صناعة الحوثي للكوارث الإنسانية بمساعدات أممية

  

محمد المقرمي يكتب: صناعة الحوثي للكوارث الإنسانية بمساعدات أممية


تعمّدت ميليشيا الحوثي منذ انقلابها على الشرعية في صنعاء المتاجرة بمعاناة المدنيين، واستغلال الأوضاع الإنسانية المأساوية لتحقيق مكاسب سياسية، فقد بدأت منذ نشأتها بمواجهة المنظمات الدولية العاملة في القطاع الصحي، وإعاقة عملها، بذريعة أن التطعيم يؤثّر على الإنجاب، مستغلةً الجهل والفقر، حتى حدثت أوّل كارثة والمتمثلة بسوء التغذية الحاد لدى الأطفال وهم الفئة الأضعف في المجتمع، مما استدعى مضاعفة احتياج المنظمات لمبالغ مالية لمواجهة سوء التغذية، ووقفت حائلاً أمام عملها حتى تحصَّلت على مبالغ مالية لمشرفيها، وكذلك الحال في الأمن الغذائي، فقد تحسنت نسبة انعدام الأمن الغذائي في العام 2014 إلى حد ٍّكبير منذ آخر مسح أجراه برنامج الأغذية العالمي في 2010م، حيث انخفض معدل نسبة انعدام الأمن الغذائي من 46% إلى 41%، ومع بداية الحرب التي سببتها الميليشيا الحوثية، وبعد انعقاد مؤتمر المانحين في العام 2015م خصصت المنظمات الدولية بالتعاون مع المنظمات المحلية ما يربو عن مليار ونصف دولار لمواجهة الأزمة الإنسانية والحفاظ -على الأقل- على الوضع من الانحدار من المرحلة الثالثة (التعافي) إلى المرحلة الرابعة (الطوارئ)، فقامت جماعة الحوثي بإغلاق كافة مكاتب المنظمات المحلية العاملة في الميدان؛ لعدم قدرتها على فرض مشرفين حوثيين فيها، الأمر الذي أجبر المنظمات على النزوح إلى عدن ومأرب وغيرها من المحافظات المحررة، لتعمل وفق بيئة آمنة لعامليها بعيدًا عن الصراعات السياسية، وبعيدًا عن ضغط الحوثيين الذين فرضوا أجندتهم على المنظمات، والغاية من كلِّ ذلك أن يتفاقم الوضع؛ وهو ما حدث بالفعل، وانحدر الوضع الإنساني من مرحلة التعافي إلى مرحلة الطوارئ؛ لكي تجبر المجتمع الدولي على الضغط على الشرعية والتحالف لإيقاف الحرب تحت مبرر كارثية الوضع الإنساني.

ولم تكتفِ عند هذه النقطة، بل سعت إلى مصادرة المساعدات الإنسانية، واحتجزت أكثر من 560 قافلة إغاثية و50 سفينة مخصصة للمساعدات الإنسانية، وحاصرت محافظة تعز، ومنعت حتى الماء والدواء من الدخول إلى المدينة، غير آبهة بالقانون الإنساني الدولي والشرائع السماوية والأعراف وغيرها من القوانين التي يحتكم إليها كلُّ البشر، فانحدر الوضع الإنساني من الطوارئ إلى مرحلة المجاعة التي ظهرت جيوبها في بعض مديريات محافظة تعز والحديدة التي يستقبل ميناؤها 80% من المساعدات الإنسانية، وكان يفترض أن يكون الوصول إلى المتضررين في محافظة الحديدة أسهل من كلِّ المحافظات بحكم مينائها الذي يستقبل أغلب المساعدات الإنسانية، لكنها عمدت إلى فرض مشرفيها بتماهي واضح من المنظمات الدولية بتنصيبهم في مراكز قرار لدى المنظمات الشريكة في التوزيع للأمم المتحدة، ليقدموا أرقاماً وهمية للمنظمات الدولية، وتذهب تلك الإغاثة إلى المشرفين الحوثيين وفق صفقات بينهم وبين مسؤولين في الأمم المتحدة، كما تم كشفه في التقارير الاستقصائية التي أُجريت في العام 2018م في صنعاء والحديدة وحجة، وعدد من المحافظات التي تقع تحت سلطتهم.

كما أسهمت في العام 2018م في نشر وباء الكوليرا في محافظة الحديدة بعد تقدم القوات المشتركة من الساحل الغربي، ولم تقم بتسهيل عمل المنظمات الصحية لمكافحة هذا الوباء في بدايته، بل تركته حتى تفشى وانتشر في كلِّ المحافظات اليمنية، ولكونها تسيطر على برنامج الترصد الوبائي -حتى اليوم- فقد كانت تتحكّم بالأرقام وفقًا لمصالحها السياسية والعسكرية؛ ولذا كانت تبدو الإصابات بالكوليرا في محافظة الحديدة بالدرجة الأولى، تليها حجة وغيرها من المحافظات، وبترتيب مع المنظمات الدولية ومنظمات الأمم المتحدة على وجه الخصوص التي دعت إلى إيقاف الحرب بدوافع إنسانية، ولم يكن غاية الأمم المتحدة إنهاء الحرب، وإلا فجميعنا مع السلام، لكنها توافقت مع مصالحها باستمرار الوضع بين اللاسلم واللاحرب حتى تتوسع في شبكاتها، وتستمر في استقبال المليارات من الدولارات من المانحين تحت دوافع معالجة الأمن الغذائي، فتسلَّمت أكثر من 16 مليار دولار منذ العام 2015م حتى 2020م،  ولم تقم بحلِّ مشكلة الأمن الغذائي، بل انحدر من 41% إلى 66%، ودخل الوضع الإنساني في المرحلة الخامسة (المجاعة)، وشكل أسوأ أزمة إنسانية في العالم وفق التصنيفات الدولية.

لذلك نجزم أن كارثة الوضع الإنساني في اليمن صناعة مشتركة بين الحوثي ومنظمات الأمم المتحدة العاملة في اليمن، والتي رفضت أن تغيّر من آليات العمل الإنساني، ورفضت الرقابة الخارجية التي ترفع عنها الحرج وتضمن وصول الإغاثة إلى المستحقين، واعتمدت على منظمات تتبع الحوثيين في الرصد وتحديد الاحتياج والتوزيع؛ الأمر الذي دفع بعض الدول المانحة إلى خفض مساعداتها في العام 2020م بسبب عدم شفافية الأمم المتحدة، واستغلال الحوثيين لتلك المساعدات؛ حيث فرض الحوثي في بداية العام 2020 تخصيص 2% نسبة من كل المشاريع المقدمة من الأمم المتحدة، وذلك بعد أن طفت بعض الخلافات بينهم وبين الأمم المتحدة في حرب البيانات في العام 2019م، بعد أن صرّح مسؤولو الأمم المتحدة أن الحوثي يصادر أكثر من 278 مليون دولار سنويًّا من المساعدات، واضطرّت الدول المانحة في لقائها مطلع العام 2020 في بروكسل إلى التلويح بخفض المساعدات وفي مقدمتهم أمريكا، بسبب إعاقة الحوثي وصول المساعدات، وبسبب عدم شفافية بعض منظمات الأمم المتحدة كمنظمة الصحة العالمية؛ لذا رأينا أن أمريكا التي قدّمت في العام الماضي 920 مليون دولار لتحلَّ في المرتبة الثانية بعد المملكة التي قدمت 1.05 مليار دولار، قدمت أمريكا هذا العام 225 مليون دولار، والحوثي والأمم المتحدة هم المتسبب الرئيس في ذلك.

ختامًا فإن الحوثيين لم يكتفوا بالتلاعب بالمساعدات ومصادرتها لصناعة الكوارث الإنسانية، بل استخدموا كلَّ الوسائل المحرَّمة للمتاجرة بمعاناة المدنيين حتى على مستوى الخدمات الأساسية للحياة، كالغاز وغيرها من الخدمات التي تمنع توزيعها إلا وفق سياسة يفرضها عقال الحارات الموالين للحوثي.

لهذا نكرر دعوتنا للأمم المتحدة في تصحيح مسار المساعدات الإنسانية، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وفق ما تبقى من مبالغ مالية مخصصة للمساعدات الإنسانية، واعتماد نظام اللامركزية في العمل الإنساني، وتفعيل الرقابة الخارجية؛ لضمان وصول المساعدات إلى المستحقين، حتى يتمكنوا من إنقاذ الوضع الكارثي، فالمجاعة تطرق الأبواب، وحينها لن تجدي مساعدات الأمم المتحدة ولا غيرها إذا انتشرت المجاعة التي قد تفتك بأرواح مئات الآلاف، ويكفي ما ناله الشعب من كوارث الحرب والأوبئة التي تحصد أرواح المدنيين منذ خمس سنوات، وآخرها الحميات التي انتشرت والأوبئة المختلفة؛ ابتداءً من وباء الكوليرا الذي ينشط مع الأمطار، مرورًا بالحُمّيات التي انتشرت في مختلف المحافظات، وأخيرًا وباء كورونا الذي بدأ يتفشى في اليمن، ولا تزال المساعدات والمحاليل المخصصة من المانحين في مخازن منظمة الصحة العالمية، منتظرةً تفشي الوباء.

نقلاً عن مجلة المنبر اليمني

عناوين ذات صلة: