تمييع الشخصية اليمنية في الدراما المحلية

تمييع الشخصية اليمنية في الدراما المحلية
توفيق السامعي

توفيق السامعي يكتب: تمييع الشخصية اليمنية في الدراما المحلية


مع كل موسم رمضاني تتسابق القنوات التلفزيونية اليمنية لصناعة دراما محلية لمحاولة جذب المشاهد وكسب الجمهور المحلي بقوالب متشابهة كثيراً، لكن القاسم المشترك بينها تمييع الشخصية اليمنية وإظهاره بمظهر إنسان مخبول الشكل والفكر والسلوك ورث المظهر وغير النظيف،

وكأن القائمين على تلك الأعمال يرون أن جمهورهم لا يمكن أن يتفاعل مع تلك المسلسلات إلا من خلال تلك الشخصية التي يفكر صانعوها أنها فكاهية ممكن أن تجذب الجمهور، لكنها لم تعد فكاهية بقدر ما هي تردٍ وانحطاط ومساهمة في قتل الشخصية اليمنية وتدميرها ثقافياً واجتماعياً لتصبح في اللاوعي الجمعي الجماهيري شخصية ممقوتة ومنبوذة مع أنها مشاهدة في فضاء مفتوح تجعل الخارج كله يقيم اليمني من خلال ذلك الأداء وتلك الشخصية.
لقد صبغت شخصية دحباش اليمني بتلك الصبغة التي لا تكاد تفارقه اليوم، حتى أن أبناء المحافظات الجنوبية مثلاً صاروا لا يرون في كل أبناء الشمال إلا شخصية دحباش الهزلية المحتالة السوقية ولا شيء غيرها، فجاءت الأعمال الأخرى مقلدة وماضية في نفس الطريق حتى اليوم في كل الأعمال الفنية من خلال سلسلة “همي همك” أو “كشكوش” أو غيرها، باستثناء بعض سلسلات “همي همك” الجادة والمعبرة بطبيعة الحال كالجزء الخامس مثلاً الذي اعتُبِر أفضل الأجزاء.
إن مخاطر ذلك التجسيد الهزيل كبيرة على المجتمع في المساهمة بتدمير النشء الذي يتربى على تلك السطحية الهزلية الممزوجة بالتردي والانحطاط الفكري والقيمي، وكأن اليمني لا يعيش إلا من خلال ثقب الحارة ذات السلوك المنحط والذي ليس له من هم سوى توفير لقمة ونوم هادئ وحياة كلها استهتار بعيداً عن اتزان الشخصية اليمنية وجديتها المعروفة، وإظهارها بعدم الاعتزاز بالذات، ونقل الجمهور إلى عالم التثقيف والتحليق الإبداعي في كل المجالات، والتي تساهم الدراما في صياغته إلى حد كبير.
هناك مسلسلات -على ضعفها وبعض المآخذ عليها- كانت جادة وقوية التأثير في المجتمع كالجزء الخامس من مسلسل “همي همك” مثلاً الذي قدمه فهد القرني مع فلاح الجبوري عام 2013 كان من أرقى الأعمال الدرامية اليمنية التي شعر المجتمع معها أنه أمام تطور درامي راقي الرؤية والعمل، مع بعض المآخذ التي سأذكرها لاحقاً، وكذلك كان مسلسل “غربة البن” جيداً في رسالته لتجسيد حالة اجتماعية معينة من تاريخنا الحديث، ومع ذلك لم يخل من بعض التفاهات الهزلية.
مسلسل “عيال قحطان” الذي يقدمه فهد القرني وبعض الفنانين اليمنيين في هذا العام أعتقد هو الأفضل بين كل ما قدم من ناحية الرسالة والأداء بعيداً عن النمطية المعهودة عن المسلسلات اليمنية الأخرى، لكن عليه مآخذ فنية وجوهرية وحتى من حيث التسمية (عيال)، كما هو الحال في الجزء الخامس من “همي همك”، حيث يجسد المسلسل واقعاً يمنياً قديماً برؤية ثقافية وإيحاء تاريخي لصراع هوية بين اليمنيين وآل الرسي بنمط بدوي، ويصور الواقع اليمني على أن اليمنيين كانوا بدواً رُحّل ساكني الخيام والصحراء، واستخدام لغة التخاطب باللهجة البدوية الخالصة التي هي لغة بادية الشام تحديداً وليست حتى لغة بادية الحجاز فضلاً عن لغة اليمن بطبيعة الحال.
على الرغم من أن في اليمن بوادي وصحارى لكن ساكنيها عبر التاريخ كانوا سكان منازل من حجارة وطين أو من طين ولبن خالص، أو سكان “مدر” كما يسميهم العلماء، وشواهدهم الآثارية في كل مكان، وقد صنف كل العلماء العرب اليمن عبر التاريخ أنهم أصحاب مدر وحضارة محتكة بالأمم، ولذلك منع اللغويون العرب أن تؤخذ اللغة العربية منهم، وهذا كان نوعاً من التعصب والصراعات التاريخية بين القيسية واليمانية أو اليمانية والمضرية، أو القحطانية والعدنانية بلغ كل المجالات ومنها المجالات العلمية واللغوية، وإن كان ظاهرها علمياً عللوا لها تعليلات مختلفة إلا أنها في الحقيقة صراع ثقافي بينها.
الشاهد في هذا الأمر أن العرب منعوا كل ذلك لأن اليمن أهل مدر (أبنية وقصور من حجارة وطين) وليسوا أهل وبر (سكان خيام وصحراء)، وهذا مالم يتنبه له منتجو هذه المسلسلات كالجزء الخامس من مسلسل “همي همك” المذكور سابقاً أيضاً.
أتذكر الفنان فهد القرني وهو يعلق على لغة مسلسل “همي همك” الجزء الخامس في قناة “السعيدة” بعد عرضه في رمضان عام 2013 وهو يتحمس بقوة في اللقاء ويقول: “نحن أصل البداوة، ولغتنا هي اللغة البدوية”، وأعتقد أنه كان يقصد أننا أصل العرب ولكن بما يتسق مع هدف اللقاء وجواباً على سؤال لماذا اخترت اللغة اللغة/اللهجة البدوية للمسلسل؟، وقد وقع في خطأ كبير وفادح لتبرير لغة المسلسل.
على المخرج والمنتج لمثل هذه المسلسلات أن يكون ملماً بجوانب متعددة وعلى رأسها الجانب التاريخي الحضاري أو الاستشارة في ذلك أصحاب الخبرة والباحثين حتى يكون العمل كاملاً دون مآخذ.
تسمية “عيال قحطان” تسمية ركيكة فلفظ العيال عادة يتم التلفظ بها للسخرية والتقليل من قيمة النسل خاصة وهناك مترادفات واسعة مثل “أبناء، أولاد” وكان يمكن أن يطلق عليها لفظ “نسل قحطان/أبناء قحطان/أجيال قحطان” مثلاً!
اضطرت بعض القنوات لإلغاء بعض هذه الأعمال بسبب غضب الجمهور الذي كان محقاً في النقد، وكان الأجدى بمدراء برامج تلك القنوات أن لا يجيزوا تلك الأعمال من الأساس وليس إيقافها بعد البث لأنها تعتبر عقوبة قاسية ومؤلمة لصاحبها تدمر نفسيته في انطلاقتها الأولى، وهناك أنباء عن إيقاف قناة أخرى لعمل آخر أيضاً بعد أن بدأ البث فيه.
السؤال الذي يطرح نفسه وبقوة: من الذي أوحى لمنتجي تلك الأعمال أن الجمهور لا يمكنه المشاهدة إلا من باب ذلك الثقب الأسود في تقديم الشخصية اليمنية بتلك الركاكة وعدم التفكير الجاد بالارتقاء بالدراما اليمنية كما تفعل كثير من الدول مع أن الخسارة واردة بعيداً عن ظروف اللحظة التي تمر بها البلاد طالما والتمويل قائم بشكل أو بآخر؟!
تعمد الدول إلى صناعة دراما خيالية في القوة والتأثير وصناعة الأحداث لترتقي بشعوبها ونقل فكره السطحي إلى العمق الحضاري والتأثير المجتمعي كونها من أكبر المؤثرات التثقيفية وصناعة الوعي المجتمعي، كالمسلسلات التركية التي غزت كل بيت في العالم مثل “وادي الذئاب”، و”قيامة أرطغرل”، و”المؤسس عثمان”، و”المحارب”، و”العهد”، و”قطاع الطرق”، و”نهضة السلاجقة”، أو المسلسلات العربية ك”ربيع قرطبة”، و”ملوك الطوائف”، و”صقر قريش”، و”باب الحارة”، و”ليالي الحلمية”، و”فارس بلا جواد”، أو المسلسلات الدينية المعروفة ك”محمد رسول الله”، “خالد بن الوليد”، “طارق بن زياد”، أو، أو.. إلخ، غير أن المسلسلات العربية التاريخية أو الاجتماعية كان هدفها التعريف بالتاريخ العربي الإسلامي أو الاجتماعي لمعالجة قضايا اجتماعية بعيداً عن الأبعاد الاستراتيجية كالأفلام الأمريكية أو الهندية ومن بعدهما التركية.
بين المتعة والفائدة
الركيزتان الأساسيتان والهدف العام من قيام الأعمال الأدبية والفنية في الرواية أو الدراما، وكذلك الغاية منها، تقوم على أساس المتعة والفائدة للمتلقي، كما علمتنا المناهج النقدية والأدبية، وهذا هو العنوان الذي تندرج تحته كل أهداف وغايات الأعمال الأدبية والفنية المختلفة كما تعلمناها في دراستنا النقدية.
لقد صارت الدراما والسينما في عصرنا هي الذراع الناعمة والمتطورة للاستعمار الجديد لاحتلال الشعوب، ونشر ثقافة المحتل، وهدم ثقافة الدول المحتلة، وتكريس غايات دول الاحتلال من خلال الكم الهائل من الضخ الدرامي حتى تصبغ الشعوب المتلقية بصبغة الدول المصدرة والمنتجة.
فقد كرست السينما والدراما الأمريكية في وعي شعوب العالم الشخصية الأمريكية لبطلها الذي لا يقهر، وأنه شرطي العالم ومنقذ العالم من الكوارث، والساعي إلى إنقاذ الشعوب من حكوماته الدكتاتورية، وتصحيح ثقافة الشعوب الأخرى المتخلفة إلى الصيغة الأمريكية المتطورة.
كما عملت سينما هوليود كمُنَظِّر وصانعة سياسات الدولة في تعاملها مع الشعوب الأخرى ولذلك أنتجت أفلاماً ورؤى عن العرب والمسلمين وكيفية غزوهم وهدم حضارتهم وتدمير سياسات الدول العربية الفاعلة فيه كخطوة أولى ثم التحرك العسكري والغزو كمرحلة ثانية.
فمثلاً تدمير العراق وغزو صدام للكويت تم إنتاج أفلامها قبل الغزو بخمس سنوات، وتدمير أبراج التجارة العالمي تم إنتاج أفلامها قبل أحداث 11 سبتمبر بعشر سنوات، وهكذا.
بينما كرست الدراما التركية في المتلقي الجانب الأخلاقي في الشخصية التركية والعدالة في حكم العالم وحماية المظلومين وخلاص الشعوب من المحتل والاستعباد والذل والهوان، وحيث إن هذه الأخيرة تتقاسم الثقافة الشرقية عموماً مع العرب والمسلمين كان غالبية جمهورها عرباً ومسلمين.
بهذه الأعمال الدرامية التركية توجه تركيا خطابها للشرق أي للعرب والمسلمين تصحح صورتها المشوهة عند العرب بفعل سيطرة امبراطوريتها السابقة على البلاد العربية والتي لقيت مقاومة عربية واستغلالاً غربياً لهدم دولتها من خلال العرب.
ومع الأعمال الجادة والصارمة للمسلسلات التركية إلا أن المنتج لها كسر الرتابة والجمود وتلك الصرامة من خلال تسريب بعض الجانب الفكاهي فيها لكسر مللك المتابعة حتى في أعلى المسلسلات جدية وصرامة، مثلاً في وادي الذئاب المعروف بقدر شخصية ميماتي الصارمة التي لا تعرف المزاح والضحك إلا أنه أحياناً يخرج عن السياق بأشياء مضحكة حتى الثمالى، وكذلك من خلال شخصية عمران أو عزت اللذين يسكران المشاهد بفكاهة وضحك منقطع النظير، فأنا شخصياً إذا أردت أن أضحك أعود إلى بعض مقاطع هؤلاء المضحكة ولا أكاد أتوقف من الضحك، وأكثر الشخصيات فكاهة هي شخصية ممثل المنظمة مورو أو الخال ظاظا، وفي مسلسل أرطغرل شخصية بامسي أكثر الشخصيات فكاهية ومثيرة للضحك وكسر ملل المتابعة.
غير أن هذه الفكاهة لم تحط من قدر ومكانة تلك الشخصيات في المسلسلات ولم تغير ملامحها أو تظهرها بمظهر الشخصية المخبولة سلوكاً والرثة ملبساً كالشخصية الدرامية اليمنية التي أرادوا تكريسها في الأعمال اليمنية ابتداءً من شخصيات دحباش وزخيم وكشكوش.. إلخ.
إنه أفضل وقت للتنافس بين القنوات اليمنية لإنتاج أعمال درامية نوعية واليمن غنية بالأحداث التي يمكن أن تُمثَّل، وهي كذلك استوديو مفتوح بشكل طبيعي لا يحتاج لأي من التكلف في عمل ديكورات أو مؤثرات بصرية، كما لا تنقص اليمنيين النصوص الأدبية التي تقوم عليها الأعمال الدرامية، فلدينا كتاب روائيون ومسرح ولدينا كتاب سيناريو ولا يمنع أبداً الاستعانة بما عند الآخرين لنقل التجربة إلى اليمن خاصة ومعظم القنوات اليمنية تبث من إسطنبول بتركيا حيث صناعة الدراما التركية يمكن الاحتكاك بهم والاستفادة منهم، ومن حيث التمويل فإن من يمول تلك الأعمال التافهة يمكنه أن يمول الأعمال الكبيرة.
أعتقد أن الأعمال اليمنية التي قدمت لم تحقق الغايتين المذكورتين (المتعة والفائدة) وإن كانت المتعة المفروضة على الجمهور في تلك الأعمال هي الطاغية كون الجمهور اليمني لم يجد غيرها، ولو وجد غيرها من المتعة الراقية لاتجهت الأنظار إليها أكثر من غيرها، أما الفائدة فلم يستفد الجمهور منها شيئاً، فلم تغنه في الثراء المعرفي ولم تحقق له النقلة في التفكير والاتزان في السلوك.
فبشهادة معظم النقاد والمحللين السياسيين والمراقبين للأحداث منذ 2015 وحتى اليوم مثلاً في الأعمال الدرامية التركية قالوا إن الشخصية الاجتماعية التي صنعتها المسلسلات التركية مؤخراً ساهمت كثيراً في المجتمع التركي التصدي للانقلابات المتتالية وخرج الشعب التركي يتصدى للانقلاب العسكري الذي حصل في تركيا في يوليو 2016.

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية