كيف فكر الرئيس صالح في دواعي الميثاق والمؤتمر؟

  

فيصل الصوفي

فيصل الصوفي يكتب: ‏كيف فكر الرئيس صالح في دواعي الميثاق والمؤتمر؟

في ضحى يوم 24 يونيو سنة 1978 دوى انفجار داخل القيادة العامة للقوات المسلحة في صنعاء.. كان رئيس الجمهورية العربية اليمنية(شمال اليمن) أحمد حسين الغشمي في مكتبه بالقيادة العامة ينتظر استلام الرسالة الخطية التي أرسلها إليه الرئيس سالم ربيع علي(سالمين) رئيس جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية(جنوب اليمن)، بوساطة مبعوث شخصي، دعى مهدي أحمد صالح، واشتهر باسم تفاريش.. ولكن ما حدث هو أن الحقيبة التي كان يحملها تفاريش لم تحتوي على رسالة خطية، بل مادة شديدة الانفجار قتلت الرئيس الغشمي، ومعه قتل تفاريش أيضا..

حتى الآن هناك روايتان رئيستان لما حدث، وهما إما أن تفاريش الذي سبق له القتال في جنوب لبنان إبان الغزو الإسرائيلي، تم وضعه مكان المبعوث الشخصي الحقيقي للرئيس سالمين، وإما أن الحقيبة التي كانت تحتوي على الرسالة الخطية تم تغييرها بأخرى ملغومة، وهذه رواية ضعيفة، إذ كيف لم يلاحظ الرجل اختلاف وزن حقيبة تحتوي على أوراق، عن حقيبة فيها جسم متفجر؟ والأرجح إن هذه الحادثة دبرت بمعزل عن الرئيس سالمين للتخلص منه، فقد كان يوصف بأنه زعيم تيار اليسار الانتهازي، وربما أيضا للتخلص من الرئيس الغشمي الذي يعتقد أن له دور في قتل الرئيس إبراهيم محمد الحمدي.

لقد ترتب على هذه حادثة القيادة العامة، حدث مماثل في عدن، حيث اتهم الرئيس سالمين من قبل خصومه في التنظيم السياسي الموحد- الجبهة القومية، باغتيال الرئيس الغشمي، ليتخلصوا منه، وهذا ما حدث بالضبط، حيث جرت مواجهات عسكرية بين الرئيس سالمين وأنصاره من جهة، وبين خصومه من جهة ثانية، انتهب بقتله في قصر المدور بالتواهي بعدن، وذلك بعد مقتل الغشمي بيومين فقط (26 يونيو).

قبل مقتل الرئيسين الغشمي وسالمين، قتل الرئيس الشمالي إبراهيم الحمدي في شهر أكتوبر 1977 بينما كان يتهيأ لزيارة عدن للمشاركة في الاحتفال بمناسبة الذكرى السنوية لثورة 14 أكتوبر ولإجراء مباحثات مع الرئيس سالمين حول إعادة تحقيق الوحدة اليمنية.

وفي حقيقة الأمر أن العلاقة المضطربة بين الحكومتين في شمال اليمن وجنوبه، تعود إلى ما قبل هذه الأحداث.. فبعد قليل من استقلال الجنوب عن بريطانيا قام النظام في صنعاء باحتضان المعارضة الجنوبية عام 1968، وعين 17 معارضا أعضاء في المجلس الوطني بصنعاء لتمثيل الجنوب، كما استدعي الزعيم السابق لجبهة التحرير الجنوبية عبد القوي مكاوي من القاهرة، لتكوين تحالف جنوبي جديد في صنعاء ضم معارضين جنوبيين، وقد تولى مع مكاوي وعبد الله الاصنج الجناح السياسي للتحالف، بينما تولى القائد الجنوبي السابق عثمان عشال قيادة الجناح العسكري، وبالتنسيق مع بعض أركان نظام رئيس المجلس الجمهوري القاضي عبد الرحمن الإرياني، قامت مخابرات بعض دول الجوار بتنظيم صفوف تلك المعارضة وتجنيد المواطنين الجنوبيين الذين نزحوا إلى الشمال، وفتحت مراكز تدريب لهم في صنعاء وتعز وغيرهما، ومن ثم توجيه تلك القوات نحو الضالع وأبين لإسقاط النظام الجنوبي الموالي للمعسكر الاشتراكي، حيث شنت هجمات على القوات الجنوبية في مناطق التماس ونفذت أعمال تخريبية في العمق الجنوبي، وحدث هذا بصورة واضحة وقوية أثناء الحرب التي اشتعل أوارها في سبتمبر عام 1972بين الشمال والجنوب، وكان من ضمن محفزاتها مقتل ستين شيخا شماليا في شبوة كان أبرزهم الغادر والهيال وحنتس بينما كانوا في طريقهم إلى عدن للسفر منها إلى العراق..

وبالمقابل قام النظام في عدن بتبني المعارضة الشمالية، وهي عبارة عن ستة أحزاب يسارية وقومية تكتلت في إطار سياسي واحد سمي الجبهة الوطنية الديمقراطية منذ 11 فبراير عام 1973، واتخذت من المناطق الوسطى لليمن الشمالي ساحة للعمل المسلح ضد السلطات المتعاقبة في صنعاء، بدعم مباشر من النظام في عدن، واستمر نشاط هذه الجبهة إلى مطلع ثمانينيات القرن العشرين.

بعد مقتل الرئيس الغشمي حل مكانه رئيس انتقالي هو القاضي عبد الكريم العرشي الذي تولى الرئاسة مؤقتا بحكم أنه رئيس مجلس الشعب التأسيسي.. وبعد مضي الفترة الانتقالية يوم 17 يوليو عام 1978 انتخب مجلس الشعب التأسيسي في صنعاء المقدم علي عبد الله صالح رئيساً للجمهورية.
لم تكن المحصلة التراكمية لتلك الأحداث هي التحدي الكبير الوحيد أمام الرئيس الجديد على عبد الله صالح..

ففي الوقت الذي تولى فيه الرئاسة في ظل ظروف سياسية معقدة غلبت على علاقتي الشمال والجنوب، وظروف سياسية أكثر تعقيدا في الشمال، الذي ساد فيه فراغ سياسي نتيجة فقد هوية واضحة للحكم، وعدم توافر فرص التغيير السياسي السلمي، فضلا عن غياب التنمية الاجتماعية والاقتصادية، بينما كانت الساحة تموج بحركات سياسية متنافرة ومتصارعة، إذا به يواجه بتحديات أخرى في وقت مبكر من توليه الرئاسة، فبعد نحو شهرين من ذلك قام الناصريون في منتصف أكتوبر 1978 بمحاولة انقلاب عسكري للإطاحة به، لكن الانقلاب أفشل في اليوم نفسه، وبعد أشهر قليلة من ذلك الوقت نشبت في شهر فبراير 1979 الحرب الثانية بين الجنوب والشمال، ومثلت تحديا صعبا للرئيس الجديد الذي لم يوطد علاقاته بالقوى المجتمعية، ولم يرسخ قدماه في السلطة بعد، حيث اجتاحت القوات الجنوبية وقوات المعارضة الشمالية- الجبهة الوطنية الديمقراطية، المدعومة من الجنوب، مناطق شمالية بسرعة كبيرة غير المناطق التي كانت تسيطر عليها الجبهة في المنطقة الوسطى منذ بدايات سبعينيات القرن العشرين، وكانت الذريعة هي تحقيق الوحدة اليمنية بالعمل الثوري بعد فشل الأساليب السلمية، كما أن الجبهة الوطنية الديمقراطية ازدادت قوة وتجهيزاً جراء حصولها على دعم ليبيا معمر الجذافي الذي سعى لهزيمة صالح انتقاماً لبعض القياديين الناصريين الذين حكم القضاء بإعدامهم بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة.
لقد كانت هذه المقدمة ضرورية لوضع القارئ الجديد، أو غير المطلع، في الفضاء الاجتماعي العام الذي جاء إليه الرئيس علي عبد الله صالح، كما أن هذه المقدمة تلقي بعض الضوء على الطريقة التي سيتبعها في مواجهة التعقيدات السياسية والاقتصادية والعسكرية. وفي الحلقة التالية سوف نعرض- ببعض التفصيل- لجانب من هذه الطريقة، ونقدم بعض الشواهد التي نتجت عنها.

 

 

***
الحلقة الثانية:
في ظل الأوضاع التي أشرنا إليها، رأى الرئيس علي عبد الله صالح أن إعادة بناء المؤسسات الشعبية ضرورة وطنية عامة.. وأنه يتعين عليه اتخاذ تدابير مهمة تتيح المشاركة السياسية لجميع الفئات الاجتماعية والتيارات السياسية، لكي تتعاون وتتضامن معا لضمان ما يحقق للبلد الممزق الاستقرار، ومنافع سياسية واقتصادية واجتماعية، وأن يضع حدا للصراعات السياسية والقبلية على السلطة.. كان يقول إن تلك الأوضاع لا يجوز أن تستمر، وفي اليوم التالي لانتخابه من قبل أعضاء مجلس الشعب التأسيسي، أدى الرئيس علي عبد الله صالح القسم الدستوري أمام المجلس، وقال عقب أداء القسم إنه يمد يده بيضاء للجميع، وتعهد بسلوك النهج الديمقراطي وتطويره، لتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في صنع واتخاذ القرار..

وفي هذا المجال اتخذ صالح قرارات مهمة وكثيرة لتمكين القوى السياسية- التي لم يكن معترف بها- وتمكين المواطنين من المشاركة في الحياة السياسية واتخاذ القرارات العامة، وفي بداية الأمر كانت تلك القرارات تتعلق بتطوير المؤسسة التشريعية، والمجالس المحلية، والمتمثلة حينها في مجلس الشعب التأسيسي(4)، والمجالس البلدية وهيئات التعاون الأهلي للتطوير.
كان مجلس الشعب التأسيسي الذي انتخب الرئيس علي عبد الله صالح رئيساً للجمهورية يتكون من 99 عضوا، جميعهم معينين بقرار رئاسي، منذ عهد الرئيس أحمد حسين الغشمي (في مطلع شهر فبراير 1978 أصدر الرئيس أحمد حسين الغشمي إعلاناً دستوريا بتشكيل هذا المجلس المكون من 99 مقعدا، ثم اصدر قرار بتعيين شاغلي هذه المقاعد).

وفي 8 مايو 1979 أصدر الرئيس علي عبد الله صالح إعلانا دستورياً جديداً تم بموجبه توسيع صلاحيات هذا المجلس، وزيادة عدد مقاعده من99 إلى 159 مقعداً، لضمان تمثيل أكبر للمواطنين، وصدرت عقب ذلك قوانين لتطوير المؤسسة التشريعية كالقانون رقم 24 الذي صدر يوم 21 سبتمبر بشان تشكيل المجلس، وصار 70 في المائة من أعضاء هذا المجلس ينتخبون انتخابا غير مباشر، وذلك من قبل ممثلي المواطنين في المديريات، حيث كان يتم اختيار عدد مناسب من المندوبين في المديرية، ويعقدون اجتماعا في مركز المديرية، ويصوتون لعدد من المرشحين، والمرشح الحائز على أكبر عدد من الأصوات يصبح عضوا في مجلس الشعب التأسيسي، وأحيانا كان يتم تزكية مرشح معين، بينما يعين رئيس الجمهورية بقية الأعضاء(30 في المائة)، وكان مبرر هذا التعيين هو تطعيم المجلس بالخبرات الجيدة التي قد لا تراعى عند قبول المرشحين والتصويت لهم..

وفي وقت لاحق أصبح مجلس الشعب التأسيسي يسمى مجلس الشورى بموجب قوانين وقرارات أصدرها الرئيس علي عبد الله صالح في العام 1988 لتوسيع صلاحيات المؤسسة النيابية، وكان 75 في المائة من الأعضاء ينتخبون من قبل المواطنين بالاقتراع الحر المباشر- السري، بينما 25 في المائة كان يصدر قرار من الرئيس بتعيينهم.

هذا من جهة، ومن جهة ثانية كانت تجربة هيئات التعاون الأهلي في شمال اليمن قد بدأت في مرحلتها الجنينية بالحجرية في مطلع ستينيات القرن العشرين وعممت بعد ذلك في مختلف أنحاء البلاد، وذلك قبل تولي الرئيس علي عبد الله صالح الرئاسة بزمن طويل، ولكن يعود له الفضل في تطوير هذه التجربة من خلال توسيع صلاحيات ومسئوليات هذه الهيئات، واستحداث المجالس البلدية التي كانت تنم عن رغبته المبكرة في إيجاد نظام حكم محلي.. وكان ذلك في وقت مبكر من رئاستهـ فبحلول منتصف نوفمبر 1978 كان الرئيس صالح قد عقد أكثر من سبعة اجتماعات مع الاتحاد العام لهيئات التعاون، والأمانة العامة للاتحاد، ولجان مجالس التنسيق في المحافظات، بهدف التعرف على أراء قياداتها حول كيفية تطوير أداء الأدوار المجتمعية، وأعداد وتنفيذ المشاريع، وضمان حق المواطنين في اختيار قياداتهم المحلية..

وخلال ذلك كان يوجه الحكومة بتسهيل أعمال هذه المجالس وهيئاتها الإدارية وتلبية المتطلبات المحلية للمواطنين.. وفي نوفمبر 1978 اصدر الرئيس قرارين جمهوريين (رقم 11 ورقم 12) بتشكيل لجنة عليا للانتخابات لأول مرة، وتشكيل لجان إشرافية تتولى مهمة الإعداد لإجراء انتخابات عامة لاختيار أعضاء الجمعيات العمومية لهيئات التعاون الأهلي للتطوير، وأجريت تلك الانتخابات يوم 10 ديسمبر 1978 وتولت اللجنة الانتخابية الإشراف على اختيار الهيئات الإدارية التي دعيت في يناير لعقد المؤتمر العام الرابع لها، والذي انتظم خلال الأيام 22 – 24 يناير 1979.. وفي 30 مارس 1979 أصدر الرئيس قرارا جمهوريا بتشكيل لجنة عليا جديدة للانتخابات ترأسها يوسف الشحاري( نائب رئيس مجلس الشعب التأسيسي)، ونص قرار رئيس الجمهورية بهذا الخصوص على قيام اللجنة بإدارة الانتخابات العامة لاختيار أعضاء المجالس البلدية، كما تضمن القرار دعوة المواطنين للإدلاء بأصواتهم لاختيار ممثليهم في هذه المجالس، وفي 9 مايو أصدر قرارا بقانون لتعديل نص المادة الرابعة في قانون المجالس البلدية،

ونص التعديل على تشكيل المجلس البلدي في المحافظة من 9 أعضاء يتم اختيار 6 منهم بالاقتراع الحر المباشر من قبل المواطنين، وهذا ما تم في الانتخابات التي نظمت يوم 4 يونيو، بينما الأعضاء الثلاثة الآخرون يتم- حسب القانون المذكور- تعيينهم بقرار جمهوري، وقد صدر بتعينهم قرار يوم 3 يوليو، وفي 15 أغسطس عقد بصنعاء اجتماع ضم رؤساء وأعضاء المجالس البلدية المنتخبين والمعينين في عموم الجمهورية، لمناقشة وإقرار الخطط المحلية القادمة، وبعد فترة كافية من هذا التوقيت قام الرئيس بزيارات شملت عددا من المحافظات لمتابعة أداء هذه المجالس في ما يتعلق بتنفيذ الخطط التي أقرتها.

لقد شاهد العام 1980 حركة دؤوبة في هذا الاتجاه، فمنذ مطلع يناير اجتمع الرئيس بالهيئات الإدارية للاتحاد العام لهيئات التعاون الأهلي، وكلف رؤساء لجان الاتحاد ومصلحة الشؤون الاجتماعية(كانت حينها تسمى مصلحة الشئون الاجتماعية، وفي العام 1981 أصبحت وزارة الشئون الاجتماعية)، بعمل مشترك في المحافظات لدراسة احتياجاتها وحالة المشاريع الخدمية فيها..

وفي يونيو 1981 كلف الهيئة الإدارية للاتحاد العام ووزارة الشؤون الاجتماعية، الشروع في التحضير لدورة ثالثة جديدة من الانتخابات التعاونية، وتلى ذلك قرار جمهوري في 8 سبتمبر 1981 نص على إعادة تكوين اللجنة العليا للانتخابات التي ستنظم انتخابات هيئات التعاون للموسم الثالث، وحدد القرار اختصاصات اللجنة، وتلاه قرار آخر(القرار رقم 124 الذي صدر يوم 13 أكتوبر 1981) بتشكيل اللجان الإشرافية في هذه الانتخابات، وبعد إتمام الانتخابات عقد المؤتمر العام للمجالس البلدية،

وسنرى فيما بعد أن اللجنة العليا للانتخابات المشار إليها، واللجان الإشرافية المتفرعة عنها، أسندت إليها أيضا (بموجب قرار جمهوري برقم 128) مهمة إضافية هي الإشراف على انتخاب ممثلي المواطنين في المؤتمر الشعبي العام المعني بمناقشة مشروع الميثاق الوطني وإقراره بصورته النهائية، وحدد القرار رقم 129 أن يتم انتخاب 70 في المائة من إجمالي ممثلي المواطنين، بينما بقية النسبة المتبقية كانت من صلاحية رئيس الدولة.. في المقال التالي سوف نستعرض تفاصيل مولد الميثاق الوطني.

*************

انتهينا فيما سبق إلى القول إن الرئيس صالح أصدر قرارا تم بموجبه اسناد مهمة اضافية إلى اللجنة العليا للانتخابات المحلية أو البلدية، وكانت تلك المهمة هي الإشراف على انتخاب ممثلي المواطنين إلى المؤتمر الشعبي العام الذي سيلتئم لاحقا لمناقشة مشروع الميثاق الوطني وإقراره بصورته النهائية، وعلى وجه الدقة سيتعين انتخاب 70 في المائة من اجمالي المندوبين للمؤتمر الشعبي العام المعني بمناقشة واقرار الميثاق الوطني.. ويشير هذا إلى أن مشروع الميثاق قد سبق تلك الانتخابات، فكيف جاء هذا المشروع؟

لقد شكل الرئيس علي عبد الله صالح – بعد أشهر قليلة من انتخابه- لجنة تضم شخصيات سياسية، واجتماعية، وفكرية، وعسكرية، ورجال دين، كان معظمهم أعضاء في مجلس الشعب التأسيسي، ولم يكن بينهم امرأة. وأسند القرار الرئاسي لهذه اللجنة مهمة وضع مسودة ميثاق وطني جامع يتضمن أفكارا جديدة ومستوحاة من التجارب التاريخية للشعب اليمني وثقافته بالدرجة الأولى، بحيث تغدو هذه المسودة موضوعا لحوار حر يقود إلى وضع مشروع ميثاق وطني، يتم في ما بعد طرحه للنقاش في مختلف المستويات.. أجتمع الرئيس بهذه اللجنة يوم 10 أغسطس 1978، وشدد على رجالها ضرورة أن يدركوا خطورة هذه القضية، والعمل لها بإخلاص لأهمية أيجاد وثيقة وطنية تتفق عليها مختلف التيارات السياسية والفكرية والاجتماعية، وأكد في الوقت نفسه تمسكه بمبدأ المشاركة السياسية، وتطوير النهج الديمقراطي في البلاد (والذي لم تكن قد شاهدته البلاد حتى ذلك الوقت في الحقيقة)..

وبحلول 25 ديسمبر، قدمت هذه اللجنة لرئيس الجمهورية مسودة أولية لمشروع ميثاق وطني، وقرر من جانبه طرحها للنقاش في اجتماع ضم رئيس الحكومة، والوزراء، والمستشارين، ومحافظي الألوية(حسب التقسيم الاداري القديم كانت المحافظة تسمى لواء، لواء تعز، لواء صنعاء وهكذا)، وقيادات الهيئة العليا للاتحاد العام للتعاون الأهلي للتطوير، إلى جانب بعض القيادات السياسية والعسكرية، وقدم المجتمعون- خلال النقاش- آراء وأفكارا ذات صلة بمحتوى تلك المسودة، واستمعت إليها اللجنة نفسها التي حضرت هذا الاجتماع، ثم قامت بإضافتها إلى تلك المسودة الأولية..

ومن المناسب أن نوضح هنا أن هذه اللجنة التي شكلها الرئيس كان يترأسها عبد الله عبد الوهاب الشماحي وهو قاض ومؤرخ ومناضل سابق في حركة الأحرار، ثم بعد ذلك أضيف إليها 7 أعضاء آخرين، ثم 23 عضوا من خارج مجلس الشعب التأسيسي، فأصبحت مكونة من 55 عضوا بينهم برلمانيين، وقيادات سياسية واجتماعية، وعسكريين ورجال أعمال، وقد بينا قبل أن هذه اللجنة هي التي وضعت المسودة الأولية لمشروع الميثاق، والتي ستنظر من قبل لجنة أخرى هي لجنة الواحد والخمسين التي سنأتي على ذكرها.

في أواخر ذلك العام، وبداية العام الجديد 1979، كانت الأزمة السياسية بين النظامين في صنعاء وعدن تزداد حدة، ولعبت أطراف خارجية دورا أساسيا في تصعيدها إلى حرب، وهذا ما حدث بالفعل حيث بدأت الحرب الشاملة في أواخر شهر فبراير، وتمكنت القوات الجنوبية وقوات المعارضة الشمالية(الجبهة الوطنية الديمقراطية)، من التوغل داخل الأراضي الشمالية بسرعة غير متوقعة، فقام الرئيس علي عبد الله صالح بجولة عربية شملت سوريا والجزائر- وهما قويتا الصلة بالنظام في عدن- يطلب التدخل لوقف تقدم تلك القوات وعودتها إلى مواقعها قبل الحرب..

استطاع الرئيس التغلب على الموقف بعد القيام بتلك الجولة التي كسب من خلالها بعض الدعم العربي لوقف المعارك، بتدخل جامعة الدول العربية التي عقد مجلسها الدائم جلسة طارئة في الكويت (4- 6 مارس)، ثم استضافت دولة الكويت لقاء قمة (28- 30 مارس) بين الرئيسين علي عبد الله صالح، وعبد الفتاح إسماعيل اللذين توصلا خلالها إلى وقف الحرب والعودة إلى الحوار حول إعادة تحقيق الوحدة اليمنية.
لقد كانت قضية الوحدة اليمنية العنوان الرئيسي لمباحثات الرئيسين صالح وإسماعيل، حيث تم الاتفاق على إعادة تنشيط اللجان الوحدوية المشتركة التي شكلت من مسئولي الشطرين بموجب بيان طرابلس1972، للعمل من أجل تنفيذ الاتفاقيات التي تم التوقيع عليها من قبل الرؤساء السابقين، ورؤساء الحكومات في الشطرين، حول إعادة تحقيق الوحدة اليمنية، وتم الاتفاق بصورة أساسية على استئناف عمل اللجنة الدستورية لوضع مشروع دستور دولة الوحدة، والذي انتهت اللجنة من صياغته وإقراره بالفعل عام 1981.

كانت اتفاقيات الوحدة قد تضمنت ما نصت عليه المادة التاسعة في إعلان طرابلس عام 1972، بشأن التنظيم السياسي الذي سيتولى السلطة في دولة الوحدة، وبينما كان الحكم في الجنوب يدار من قبل حزب سياسي وحيد ومحدد الهوية، هو الحزب الاشتراكي اليمني، كان الدستور في الشمال يحظر تشكيل الأحزاب السياسية، رغم أنها كانت قائمة بالفعل منذ خمسينيات القرن العشرين، ولكن نشاطها كان سريا بحكم الحظر الدستوري، ونظرا لوجود تنظيم سياسي في الجنوب.

ولمقتضيات بيان طرابلس، توجه الرئيس علي عبد الله صالح نحو التفكير بتشكيل كيان سياسي أو تنظيم سياسي حاكم، في صنعاء، ولكن كان يتعين قبل ذلك إيجاد دليل نظري لهذا الكيان، وهذا ما جعل فكرة الميثاق الوطني تصبح أكثر إلحاحا.. في ديسمبر 1979 تحدث الرئيس صالح لصحيفة التصحيح، وقال: سوف تنجز مسودة مشروع الميثاق الوطني قريباً، وستشترك مختلف قطاعات الشعب في مناقشة مسودة الميثاق، ثم سندعو إلى مؤتمر شعبي عام لإقراره بصيغته النهائية.

بعد فترة قصيرة على انتهاء تلك الحرب، ومقررات قمة الكويت، اتجه الرئيس علي عبد الله صالح نحو ترتيب الأوضاع الداخلية أو توحيد الجبهة الداخلية التي كانت مفككة جراء السياسات التي اتبعها أسلافه، وهي سياسات عرقلت التنمية، وأشاعت الخلافات والاضطرابات السياسية بسبب الاستبعاد السياسي والتفرد بصلاحية صنع واتخاذ القرار..

وكان من بين القضايا التي ركز عليها الرئيس استئناف الحوار في صنعاء حول إيجاد مشروع الميثاق الوطني.. وانطلاقا من المشروع أو المسودة الأولية التي أشرنا إليها قبل، طورت فكرة الحوار في عام 1980 لتشمل مشاركة مختلف القوى السياسية في صنع هذا الميثاق، حيث أصدر الرئيس علي عبد الله صالح قرارا ( قرار رئيس الجمهورية رقم 50 الصادر بتاريخ 27 مايو 1980) بتشكيل لجنة الحوار الوطني، وهي لجنة الواحد والخمسين التي أشرنا إليها قبل، وأسندت رئاسة هذه اللجنة إلى حسين عبد الله المقدمي(وهو من المناضلين المخضرمين، وتولى في عهد الرئيس إبراهيم الحمدي رئاسة ما كان يعرف باللجنة العليا للتصحيح المالي والإداري)، وكانت مهمة اللجنة- وفقا للقرار- توسيع دائرة المشاركة في الحوار، حول مشروع الميثاق الوطني، ثم التهيئة لعقد مؤتمر شعبي عام لمناقشة مشروع الميثاق وإقراره بصورته النهائية.

كانت هذه اللجنة مكونة من رجال ينتمون إلى أحزاب متعددة ومختلفة، لذلك اتفقوا في البداية على أن الحوار بينهم يجب أن يتم في ظل مبادئ أسياسية أهمها الاعتراف بأن الاختلاف بين التيارات السياسية المتعددة أمر يجب التسليم به، ولا بد من احترام حق التعبير عن الرأي الآخر، وأن هناك قضايا محددة ليست موضوعا للخلاف مثل السيادة والوحدة الوطنيتين، والنظام الجمهوري وأهداف ثورة 26 سبتمبر، وأنه يجب التركيز على القضايا محل الاتفاق وتجنب التعصب في مناقشة القضايا موضوع الخلاف، لكي يتم التوصل إلى ميثاق وطني يعبر عن إرادة الجميع..

وبالرغم من أن الحزبية في شمال اليمن كانت محظورة بنص دستوري كما أسلفنا، فقد تصرف الرئيس علي عبد اله صالح خلاف ذلك.. تصرف حول قضية ملحة كهذه تصرف رجل دولة، فشكل لجنة الحوار الوطني من 51 عضوا ينتمي معظمهم إلى أحزاب سياسية مختلفة ومتصارعة.. ففي ضوء خبرته السياسية وما أفاده من تجارب الحكام الذين سبقوه حرص الرئيس صالح على مشاورة مختلف الأحزاب التي كانت تعمل بصورة سرية، وقد ضمت اللجنة أيضا عددا من المثقفين والمفكرين والشخصيات الاجتماعية وممثلي القطاع التجاري، ونظمهم حول مائدة حوار حر للوصول إلى وثيقة وطنية مكتملة تجمع بين ما هو مشترك في الثقافة الوطنية، والإفادة من الفكر السياسي الإنساني، واستيعاب القضايا المطلبية لكل هذه المجموعات، وهذه الوثيقة هي الميثاق الوطني المنشود، كما حرص على أن تتفق جميع هذه الأطراف على جعل هذا الميثاق دليلا نظريا لعمل مشترك وتضامني في الفترة القادمة، ووضعه موضع التطبيق في الممارسة السياسية بالدرجة الأولى..

 

وقد قال الرئيس على عبد الله صالح: “لقد كان في طليعة همومي- منذ الأيام الأولى لتحملي أمانة المسئولية الجسيمة وقيادة الشعب والثورة في 17 يوليو 1978- العثور على صيغة مثلى تحقق التفاعل الجاد مع مبادئه وقيمه وأهداف ثورته.. صيغة تعيد تحريك وجوده، وترسيخ قواعد الديمقراطية والعدل الاجتماعي في صفوفه، توجهاً لبناء الدولة المدنية الحديثة، المتلاحم أبناؤها، المتواصل حاضرهم الناهض بماضيهم العريق، بصورة تمكنهم من تحديد معالم المستقبل المشرق الذي يلهم بالإجابة عن كل التساؤلات التي تطرحها ذاتيتنا الحضارية وموقعنا من العالم، ومن هنا فقد ارتأينا ضرورة تشكيل لجنة موسعة من المثقفين والمفكرين ومن أعضاء مجلس الشعب التأسيسي ومن العسكريين وغيرهم لإعداد تصور عام لأفكار الميثاق الوطني ومضامينه، مستقى من مختلف فئات الشعب وتوجهاتها، حرصاً على ألا يفرض ميثاق يأتي من فئة أو جماعة، أو يملى من فرد أو سلطة، بل ميثاق تجمع عليه كل الأفكار والطموحات الشعبية يجسد إرادة الشعب واختياراته”.. على أنه يمكننا التأكد من مشاركة الأحزاب السياسية والقوى الاجتماعية المختلفة، في هذه اللجنة، ومن خلال العودة إلى الخلفيات السياسية والاجتماعية لأعضاء هذه اللجنة لذلك حرصنا على ذكر اسمائهم في هامش هذا المقال، ويمكن للمرء ملاحظة أنهم كانوا يتوزعون على تنظيمات وأحزاب سياسية: الإخوان المسلمون، البعث، الناصري، الجبهة الوطنية الديمقراطية، الاتحاد اليمني السابق والقوى الشعبية، مستقلون.

خلال الشهور يونيو – ديسمبر 1980 عقد الرئيس علي عبد الله صالح مع هذه اللجنة سلسلة اجتماعات لمتابعة ما تنجزه، وحثها على الإسراع في إكمال مهمتها الوطنية، وضرورة الانفتاح على مختلف الفعاليات الجماهيرية والاجتماعية والمواطنين لإشراكهم في الحوار حول الميثاق مع تأكيده على اللجنة احترام حق المواطنين في التعبير عن آرائهم بحرية، ولهذا الغرض شكلت لجنة الحوار الوطني لجانا فرعية، تعمل تحت إشرافها، لتنظيم مؤتمرات شعبية مصغرة على مستوى المديريات ومراكز المحافظات، وتم الشروع في ذلك ابتداء من منتصف ديسمبر 1980، وقد عرض في هذه المؤتمرات مشروع الميثاق الوطني، واستمرت تلك الفعاليات الشعبية في مناقشاتها إلى نهاية شهر أبريل 1981،

وساد النقاشات حماس كبير بفعل تنافس مختلف القوى السياسية على إظهار تأييدها لمشروع الميثاق ووضع بصماتها الثقافية عليه، وجرت محاولات من أجل التوفيق بين الآراء المتصارعة حول فهم المشكلات وسبل تجاوزها وإعادة النظر فيها، وبعد مناقشات ومداخلات وحجج وشواهد من الواقع واستدعاء تجارب تاريخية وفكرية وفلسفية ساهمت في إثراء مشروع الميثاق الذي توصلت اللجنة إلى صيغة غير نهائية له بعد طرح موضوعه للمناقشة العامة في مؤتمرات شعبية مصغرة، ثم أعادت اللجنة صياغته على ضوء الأفكار التي استقتها من الجمهور، ثم أعيد طرحه مجدداً على ممثلي الشعب في المؤتمر الشعبي العام في أغسطس 1982، فعيدت عملية الصياغة، ومن ثم اقر بصيغته النهائية من قبل المشاركين في المؤتمر الشعبي العام.. هل كان هذا الميثاق من صنع نخب، أم شاركها الجمهور في ذلك؟ وإن شاركها فما نوعية دوره في هذا صنع الميثاق؟ سنجيب عن هذين السؤالين في المقال التالي.
هامش
أعضاء اللجنة المشار إليها أعلى هم: حسين عبد الله المقدمي، أحمد الشجني، عبد الواحد الزنداني، محمد عبد الله الفسيل، سنان عبد الله ابو لحوم، احمد يحيى العماد،علي قاسم المؤيد، محمد بن محمد المنصور، أحمد علي المطري، أحمد جابر عفيف، أحمد قاسم دماج، عبده علي عثمان، حمود عاطف، عبد الله البشيري، يحيى الشامي، أحمد سالم العواضي، صالح عباد الخولاني، عبد الجليل الماوري، إسماعيل الفضلي، أبوبكر السقاف، صادق أمين أبو راسس، محمد علي الربادي، حمد الخطابي، عبد الله عطية، عبد الملك منصور، إبراهيم محمد الوزير، يحيى عبد الله الشائف، علي احمد السياني، محمد المحطوري، عبدا لسلام خالد كرمان، أبوبكر القربي، حمد شمسان الدالي، علي عثرب، أحمد محمد لقمان، محمد إسماعيل النعمي، عبد الله الحزورة، محمد عبد الله الجائفي، يحيى البشاري، علي يحيى العاضي، عبد القوي الحميقاني، سليمان الفرح، حسن جار الله، أحمد هائل سعيد انعم، عبد الحميد سيف الحدي، قائد عبده الحروي، عبد الله سلام الحكيمي، علوي حسن العطاس، عبد الواحد هواش، محمد محمد النزيلي، علي عبدربه القاضي، محمد الشيباني.

عناوين ذات صلة: