إسلامية الخلافة أم قرشيتها؟ قراءة فقهية تاريخية (2-3)

  

د. كمال القطوي يكتب: إسلامية الخلافة أم قرشيتها؟ قراءة فقهية تاريخية (2-3)


تناولنا في الحلقة السابقة السياق الاجتماعي والسياسي الذي وردت فيه الوصية النبوية بتولية رجل من قريش، ثم عرجنا على فهم الفاروق للمسألة وإعادتها إلى منظورها القرآني في كون الخلافة إسلامية صميمة لا، وجدير بنا أن نواصل نقاش المسألة في ضوء دعوى الإجماع التي قال بها الفقهاء، ليتسلسل حديثنا عنها وتجليتنا لها في ضوء المنظور القرآني وفهم الراشدين، وتطبيق أئمة الاجتهاد في الصدر الأول:
4- إن مسألة الخلافة محل نظر سياسي نسبي وليست من قواطع العقيدة ولا من الفرائض التي يصدر الناس فيها عن وحي قاطع، وما ثم إلا وصية سياسية زمنية أفاد منها الصحابة في أول الأمر، ولو كانت من القواطع لما نشب الخلاف عليها أول الأمر في السقيفة، ولما قال الأنصار “منا أمير ومنكم أمير” إذ لا يمكن أن يخفى عليهم قطعية أمر جلل كهذا، وما ثم إلا نظر مصلحي أذعنوا له لما رأوا رجحان نظر الصديق والفاروق، وإخراج نقاش السقيفة من دائرة الاجتهاد السياسي إلى دائرة التقرير العقدي، مجافاة للحقائق وغلو في الدين إذ الخلافة من الفروع كما قرر أهل السنة بخلاف الشيعة الذين يعتبرونها من الأصول، وهذا الاجتهاد الذي قرره الصحابة انطلق من تعليلات مصلحية بحتة أشهرها ما جاء على لسان أبي بكر بقوله للأنصار : (ولن تعرِفَ العربُ هذا الأمرَ إلَّا لهذا الحيِّ مِن قريشٍ هم أوسطُ العربِ نسبًا وداراً) صحيح ابن حبان ٤١٤.
5- الذين يقولون بالإجماع يستندون إلى إجماع أهل السقيفة، كما ذكر النووي : ( وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ والتابعين) شرح النووي على مسلم (12/ 200). ودعوى الإجماع لا تصح، لأن أول من خالف إجماع الصحابة في السقيفة، الصحابي الجليل سعد بن عبادة، فقد رفض بيعة أبي بكر وعمر وهاجر إلى الشام بعد ذلك، ولم يبايعهما، ورواية رفض سعد بن عبادة لمبايعة الشيخين معروفة مشهورة أخرجها ابن سعد في الطبقات (3/ 463)، وعلق عليها ابن حجر في فتح الباري (7/ 126)وابن تيمية في منهاج السنة النبوية (8/ 314)، وجعلا ذلك اجتهاداً من سعد رضي الله عنه.
وهو اجتهاد يخرم دعوى الإجماع، إلا أن يقول قائل إن سعداً لا يعتد به! ودون ذلك خرط القتاد.
6- نقل الإمام النووي – قدس الله سره – أن التابعين أجمعوا على قرشية الخلافة، وهي دعوى لا تثبت عند التحقيق العلمي، فقد خرج جمهور التابعين على عبد الملك بن مروان القرشي، وبايعوا عبد الرحمن بن الأشعث الكندي اليماني خليفة للمسلمين، وكان من رؤوسهم، الإمام الشعبي والإمام سعيد بن جبير ، والإمام عبد الرحمن بن أبي ليلى، ومسلم بن يسار ، وأبو إسحاق السبيعي، وَعبد اللَّه بْن شَدَّاد، وَعقبَة بْن عَبْد الغافر، وغيرهم من أجلة التابعين، وكانت لهم كتيبة خاصة تسمى كتيبة القراء في معركة “دير الجماجم”، وقد قال الإمام أحمد بن حنبل حَدثنَا أَبُو بكر بن عَيَّاش قَالَ : ( كَانَ الْعلمَاء يحدثُونَ أَنه لم تخرج خَارِجَة خير من أَصْحَاب الجماجم والحرة). العلل (3/ 168).

وكانت بيعتهم لابن الأشعث على (كتاب الله وسنة نبيه وخلع أئمة الضلالة وجهاد المحلين) تاريخ الطبري (6/ 338).

ولم تقف القرشية عائقاً أمام تنصيب خليفة ارتضاه جمهور التابعين في العراق، حتى أن الحافظ ابن كثير تعجب من إغفالهم لشرط القرشية فقال : (وَالْعَجَبُ كُلُّ الْعَجَبِ مِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَايَعُوهُ بِالْإِمَارَةِ، وَلَيْسَ مِنْ قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا هُوَ كِنْدِيٌّ مِنَ الْيَمَنِ، وَقَدِ اجْتَمَعَ الصَّحَابَةُ يَوْمَ السَّقِيفَةِ عَلَى أَنَّ الْإِمَارَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي قُرَيْشٍ) البداية والنهاية (12/ 355)! والعجب كل العجب ليس من صنيع جمهرة علماء العراق وأئمة التابعين وتلاميذ الصحابة الكبار أمثال الشعبي وابن جبير وأضرابهم، وإنما العجب من هيمنة التقليد على العقل الإسلامي، حتى غطت مسألة القرشية على عالمية الخطاب القرآني الذي يجعل معيار الأفضلية في التقوى لا الأنساب والسلالات إذ يقول تعالى: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) !
ولنا أن نسأل، هل يعقل أن يجهل أئمة التابعين حكماً مثل هذا؟ وهل تصح مع تطبيقهم العملي لإسلامية الخلافة، أي دعوى للإجماع بعد ذلك؟!
7- وقد حشد مؤيدو النظرية القرشية مجموعة من الأحاديث الصحيحة، مثل حديث «لاَ يَزَالُ هَذَا الأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْهُمُ اثْنَانِ» البخاري، والأمر هنا إما أن يكون أمر الخلافة وقد ذهبت من قريش في القرن السابع الهجري، وإن حاول بعض شراح الحديث أن يتمحلوا له التأويلات. وإما أن يكون أمر الدين؛ وفي الحديث بشارة بثبات أهل قريش على ملة التوحيد ما بقي منهم اثنان، وهذا الذي نرجحه ويؤكده خبر التاريخ. وما يعزز هذا الرأي حديث النبي: (كان هذا الأمرُ في حِمْيَرَ فنزعَه اللهُ منهم وصيَّرَه في قريشٍ وسيعودُ إليهم) السلسلة الصحيحة ٥/٣٤. وفي الحديث دليل إلى ما ذهبنا إليه من زمنية الخلافة القرشية، وأن أمر الخلافة جار على سنة التداول بين الناس، وقد فهم ذلك قديماً الصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص فروى أنه (سيكون ملك من قحطان) صحيح البخاري.

ومن الأحاديث التي استدل بها القوم، قوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ هَذَا الأَمْرَ فِي قُرَيْشٍ، لاَ يُعَادِيهِمْ أَحَدٌ إِلَّا كَبَّهُ اللَّهُ فِي النَّارِ عَلَى وَجْهِهِ، مَا أَقَامُوا الدِّينَ» صحيح البخاري. فإما أن يكون أمر الدين فقد سبق تأويله، أو يكون أمر الخلافة، فلا إشكال، إذ بقيت الخلافة فيهم أيام الراشدين، فلما زاغ المتأخرون من أئمة قريش ولم يقيموا الدين، خذلهم الله ونزع منهم الخلافة.

8- ونحن نتفهم تواطؤ الفقهاء في العهد العباسي على مسألة القرشية، فذلك راجع لعدة أسباب من أهمها الحفاظ على وحدة الأمة تحت رمز واحد، فإن استقلال بني أمية في الأندلس عن خلافة بغداد، ثم ظهور حالات النزوع والاستقلال في بقية الأقاليم كان يمكن أن يذهب بالوحدة السياسية للأمة، فرأى الفقهاء مسوغية تفرد الحكومات المحلية والإقليمية بالنفوذ في إقليمها شريطة الاعتراف بالرمز الجامع في بغداد، وهكذا نشأت الدول الإسلامية تحت التاج العباسي، دولة بني ساسان والبويهيين والغزنويين والخوارزميين في الشرق، ودولة بني أيوب وابن طولون والإخشيد في الشام ومصر وغيرهن من الدول، وقد وجدنا القاضي عبد الجبار يقول بالقرشية ، وكان حري به وهو معتزلي أن يتابع أقوال مشايخه في إسلامية الخلافة، لكن اقترابه من المطبخ السياسي فرض عليه فقه الموازنات فمال إلى القرشية.

عناوين ذات صلة: