كمال قاسم غالب في رحاب الله: الشبل من ذاك الاسد

كمال قاسم غالب في رحاب الله: الشبل من ذاك الاسد
السفير اليمني أحمد حسن بن حسن

السفير أحمد حسن بن حسن يكتب: المرحوم كمال قاسم غالب الرسولي في رحاب الله: الشبل من ذاك الاسد


في الوقت الراهن والايام العصيبة التي يعيشها العالم بسبب وباء كورونا الذي حصد وما يزال يحصد ارواح الاهل والأحبة والاصدقاء. فكان منهم الاخ المرحوم كمال قاسم غالب احمد الرسولي الذي سطر خلال حياته معاني السلوك القيم والعمل الطيب ومعاني الخير بكل تفاصيلها شهد له بها الصديق قبل القريب.
مثلما كان والده العلامة الشيخ قاسم غالب احمد الذي حارب الامامة في اربعينات القرن الماضي، عندما تولي الامام احمد ولاية العهد ونائبا لوالده الامام يحي علي تعز، فحبس اولا في سجن الشبكة ثم في قلعة القاهرة – بعد محاولة هروب منه – وشاركه والدي في السجن الثاني لمدة 6 اشهر مع بعض اعيان تعز منهم الشهيد الشيخ عبد العزيز الحروى واحمد العريدان واحمد بن احمد ثابت واخرين حيث قاموا بمظاهرة وتوزيع منشورات ضد ولي العهد في ذلك الحين، وقد ذكر ذلك المرحوم الشيخ قاسم غالب في مذكراته التي هي قيد النشر مستقبلا وهي محفوظة لدى احد اولاده واطلعت على هذه الجزية من مذكراته ونشرها ولده امين في صفحته في الفيس بوك.

وبالمناسبة تلك الواقعة تعد من اوائل الاحداث النضالية ضد الامامة قبل هروب المناضلين الاربعة الى عدن في عام 1944 م مشيا على الاقدام ومن ضمنهم الشيخ مطيع دماج الذي اصبح محافظا لتعز بعد ثورة 26 من سبتمبر المباركة وفي فترتها الاولي من قيامها.
وعندما سجن بقلعة القاهرة كما اسلفنا اصبح الشيخ قاسم مدرسا للرهائن من زعماء قبائل اليمن فذكر الاديب المعروف زيد مطيع دماج في كتابه الانبهار والدهشة عندما زار ابن عمه الرهينة هناك عنه (أقبل نحونا ذلك الرجل المهاب بثيابه البيضاء النظيفة وبعمته البيضاء فوق رأسه كلباس علماء الازهر وربت كتفينا بحنان وقال لابن عمى-احمد قاسم دماج- متسائلا أهذا ابن عمك أول الثائرين ابن نقيب الادباء واديب النقباء بارك الله فيكم وتركنا وسألت ابن عمى عنه فقال: إنه السجين الوحيد بين الرهائن وهو استاذ فاضل قاسم غالب يخصص كل وقته لتعليمنا اللغة والتاريخ والجغرافيا والمنطق والاخلاق والحساب انه اكثر علما من معلمي المدرسة الاحمدية…).

لينتقل الى سجن نافع بحجة ليقضي ثلثي فترة سجنه التي تجاوزت 13 عاما ومن بداية عقد اربعينات والي منتصف عقد الخمسينات من القرم الماضي وبالتحديد في عام 1955عندما تم الافراج عن جميع احرار اليمن وبالذات من ثوار ثورة 1948م مع من تبقوا على قيد الحياة على سبيل المثال وليس الحصر.
ومن ضمنهم الشيخ قاسم غالب ولكنه كان اكثرهم سجنا منهم وبهذا الصدد يقول المناضل الاستاذ محمد عبد الواسع الاصبحي المعروف بلقب (الخويل) عن الشيخ قاسم غالب في مذكراته (هذا الانسان سجن قبل ان يسجن الاحرار الاوائل في عام 1944 اى قبل نهاية الحرب العالمية الثانية بعام واحد… فر الى ماويه فأُلقى القبض عليه بامر ولى العهد واعيد بعد ان كان في سجن الشبكة الى قاهرة تعز وضرب ضربا مبرحا فكان صبورا.
ثم اقتيد في نهاية الحرب العالمية الثانية الى حجة مكبلا بالحديد وهو صابر لا يئن ولا يتألم.. هذا الانسان العملاق الصبور ظل هكذا في السجن فدخل من دخل وخرج من خرج في 1948 و 1955م ولم يفرج عنه الامام الا بعد 14 عاما – 1955 -….وقد عمل مدرسا مع البيحاني في المعهد العلمي ثم عندما بنيننا كلية بلقيس دخل معنا وبقي يدرس هناك حتي قامت الثورة فتولى وزارة المعارف…..).

فهرب الى عدن ومنها الى يافع ليعمل قاضيا شرعيا هناك وبعد ذلك مدرسا في بعض المدارس الاهلية مدرسة بازرعة والمعهد العلمي حيث كانت المدارس الحكومية محصورة على من لديهم شهادة ميلاد في عدن..
ولذا كان له الفضل بعد الله العلي القدير مع زملائه من المناضلين اليمنيين الاحرار الهاربين وعلى رأسهم المرحوم الاستاذ النعمان الصانع الاول لقضية الاحرار حسب وصف زميله بالنضال الشهيد الزبيري او صانع النور في اليمن حسب وصف صديقه السعودي القصيمي، فعلى سبيل المثال شمسان عون وامين قاسم الشميري وهائل عبد الولي العريقي ومحمد عثمان ثابت واحمد حيدر ثابت وعبد القادر احمد علوان ومحمد على المقطري وعبده حسين الادهل واخرين..
وذلك بإنشاء مدرسة بمراحلها الثلاث وبمنهج عراقي وبمدرسين يمنيين وعراقيين المسماة كلية بلقيس لان المدرسة الحكومية مثلها مثل الاخريات الحكومية والتي لا تقبل ابناء الشمال او المحميات الأخرى في الجنوب وكانت في دار سعد والمسماة كلية عدن وكلاهما خرجت العديد من الكوادر اليمنية ممن تبوأ مناصب واعمال مرموقة مستقلا شمالا وجنوبا، على ارض اليمن.
وبجانبها تم انشاء مسجد النور ليكون الشيخ قاسم امامه وخطيبه وكلاهما كلية بلقيس ومسجد النور شامخان حتي اليوم في مدينة الشيخ عثمان والتي ولد فيها ابنه البكر المرحوم كمال في عام (1957) من امه من اهالي الشيخ عثمان، كما انه انشاء معهد النور وبالرغم من انه كان من ذوى النزعة الدينية ولكن المتنورة بحكم دراسته الاولي في زبيد معقل العلم والفقه الديني في ذلك الزمان، الا انه كان مؤيدا للرئيس عبد الناصر قلبا وقالبا وطلب اللجوء السياسي اليه عندما عاد الى السجن سجن القلعة بصنعاء في 1967 مرة اخرى الذي لم يزره في المرة السابقة في العهد الملكي.
ولكن في عهد الجمهورية التي نادي بها مثلما تعرض له في العهد الامامي وكأنه محكوم عليه ان يتعرف على كل سجون اليمن التي هي من مخلفات الامامة التي كان ينادي الإمامة بأن تكون مدارسا لا سجونا. ومن عدن حرر “رسالة من الجحيم ” إلى الإمام ذكر فيها مجموعة من المطالب، منها أن يحول الإمام السجون إلى مدارس، والسجان إلى معلم والقيود والأغلال إلى أدوات للحراثة، وأن لا يسجن أي شخص، إلا بعد محاكمته.

وبقيام ثورة 26 من سبتمبر 1962 توجه احرار اليمن الهاربين في عدن والعودة الى صنعاء فعين مباشرة نائب وزير التربية والتعليم نائبا للشهيد الزبيري أول وزير للتربية، ليجعل نشر التعليم في البلاد امرا حيويا وله الاولوية في سياسة الثورة الجديدة طالما كان يطالب به الامام احمد او عندما كان لا يزال وليا للعهد ونائبا على تعز مسقط رأس الشيخ قاسم غالب.

فالمدارس الحديثة في كل من صنعاء وتعز والحديدة والشامخة حتي الان – ماعدا المدرسة الثانوية بالمصلي بتعز التي هدمت وعملوا بدلا عنها مكاتب للتربية ودكاكين للاسترزاق منها من هوامير الفساد مع انها كانت مدرسة بمعني الكلمة وبملاعبها الواسعة للانشطة الرياضية – كل تلك المدارس شيدت في عهد تقلد الشيخ قاسم غالب كوزيرا للتربية والتعليم والذي ظل وزيرا في اكثر من حقيبة وزارية في هذا المنصب والتي كانت هذه المدارس من المعونات المصرية والكويتية والروسية والصينية.
كما أنشأ المركز الاسلامي بتعز وكان يرأسه ضابط مصري من القيادة العربية برتبة مقدم عبد ربه… ويحاضر فية الكفيف المصري الشيخ احمد عبد الجواد الدومي ومن ثم انتقلت ادارته الى احد مؤسسي جماعة الاخوان المسلمين الاستاذ محمد عبده المخلافي وكان قد عين عضو في المجلس الوطني ولقي حتفه في حادث سيارة في طريق صنعاء- تعز وبدأت جماعة الاخوان بالاستحواذ وادارة قطاع التعليم في تعز الذين معظمهم من المخلاف او شرعب كمدرسين او في ادارة التربية والتعليم.
وما زلت اذكر في احد المحاضرات احتدم النقاش لدرجة الاشتباك اليدوي بين الناصرين برئاسة الشهيد عيسى محمد سيف القدسي والاخوانيين من المخلاف وشرعب داخل هذا المركز وهو احد الشقق في شارع ما بين باب موسي والباب الكبير خلف شارع وسوق الشنيني عمارات تحتها دكاكين بدلا عن المعلم الأثري لتعز سور مدينة تعز القديمة.

وحتي عندما كان يزور تعز في زيارة عمل يحرص على ان خطبة الجمعة تكون من نصيبه في جامع المظفر التي كانت محورها تأييد الثورة السبتمبرية وكشف مظالم وماسي الامامة والاستشهاد بما يأتي في خطب الرئيس ناصر، والانتقال بعدها ضيفا على والدي رفيق دربه في سجن القاهرة في منزله القريب جدا من جامع المظفر. وكان له مؤلفات أبرزها كتاب أبن الأمير وعصره صورة من كفاح الشعب اليمني والذي ألفه مع أربع كتاب أخرين هم حسين السياغي ومحمد الأكوع وعبدالله الشماحي ومحمود زايد (مصري)

وبخروجه وهروبه الى مصر في 1967 على أثر حركة نوفمبر 1967 وخروج الرئيس السلال مع رفقائه رحمهم الله جميعا ومنهم الشيخ قاسم من البلاد حتى وفاته هناك في قاهرة المعز بمصر ام الدنيا في 1972.

كانت فرصة الى ينال اولاده الدراسة في مصر ومنهم المرحوم كمال الذي تخرج من جامعة القاهرة من كلية التجارة قسم تأمين وهو من الطلبة اليمنيين القلائل بأصابع اليد الذين يلتحقون بهذا القسم لان المعظم كان يلتحق في قسمي المحاسبة والادارة في السنة الاخيرة من التخرج. ليتخرج ويعمل في وزارة الشئون الاجتماعية والعمل عندما كان يرأسها الاستاذ القدير احمد لقمان واسس في حينه مؤسسة التأمينات وعمل فيها المرحوم ونشأت علاقات صداقة واخوة بينهما حتي اخر عمره رحمه الله.

الا انه لم يدم معه هذا العمل هناك طويلا لينتقل من صنعاء الى تعز وانخرط في العمل القطاع الخاص مع مجموعة هائل سعيد العملاقة بحكم علاقة الصداقة بين والده والحاج هائل ابو الخير في تعز وعموم اليمن – طيب الله ثراه – ليعمل مديرا لمستشفى السعيد (القديم مقر المستشفى السويدي للرعاية والطفولة في جولة النقطة الرابعة ) وشاء القدر ان يسعف قبل وفاته الاستاذ والاديب والوزير والسفير محمد عبد الواسع حميد الاصبحي الذي كان صديقا لوالده وأثنى على نضاله كما سبق الاشارة اليه الى هذا المستشفى ويكون تحت رعاية ولده المرحوم كمال الذي لم يقصر في ان يؤدى واجبه نحوه او نحو الاخرين.

وقد عمل بالمستشفى بكل تفانى واخلاص وامانة من دون فساد وكان خدوما ومساعدا للفقير قبل الغني بقدر استطاعته و بعض الاحيان كانت تقييده نظم المستشفى الخاص ومع هذا كان يجد لها مخرجا وكان محبوبا من الدكاترة المصريين الذي يذهب الى القاهرة من اجل التعاقد معهم والاختيار للافضل فيما بينهم حتي ان احدهم ظل يرعاه ويتلقى من المضايقة في المستشفى الذي كان يعالج فيه بالرغم من انه طبيب عندما سمع بمرضه في فترة مرضه القصيرة لمدة اسبوعين قبل وفاته بفيروس كورونا كلمسة وفاء منه لمديره السابق.

وعندما انتقل الى القطاع الخاص والى مجموعة هائل كان يقول لي لماذا لا تحذوا حذوي والانتقال الى القطاع الخاص كما فعلت، واستشهد بما قام به زميلي في الدراسة الاخ خالد الدغيش الذي استقال من مكتب الرئاسة وعمل مع هذه المجموعة حتي الان، الا ان ردي عليه كان مفاده (شبر مع الحكومة ولا ذراع مع القبيلي) لاقتناعي بالعمل الحكومي.

ومع تطور عمل المجال الطبي لمجموعة هائل وافتتاح المستشفى الجديد وتحت نفس الاسم مستشفى السعيد وتسليم المستشفى القديم الى الحكومة مع دعم من مجموعة شركات هائل لجعله مستشفى لمرضي السرطان. انتقل المرحوم كمال ليتبؤا منصب جديد وهو رئيس الجمعية الخيرية للمجموعة قد ربما جاء القرار من منطلق بان هذا الرجل يتسم بأعمال الخير والأحسان قبل اى وظيفة اخرى.

وهنا أثبت ايضا انه كان محل خير وعطاء لكل المحتاجين المتعاملين مع الجمعية الخيرية ومع هذا لاقي المستشفى الجديد بعض الصعوبات من ادارته الاجنبية ليتخذ قرارا من ادارة المجموعة بنقل المرحوم كمال كمدير للمستشفى الجديد لمعرفتهم بما قام بالمستشفى القديم وعمل به بإخلاص واجتهاد وتفاني كما هو معهود منه وحاول بقدر المستطاع الخروج به الى النجاح مثلما كان في المستشفى القديم.
ومن كثرة فترة عمله في المستشفىين واخلاصه فيهما، فقد كان يدعى بالدكتور مثلما نعاه تحت هذا الوصف، الاستاذ القدير من قيادات مجموعة هائل سعيد / شوقي احمد هائل سعيد محافظ تعز السابق وابنها البار بقوله (إنه ليوم حزين.. ننعي فيه الأخ العزيز الدكتور كمال قاسم غالب – مدير عام مستشفى السعيد سابقا – والذي انتقل الى جوار ربه صباح اليوم في العاصمة المصرية القاهرة.
لقد عرفت أخي الدكتور كمال، عن قرب، منذ سنوات كثيرة، بتعامله الراقي مع الجميع وكان لطيفا، ودودا، محبا ومخلصاً لعمله، متواضعا، كريما، وفيا وشهما، يحمل في نفسه الكثير من المبادئ الثابتة والصادقة والقيم والأخلاق الفاضلة. رحيله مؤلم حقا، ولا راد لقضاء الله وقدره، صادق العزاء اتقدم به الى اولاده وأهله وأصدقاءه رحمة الله تغشاه. إنا لله وإنا اليه راجعون الأسيف: شوقي أحمد هائل سعيد 18 مارس 2021م). رحم الله الفقيد بواسع رحمته وانا لله وانا اليه راجعون.

  •  القائم بالاعمال بالاصالة للسفارة اليمنية في بريتوريا – جنوب افريقيا

عناوين ذات صلة:

 

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية