تُقية.. وبُندقية: التشيع العلوي كغطاء للمطامع الفارسية

  

بلال الطيب

بلال الطيب يكتب: تُقية.. وبُندقية: التشيع العلوي كغطاء للمطامع الفارسية


بعد نَجاح الثورة الإيرانية «فبراير 1979م»، انتعشت آمال الإماميين في إعادة دولتهم الكهنوتية، ليتوجه في العام التالي وفد رفيع من قبلهم إلى طهران، في زيارة ظاهرها التهنئة، وباطنها طُموحات إمامية تبدت تباعًا، كان بدر الدين الحوثي أحد أبرز أعضاء ذلك الوفد، وقد كُللت تلك الزيارة بولادة تَحالف «زيدي، اثني عشري» جديد، وبصيغة مُختلفة، عنوانه: «توارى البدر، وعاد بدر»!!

كان ذلك الوفد برئاسة القيادي الإمامي الأبرز أحمد محمد الشامي، وقد قاده حماسه بعد نجاح تلك الزيارة لمُخاطبة ولي عهد المملكة العربية السعودية الأمير فهد بن عبدالعزيز بأبيات شعرية مَدلولها «لسنا بحاجة إليكم»؛ خاصة وأنَّ المملكة كانت قد تخلت قبل عشر سنوات عن دعمها لهم، واكتفت بدعم مَراكز القوى المشيخية – بشقيها الجمهوري والإمامي، ومما قاله الشامي:

قل لفهدٍ وللقصور العوانسْ
إننا سادةٌ أباةٌ أشاوسْ
سنعيدَ الحُكمَ للإمامةِ إمَّا
بثوب النبي أو بأثوابِ ماركسْ
وإذا خابتِ الحجازُ ونجدٌ
فلنا إخوةٌ كرامٌ بفارسْ

تبعًا لذلك، تم في «ديسمبر» من العام «1981م» طرد السفير الإيراني من اليمن؛ وذلك بعد أنْ تبدى للحكومة نشاطه المعادي، ليبدأ النشاط التعليمي لـ «جماعة الحوثي» في العام التالي، حيث تشكلت على يد محمد بدر الدين الحوثي، وصلاح فليته نواة حركة «الشباب المُؤمن».

قبل التعمق أكثر في تفاصيل ذلك، وجب التذكير أنَّ الثورة الإيرانية في ١٩٧٩، لم تكن في الأصل ثورة الخميني وحده؛ بل كانت نتاجًا فعليًا لنضال مُشترك احتشدت لأجله كل القوى والتيارات السياسية، والفكرية، وشكلت حلفًا مُناهضًا ضم «حزب توده الشيوعي، والملالي، وفدائي خلق، وجماعة مصدق، والليبراليون، وتجار البازار»، أجمع جميعهم أمرهم على إسقاط نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وهو ما كان.

وفي الوقت الذي كانت فيه قوى اليسار الماركسي، والوسط الليبرالي هي القاعدة الشعبية لتلك الثورة، كانت الأضواء مُسلطة على شخص الموسوي الخميني الذي كانت خُطبه ونداءاته بمثابة صوت الثورة الأوحد، ولَّد ذلك الحضور دعاية سياسية مُضادة، استغلها أتباع الأخير، وتمكّنوا بالفعل من الاستحواذ والسيطرة على كل شيء، ثم أخذوا في تصفية حُلفائهم واحدًا تلو الآخر، أزيح مهدي باذرخان من رئاسة الحكومة الأولى للثورة، وأرسل أبو الحسن بني صدر رئيس الجمهورية المُنتخب إلى المَنفى، وأعدم وزير الخارجية صادق قطب زادة بتهمة الخيانة العُظمى، وطال ذلك السلوك المشين جميع شركاء الثورة والنضال.

وهكذا اختنقت الثورة الإيرانية بأبخرة القوة النزوعية، وأغرقتها شهوة التعصب والغضب في نقائع الدم، لتطغى بذلك سطوة آيات الله، وحضر استبدادهم، فصلوا الدولة على مقاساتهم، وعملوا باستماته على محو تاريخ الثورة، وأبطالها الحقيقيين، وصارت صورة الخميني الفرد هي الأكثر حضورًا، وتحولت الثورة – كما قال هيكل – من ظاهرة إنسانية إلى ظاهرة شيعية مُحاصرة في إيران.

بلاد فارس كانت قبل ظهور «الدولة الصفوية» سنية المذهب «1501 ـ 1736م»، عمل «الصفويون» على استحضار حضارة فارس الغابرة، وجعلوها جزءا من الدولة والدين، وما حضور الحسين بن علي بن أبي طالب وجزء من ذريته في مُوروثهم الا تجسيدًا لتلك النزعة العُنصرية، خاصة إذا ما علمنا أنَّ الأخير تزوج من شاه زنان بنت يزدجرد آخر أكاسرة فارس، وأنجب منها ولده علي زين العابدين الشهير بـ «السجاد»، والذي إليه ينتسب باقي أئمة «الاثني عشرية».

ومن هذا المُنطلق فالتشيع في بلاد فارس قومية أكثر مما هو دين، على خلاف ما هو حاصل في بلادنا، والذي لا يتجاوز مُسمى الكهنوتية، وبنظرة فاحصة نجد أنَّ عوامل الشبه بين النموذجين الإيراني واليمني تتركز أكثر في أنَّ التشيع صار يحكم، ويتحكم، وهو كما يَكبر وينمو بالتعصب، والجدل، والجهل، يضمحل بوجود فكر واعي، ودولة قوية تردعه، وهنا تبرز التقية، والتمسكن حتى التمكن، وتحين فرصة انهيار تلك الدولة، أو العمل على انهيارها، والعودة إلى حمل البندقية، والسيطرة على الحكم مرة أخرى – بِمساعدة عدد كبير من السُذج والمُغفلين.

عملت ثورة الخميني على إعادة إحياء نزعة التشيع بنهجه القومي (الفارسي) لا الديني؛ بدليل تبنيها لمبدأ تصدير الثورة، والسيطرة على المناطق المُجاورة، تمامًا كما كانت تفعل «الدولة الساسانية» من قبل، وبدعم منها كبير عاودت «الإمامة الزّيدِيّة» في اليمن تمددها العسكري الكارثي – بقيادة حسين بدر الدين الحوثي «2004م»، ومن بعده أخيه عبدالملك، اختطف الإماميون الجدد الدولة والأرض، وهددوا أمن حلفائهم بالأمس، لتقود السعودية هذه المرة تَحالفًا داعمًا للجمهورية، عنوانه المُعلن القضاء على الانقلاب «الحوثي – الإمامي».

عبدالملك بدر الدين الحوثي – الإمام الجديد، ما هو إلا مُقلد بارع للخميني، وانتهازي كبير، تمامًا كأخيه الصريع، أجاد استغلال الطامحين، والمُنتقمين – في بلادنا – على السواء، أغراهم، ووعدهم بتحقيق رغباتهم النبيلة، وغير النبيلة، وعمل على تكرار السيناريو الإيراني «21 سبتمبر 2014م»، وبدعم مُستميت من سراق الثورة هناك، ولم يُدرك شركاء ثورته المزعومة هنا، والذين تقافزوا على رضاه – تلك الحقائق المُوجعة والدامغة إلا بعد أنْ وقع الفأس فوق رؤوسهم جميعًا.

عناوين قد تهمك: