الاعتزاز بالتاريخ: ملاحظات واجبة على طرح مختل

  

أفراح عبدالعزيز الزوبة تكتب: الاعتزاز بالتاريخ: ملاحظات واجبة على طرح مختل


كتب حسين الوادعي عن التأريخ اليمني و”الجرح النرجسي” في عدة مقالات هدفها في الظاهر “كسر المسلمات التاريخية التي يعتمدها اليمني عند توصيف علاقته بالعالم حوله”، والبدء من نقطة الصفر عند الحديث عن المستقبل. ولي ملاحظات على هذا التناول:

1. لقد أورد الوادعي معطيات من وجهة نظره واعتمدها كأساس وحقائق لدعم جدليته، هذه المعطيات ليست ذا أساس علمي مثلا:

أ) أن كتاب التاريخ في العصر الإسلامي كانوا من اليمنيين ولذا أسهبوا في ذكر الحضارة اليمنية وملوكها وآثارها، وإن كان هؤلاء يمنيين فكيف تحقق الوادعي من عدم صدقية ودقة ما كتبوه؟

ب) قارن الوادعي بين مستوى التنمية البشرية في دول الخليج واليمن في الوقت الحاضر وأغفل الشروط التي توافرت لدول الخليج ولم تتوافر لليمن، وكان من الأفضل مثلا أن يقارن اليمن بدولة أقرب في الطبيعة وتوافر شروط النهضة. فليست دول الخليج مناسبة للقياس مع اليمن ولا حتى مع أي دولة عربية أخرى.

ج) لقد ضخم الوادعي ما سماه “بالجرح النرجسي”، وهو الجرح الذي عبر عنه الشعراء والكتاب اليمنيون خلال 1500 سنة، وكان يشهد صعودا في فترات معينة حينما تستفز الذات اليمنية، لكنه في ذات الوقت لم ينجح في الربط بشكل علمي في الإجابة على سؤال “كيف كان هذا الفخر التاريخي معيقا لليمنيين في بناء دولتهم”؟

د) قفز الوادعي على تحليل الأسباب الموضوعية لعدم قدرة اليمنيين على الحفاظ على سجل/ تاريخ تراكمي للدولة ونسبها جميعا للفخر بالتاريخ.

ه) عمل في نقاط على “لي” التعريف التاريخي للأرقام ليثبت نظريته: مثلا عمر الجمهورية اليمنية 30 عام ليثبت أن عمر دولة الإمارات أطول من عمر اليمن وأغفل أننا نتحدث عن حضارة عمرها آلاف السنين.

و) تحدث عن تسمية اليمن بأنها تسمية حديثة وليست تاريخية، أيضا ليثبت مدافعته عن عدم أصالة هذا التاريخ ونسي أن كل دول العالم بما فيها أعرق حضارات الدنيا كانت ذات مسميات مختلفة عبر العصور وهذا ليس عيبا في تاريخ الشعوب وإنما دليل ديمومة حضارية في هذه البقعة أو تلك.

ز) في السخرية من حذاء المؤسس ويعلم وهو المثقف أن الشعوب تتبع حتى آثار الأحفوريات لعصور ما قبل التاريخ لما لها من دلالات في نمو النوع البشري وتطوره.

2. على مدى التاريخ الموثق لليمن الجمهوري لم ينشغل اليمنيون أبدا بجوارهم الخليجي -لا غيرة ولا حسد- بالعكس ذاكرتنا متخففة من أي مشاعر سلبية تجاه جيراننا من الخليج. من بدأ حملة المقارنة والاستفزاز والانتقاص لم يكن اليمنيون بل كانت بعض الأقلام الخليجية لأسباب سياسية بكل تأكيد لكن لا يمكن إغفال عقدة النقص أن كل الثروة الخليجية لم تصنع تاريخا. فالعقدة هناك وليست هنا. واستخدام التاريخ كأداة من أدوات الفخر ليس حكرا على اليمنيين، مثلا التونسيون حين تأزمت العلاقات مع الإمارات كتبوا عن تأريخهم وفاضلوه بكل ثروة الإمارات، الإيطاليون حين جرحوا من تجاهل أوروبا لأزمتهم أثناء الكورونا خرجوا يتحدثون عن فضل الحضارة الرومانية على أوروبا.. وغيرهم كثير.

3. اليمني ليس بفخور بل على العكس أظن أن هناك مستوى من فقدان الثقة بالنفس مقارنة بشعوب أخرى، ولعل ذلك بسبب الخسارات المتوالية التي عاشها على مر تاريخه وحالة العزلة الجيوسياسية التي تجعله بعيدا عن وقع الحياة في العالم وتغيراتها وتجعله مترددا خجولا عن اختبار وإبراز قدراته أمام الآخرين عكس الشعوب الأخرى الأكثر انفتاحا.

4. عاب الأستاذ حسين الفخر بالبسكويت، والناس في فقر مدقع وجهل مطبق، وهذا حق، لكن استخدام الناس للرمزيات للدفاع عن أنفسهم لا يعني أنهم شركاء في تجهيل أنفسهم وحالة الفقر التي يعيشونها. هذه مطارحة مختلفة السياق ويبنغي النظر لها في سياقها الحقيقي: ما سبب الجهل والفقر.

5. لم استطع فهم القيمة المضافة لما كتبه حسين الوادعي في هذا الموضوع وفي هذا الوقت، كيف يظن أن إثارة هذا الجدل وتفكيك المروية التاريخية اليمنية يمكن أن يكون من أدوات الخلاص؟ لم أر فيما كتبه سوى تجريد إضافي لمقوم أساسي من مقومات نهوض أي أمة. يلتجئ اليمني -كأي شعب- لهويته وتاريخه وشعوره بالفخر قارب نجاة يمنعه من السقوط، يجمع شتاته، يذكره أنه قادر على النهوض.

اليمني يعيش حالة أقرب للاحتضار بسبب الحرب وتبعاتها، بسبب الحوثي ومحاولاته المستمرة لطمس الهوية اليمنية وتجريفها بمساعدة بعض الأدوات الإعلامية الخليجية.. هذا مشروع لا يهدف فقط لتمكين الحوثي شمالا وفصل الجنوب وتكريس سرديات ملفقة عن فارق شخصي وحضاري بين الشمال والجنوب. إنه مشروع يهدف لتحطيم كل فرص المقاومة والنجاة.

6. من غير المنطقي أن يتعامل المثقف مع الحراجة التي تعيشها البلاد بطريقة لا تتناسب مع الدور الذي اتخذه لنفسه كمثقف وتنويري، فالاتكاء على شعب مجروح وتسفيه محاولاته للبقاء والخلاص، في نفس الوقت الذي يتجاهل هذا المثقف سطوة الميليشيات وأعوانها وممارساتها، بل ويعتبر مقاومتها عملا “يثير السخرية” لا يستقيما.

. صفحة الكاتبة

عناوين ذات صلة: