عن صوت عقيل الصريمي و”راديو جدي”

عن صوت عقيل الصريمي و”راديو جدي”
زكريا الغندري

زكريا الغندري يكتب: عن صوت عقيل الصريمي و”راديو جدي”


هنالك حيث قريتنا الضائعة خلف عولمة الضجيج، في زحمة الطبيعة المتفجرة بالنقاء والخضرة والطفولة، وجدتُ نفسي في منزل جدي حيث لا أحدٌ سواي، وجدت معي أيضاً “راديو” منه عثرت على صوت عقيل الصريمي ليكون رفيقا لي في طفولتي، ومنه عثرت على نفسي كذلك.
كان الراديو أشبه لي بمدرسة منه تعلمت كيف أصبح مبدعاً في قرية لاتجيد نطق الكلام جيداً، وكيف أكون مثقفاً وشغوفاً لكل شيء جميل في زمن بائس بالثقافة ماعدا الحب، لكنه غني بالنقاء لأصبح فيما بعد فيلسوف قريتي ومثقفها الذي حيثما ذهب لا يترك الراديو وصوت عقيل رفيقه.
في الجبل حيث تقف فتيات القرى في قمته وهن يعزفن مواوايل الجمال أثناء التحطيب، كنت أرعى إبلي في الشعاب وصوت الراديو يرافقني.
في مساء كل يوم كنا ننتظر برنامج عقيل في اللحظة التي كانت القرية تشارف لإطفاء أنوارها، كان جدي شغوفا أيضاً لسماع “أوراق ملونة” التي أصبحت فيما بعد “واحة اليوم” وكنا في حالة لم يحالفنا الحظ للاستماع بالمساء نعود لمزاولة سماعه بعد ظهر اليوم الثاني.
كان لصوته الدفاق الذي يتسرب من الراديو ويدخل في القلوب على هيئة كلمات تتدفق بكل شغف فيملأها بردا وسعادة، وكان لرفيقته عادية الشرجبي سحر لا يضاهي وهي تبادله الكلمة فيمزجان ويعصران معاً عذوبه لتشربها الأرواح خالصة، بعد أن يضاف عليها شراب من أغنية نادرة، فيخرج لذة للسامعين.
بينما القرية تنام باكراً يظل راديو جدي المعلق في أعلى طرف البيت يصدح بصوت عقيل الصريمي حتى يسمعه من في الجيران، فكان لصوته مع ضياء القمر حكايات منها تفجرت موهبتي وأنا أستمتع به وأتذوقه بكل إخلاص وتفانٍ مبتسماً للقمر، بينما أصوات الكلاب تحاولُ تعكير مزاجي بنباحها فأضطر لمطاردتها في الظلام حتى لا تعيق سماعي وانسجامي لذلك الصوت الصريمي وهو برفقة عايدة الشرجبي.
عقيل وعايدة، ذلك الثنائي جميل يصعب أن يتكرر. وهما يتبادلان الحديث تتسرب من بين صوتهما الأغاني النادرة لتأخذنا نزهة بعض الوقت، تلك الأغاني الجميلة التي لازالت ترافقني حتى الآن هي حصيلة “أوراق ملونة” حفظتها فأصريت أن اعيد تنزيلها والبحث عنها كلما أخذت جوال جديد.
بين الحقول الغارقة بالندى، وفي صباحات الريف الجميل وبصحبة صوت عقيل الصريمي وعائدة الشرجبي بدأت موهبتي بالخربشة وانتهت لأصبح كما يقال: شاعر لا أكثر منفي من قريته بتهمة التخابر مع الجمهورية، لاشيء يتوق إليه سوى منزل جده القديم الذي تهدم، وذكرياته وبقايا صدى لصوت عقيل لازال صداه يرافقه في زمن لم يعد لعقيل سوى صوته بعد أن تركه في القلوب ورحل الى جنات الخلد.
لصوت عقيل الصريمي نكهة مميزة ونغم يفيض حلاوة في نطقه، صوته العميق الغزير يزفره بكل بساطة فيرسل الكلام الفصيح بروعة ودهشة منقطعة النظير.
كان عندما يلقي شعراً يعلّق جدي مع انتهاء تلاوة كل بيت مردداً الله الله، مات جدي وهو يردد الله في سجوده بعد منتصف ليلة باردة أثناء قيامه في الليل، ولحقه عقيل وهو يردد يا الله جُد لي بشفائي فجاد له أن يأخذه إليه ونحن بحاجته، وبقيت أنا في صحراء لا شيء أحمل من الماضي سوى ذكريات وصوت خالد في كل القلوب.
مات عميد المذيعين وأغزرهم ثقافة، صاحب الصوت الذي أحيا القرى في قريته في غفلة من الزمن ليظل موته دمعة تلاحقنا جميعاً، ونظل نبكيه ونندبهُ.
وداعاً عقيل الصريمي رحلت ولم تملك شيئا لكنك ملكت قلوبنا جميعا، وتركت لنا صوتك ليظل نشيداً للذكرى.
الرحمة والخلود لروحك والطاهرة..
نم بسلام يا عميد المذيعين.
وحسبنا الله ونعم الوكيل.

عقيل الصريمي
عقيل الصريمي

عناوين ذات صلة:

 

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية