتسلّم تفويضًا من الإمام يأمره بالانسحاب، وبالفعل أرسل الإمام تفويضًا يأمر القردعي بالانسحاب. وفي هذا قال القردعي:
قدهم على شور من صنعاء إلى لندن متآمرين كلهم سيِّد ونصراني
اتقسَّمو الأرض كلا منهم وَثَنْ في أرض اليمن كدرو عاقل وسلطاني وعاد القردعي إلى صنعاء، ومضى يكمل ما بدأه من الكفاح والنضال مجاهدًا في سبيل الفجر الموعود، والتخلّص من الإمامة السلالية الكهنوتية، فاجتمع بعدد من المطالبين بالإصلاح سرًّا، ومنهم إبراهيم حميد الدين -نجل الإمام يحيى الذي عارض سياسة أبيه التعسفية- فخرج المجتمعون بضرورة التخلّص من الإمام يحيى، وبدأ تدشين الثورة الدستورية، وكان المكلَّف بهذه المهمة العسيرة هو القردعي نفسه لما يمتلكه من الجرأة والشجاعة وحسن التدبير، والذي بدوره نجح في اغتيال الإمام يحي بعد خطة محكمة أودت بحياة الإمام، وكان ذلك بمنطقة حزيز، وتحديدًا في 17 فبراير 1948م جنوب صنعاء، لكن ذلك لم يكن كافياً لنجاح الثورة الدستورية الوليدة وتحقيق أهدافها؛ ولذا تم وأدها في المهد، وقُتِل رموزُها وخيرة رجالها، ومنهم الشيخ علي ناصر القردعي أحد قادة الثورة المغاوير، وشاعرها الشعبي الذي قتل بخولان في العام نفسه.

أستاذ الأدب العربي جامعة عدن

نقلاً عن مجلة المنبر اليمني

عناوين ذات صلة: