المدرسة الغنائية العدينية: العلان والصراب مواسم للفرح المفتوح

المدرسة الغنائية العدينية: العلان والصراب مواسم للفرح المفتوح
فيصل العواضي

د. فيصل العواضي يكتب عن المدرسة الغنائية العدينية: العلان والصراب مواسم للفرح المفتوح


توقفنا في الفصل الخامس عند الحديث عن الزوامل وأهازيج الحرب كمصدر من مصادر الألحان في مديريات العدين محافظة إب، وكنا قد أشرنا في الفصول السابقة عندما تحدثنا عن أغاني العمل الى العلان والصراب ووعدنا بإفراد حيز مستقل لهذين الموسمين لما يزخران به من خصوبة وتنوع في الألحان.

عادة ماكان المزارعون يستنفدون مخزونهم من الغلال الذي يعتمدون عليه في الغذاء اليومي بعد موسم التلام وتبدأ المعاناة مع الجوع طوال الفترة التي ينمو فيها الزرع فيصلون الى أن يأكل بعضهم الشجر ويقترضون الحب ممن كانوا يملكون مدافن وهم كبار ملاك الأراضي الذين يدفنون المحاصيل في مدافن لوفرتها ويقومون بإقراض الناس حتى موسم الصراب (الحصاد).

كانوا يطلقون على هذه الفترة الخريف وأيضا كانوا يلقبون الجوع بعُبيد الخريف ولذا فأول ما يبدأ موسم العلّان تكون المهاجل ساخرة من الخريف:

يا عبيد الخريف زلجت حاله وماله
مدكي بالمكان كل ساع وفجّع عياله
نعنبوك يالخريف مالخير قا زجّد بتعريف

يبدا العلان عندما يتجاوز الزرع كل مراحل الخطر وكلها في الخريف مثل “الجُدمي” وهو الدودة الخضراء التي تأكل الزرع، والجراد حيث كان المزارعون يقولون إذا خرج الخريف فكل آفة مخذولة.

ومع بداية موسم العلان تبدأ حبوب الذرة تخرج من السنابل ويبدأ الجهيش وينطلق الفرح الكامن بسبب الجوع طوال الخريف وتبدأ مهاجل العلان التي تحمل مضامين الغزل والحب والتفاؤل فيبدأ المهجل بعبارة “يا صباح الرضا” وبعدها تبدأ القوافي من الرجال والنساء فيقول:

يا صباح الرضا كل من يبدّي حبيبه
تمر والا زبيب والا عنب من قتوبه

ثم يتجه الى وصف للبنات.. نموذج:

يا بنات الجبل يا دخن حالي مجلجل
رددين الهجل يا من سمعكن بيخجل

يا بنات يا بنات يا نازلات حائط القات
بالكعوب النبات والصدر مكتوب جلالات

ولا يقتصر الأمر على الوصف فقط فكل يعبر عما في مكنون قلبه سواء كان رجلا أو امرأة فتقول الهجالة:

غردين يا حمام من فوق دار الحمودي
كلهم اسلموا واهو مكانه يهودي

ويرددن جماعيا:

يا صغير اخوتك ليتك تجي عندنا ضيف
شنذبح كباش اما البهام عقر بالسيف

ويكشف آخر عما في نفسه فيقول:

يا عقاب يا عقاب ياللي على الحيد طارح
ما معي الا التهم والغير شلوا المصالح

وآخر يناجي حبيبه الحزين فيقول:

يا حبيب القلوب مو بك مغثي ومكروب
لفقوا لك عيوب وزوجوك غير مكتوب

وتتنوع مضامين العلانيات بين البعد الاجتماعي والهموم الذاتية.. وأروي هذه الحكاية فقد كان هناك شيخ سجَنَ شخصا ورفض أن يطلقه رغم الوساطات المتكررة واسم الشيخ سنان بن سنان وكان يخرج في جولة صباح كل يوم فاستغلت زوجة المحبوس مروره بالقرب منها ورددت هذا المهجل:

يا سنان بن سنان لا عاد معك قلب يخشع
فُك لخلي القيود ساعة من الليل ويرجع

الى آخر المهجل الذي لا أذكره.. فلما سمع الشيخ سنان الهجلة أمر بإطلاقه فورا.

أما حكاية دحباش الذي كلفه أحد الولاة بالذهاب إلى منطقة عرف أهلها بالمغالاة في المهور لينصحهم ويرشدهم الى أهمية تسهيل الزواج وسبقت البشائر بوصوله وطبيعة مهمته ولما وصل المنطقة قالت الهجالة:

يا صباح الرضا قد جاءنا اليوم دحباش
ذبحوا له كباش ينغبش العلم نغباش

فما كان من دحباش إلا أن اجتمع بالناس أثناء المقيل وبدأ بنصحهم بعدم الإكثار من الجنس وأنه مضر بالصحة فبات الرجال تلك الليلة بعيدين عن زوجاتهم فأصبحت الهجالة تقول:

والرعيه قراش قا صدقوا علم دحباش
العمامه نداش يخربش العلم خرباش

فبدلاً من وصفه أنه ينغبش العلم نغباش، صار يخربش العلم خرباش والنغباش التفتيش بعناية أما الخرباش فهو معروف عبث لا طائل منه.

وهكذا حتى الأحداث اليومية تنعكس في مهاجل العلان، وفي نماذج للهجاء وشدة الرفض فها هي الهجّالة ترفض ابن عمها وتصفه بأوصاف مزعجة:

قلت والله القسم لانتَ ابن عمي ولا اعلم
وسط راسك كُنَم وراس قلبك مُوَسّم

وقد أجاد الدكتور مطهر بن الإرياني في أغاني العلان التي تضمنها ديوانه “فوق الجبل” فهو يقترب من البيئة فيقول على لسان زوجة المغترب:

قالت الهايمة لي خل خلف البحارة
غاص قلبي وراه ولا رجع بالأمارة

ويأتي لتلك التي زوجوها بشخص لا تريده غصبا عنها فيقول على لسانها:

يا رجال البلد من ذي بظلمي تقلّد
لا ربي له ولد ولا شفع له محمد

أما ذلك الصياد الذكي الذي كان لا يفلت منه الصيد ووقع أخيرا هو في الشرك فيقول باسمه واصفا حالته:

صوت فوق الجبل من منبت الصعتر انهل
شل به واحتفل صياد قلبه تشلشل

قال وا لهفتي يا اهل الهوى وا ولوعي
كان قلبي معي واليوم فارق ضلوعي

أما البحث في البيئة فسوف يوصلنا إلى مضامين ربما أبعد مما نتوقع أو نتخيل. وطبعا الأستاذ الدكتور مطهر الإرياني ابن هذه البيئة فلم يكتب عن رواية ولكن عن معايشة ودراية.

وينتهي موسم العلان بطابعه لندخل موسم الصراب أو الحصاد وهو موسم جني الثمار وتعويض الجهد والتعب الذي بذله المزارع طوال عام زراعي مدته ستة أشهر وهنا نجد أن أغاني أو مهاجل الصراب امتداد في طابعها الفرائحي للعلان، وأشهر مهجل هو “الهيّامة” والتي خرج بها الثنائي أيوب طارش وعثمان أبو ماهر يرحمه الله عند زيارتهما للعدين بأغنية “هيامة الزرّاع”، وهي صباحية ومسائية وتبدأ بالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. نموذج صباحي:

الله مصلي اليوم.. الا واهيامه
على شفيع القوم.. الا واهيامه
يشفع لنا ذا اليوم.. الا واهيامه
يوم الوهيج والحوم.. الا واهيامه

وتؤدى بلحن آخر سريع:

الله مصلي اليوم.. وا قَلَمَه
على شفيع القوم.. وا قلمه
الا واهيامه.. وا قلمه

نموذج مسائي:

قا برد الوادي.. الا وا هيامه
أما الجبل عاده.. الا وا هيامه

وهناك مهجل آخر بلحن آخر.. نموذج:

قلملمه قلامه.. ليت القلامه
تدوم مدامه… على بناني
وشهر حجة.. ورمضاني

وهناك ألحان كثيرة لمهاجل الهيامة فهناك لحن جماعي غالبا ما تؤديه النساء وإن كان بنفس الوزن الشعري لكن اللحن مختلف تماما.

وبعد يتوقف بنا اليراع هنا لنؤكد أن ما أوردناه عبارة عن دعوة للباحثين أن يبذلوا جهدا في سبر أغوار هذه المدرسة الغنائية الثرية التي أثرت كثيرا من الألحان وإن كانت هذه الألحان لا تنسب إليها.. فهأنذا أبدأ وأترك المجال لمن سيأتي بعدي.

 

عناوين ذات صلة:

الرئيسية | أخبار وتقارير | عربي ودولي | المقالات | اتصل بنا | من نحن | خلاصات rss | سياسة الخصوصية